ترجمة وتحرير نون بوست

يواجه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اليوم الاحتجاجات الأكثر صخبًا وغضبًا ضد حكمه منذ توليه السلطة عبر انقلاب عسكري في عام 2013؛ فضمن القاهرة وخارجها، خرج المصريون يرددون ذات شعارات ثورة يناير لعام 2011، كشعاري "الشعب يريد إسقاط النظام" و"يسقط حكم العسكر".

هذه الاحتجاجات ليست انتفاضة عفوية، بل تم التخطيط لها وأُعلن عنها في 15 أبريل، عندما خرج آلاف المصريين إلى الشوارع احتجاجًا على أحدث سلسلة من القرارات الجريئة والمثيرة للجدل التي أصدرتها حكومة السيسي، والتي عملت ببطء ولكن بثبات على تمزيق هيكلية تأييد السيسي المتينة، سواء في الخارج أو في الداخل.

قرار التخلي عن الجزيرتين لصالح المملكة العربية السعودية قد يتحول ليصبح المسمار الأخير في نعش السيسي

خلال الزيارة الأخيرة للعاهل السعودي، الملك سلمان، إلى القاهرة، أعلنت الحكومة المصرية عن موافقتها لنقل سيادة جزيرتي تيران وصنافير الواقعتان في البحر الأحمر إلى السعودية، وحاز هذا القرار، الذي تزامن مع اتفاقات نفطية ومساعدات بقيمة 22 مليار دولار، مردودات واضحة على المدى القصير، أهمها ربما الاسعافات الأولية الكبيرة التي منحتها السعودية لمداواة الجراح الاقتصادية المصرية المتفاقمة، ولكن السيسي وحكومته قللوا بشكل هائل، مرة أخرى، من تقدير مدى قدرة سلوكهم هذا على تدميرهم ذاتيًا؛ فكما قالت زميلتي الصحفية تمارا ويتس: "تواصل مصر رمي العقبات في طريق التعاون بين الولايات المتحدة ومصر"، ولكن الأمر الأسوأ من تقويضه الذاتي لعلاقات مصر الخارجية، هو الضرر الذي يلحقه السيسي بسمعته داخليًا.

إلى الشارع، مجددًا

بعد الإعلان عن هذا القرار، انطلق المصريون إلى التويتر، وروّجوا لهاشتاغ "إرحل" و"أنا_منتخبتش_السيسي" ليصبحا الأكثر تداولًا في مصر، كما تقدم بعض المحامين بدعاوى قضائية في المحاكم المصرية لمعارضة الاتفاق، وتم التخطيط للخروج بمظاهرة أكبر البارحة، الذي تصادف مع موعد عيد تحرير سيناء.

تختلف هذه الاحتجاجات الأخيرة عن مثيلاتها في الماضي؛ ففي حين أن المحتجين امتلكوا الوقت اللازم لتخطيط تحركاتهم وتنسيق أعمالهم، استفاد النظام من هذا الوقت أيضًا؛ حيث نظم أنصار سيسي احتجاجاتهم الخاصة، ولوّحوا بفخر بالعلم السعودي في ميدان التحرير الشهير، كما رسمت القوات الجوية المصرية علم مصر في السماء، واحتشدت قوات الأمن في وقت مبكر من ذاك اليوم في جميع أنحاء القاهرة الكبرى، ليمنعوا وصول المحتجين إلى معظم مواقع الاحتجاجات المعتادة، كنقابة الأطباء ونقابة الصحفيين، فضلًا عن استعراضهم الهائل للقوة لردع الناس من الخروج.

تعلّمت الحكومة المصرية الحالية بوضوح بعض الدروس المستفادة منذ سقوط نظام مبارك، حيث أعطى القانون الذي صدر في عام 2013، والذي يتطلب موافقة مسبقة من وزارة الداخلية لتنظيم أي نشاط احتجاجي، أتباع السيسي الضوء الأخضر لمحاصرة المتظاهرين الفعليين أو المشتبه بهم منذ يوم الخميس الماضي، مما أسفر عن اعتقال مئات المشتبه بتحريضهم على التظاهر، فضلًا عن اعتقال الناشطين في مجال حقوق الإنسان، بتهم تتعلق بتنظيم احتجاجات البارحة، علمًا بأن قوات الأمن لم تتعرض لأسباب واضحة للمتظاهرين المؤيدين للسيسي؛ ففي كل مرة كانت تنطلق فيها نقطة احتجاج مناهضة للنظام، كانت قوات الأمن المصرية تترصد لهم بالمكان، ملقية القبض على المتظاهرين والصحفيين، ومفرقة الحشود بالغاز المسيل للدموع والرصاص المطاطي، ولكن بالمحصلة، وبغض النظر عن النتيجة النهائية لأحداث تظاهرات البارحة، يجب على السيسي أن يلقي بالًا إلى حالة عدم الرضا المتزايد في صفوف الشعب المصري.

تنظيم مظاهرات البارحة بالتزامن مع عيد تحرير سيناء يحمل في طياته دلالات رمزية قوية؛ فالتهديدات التي تجابه قومية مصر والسيادة الوطنية شكّلت منذ أمد طويل أهم عوامل الغضب المصري، وهذا ما سمح لمنظمي الاحتجاجات الاستفادة من الغضب والإحباط المتنامي في أوساط المصريين من مختلف الأطياف السياسية، ومن هذا المنطلق، فإن إفصاح المواطنين المصريين عن غضبهم في الشوارع وعلى شبكة الإنترنت وفي وسائل الإعلام، يجب أن يكون علمًا أحمر يخفق في وجه السيسي، الذي يستنزف دعمه باطراد.

السيسي لا يفقد أنصاره فحسب، بل يفقد أعذاره وتبريراته أيضًا

الجدير بالذكر بأن تصرفات السيسي لم تثر حفيظة الإسلاميين أو غيرهم من مناهضي السيسي فحسب، بل استفزت أيضًا أحد المعاقل القليلة المتبقية من أنصار السيسي من المصريين البسطاء غير المهتمين عادة بالسياسة؛ هذه المجموعة من المواطنين الذين باتوا يعتبرون السيسي، وبعد خمس سنوات من الاضطراب السياسي، كأفضل فرصة لاستقرار مصر في منطقة يتزايد فيها عدم الاستقرار على نحو متزايد، وأبدوا استعدادًا عمومًا ليغفروا للسيسي انتهاكاته، كما أن تلك الفئة لا تؤمن بنظرية مسؤولية الأجهزة الأمنية المصرية عن وفاة طالب الدكتوراه الإيطالي جوليو ريجيني، ويتفقون على أن التمويل الأجنبي للمنظمات غير الحكومية هو شكل من أشكال التدخل الغربي في الشؤون المصرية، ناهيك عن تبريرهم قمع الحكومة الوحشي لحرية التعبير باسم تحقيق الأمن، ولكن تلفيق صفقة سرية للتخلي عن الأراضي المصرية كانت حبة عصية الابتلاع على هذه الفئة.

هل هي القشة التي ستقصم ظهر البعير؟

ما زاد الطين بلة هي التقارير التي تفيد بأن مصر تشاورت مع إسرائيل والولايات المتحدة قبل نقل سيادة تيران وصنافير؛ فعلى الرغم من أن معاهدة السلام الإسرائيلية- المصرية ما تزال سارية، إلا أن السلام المصري الإسرائيلي يمكن وصفه بأنه فاتر بأحسن الأحوال، ومن هذا المنطق، تشكل فكرة تشاور السيسي مع إسرائيل بأمر أبقاه سرًا عن شعبه، إهانة وخيانة للكثير من المصريين، وبشكل عام، لا تبدو الحقائق التي تقف خلف اتفاقية تسليم الجزيرتين بقدر أهمية نظرة الجمهور المصري بأن الرئيس السيسي قد خدعهم.

قرار التخلي عن الجزيرتين لصالح المملكة العربية السعودية قد يتحول ليصبح المسمار الأخير في نعش السيسي؛ فعلى مدى الأشهر القليلة الماضية، خسر النظام المصري أركان دعمه الأخرى، بما في ذلك فئة الثوار العلمانيين، الذين كانوا يعتبرون الرئيس السابق محمد مرسي وجماعة الإخوان المسلمين كمخربين للثورة، مما حفزهم على دعم عودة الجيش إلى السلطة، ولكن الحملة الوحشية التي ابتدرها نظام السيسي ضد الصحفيين المصريين والمنظمات غير الحكومية حوّلت ولاء العديد من العلمانيين عن السيسي، كما أن طبقة المصريين الأثرياء، الذين آمنوا بوعود السيسي حول تحقيق النمو الاقتصادي وحماية أموالهم، شككوا بشكل متزايد بوعود زعيمهم مع تواصل هبوط الاقتصاد المصري .

السيسي لا يفقد أنصاره فحسب، بل يفقد أعذاره وتبريراته أيضًا، وبدلًا من الاعتراف بأخطائه، دافع السيسي عن أفعاله، متنصلًا من اللوم ومصرًا على تغذية سرد نظريات المؤامرة؛ ففي الوقت الذي اطردت فيه الاحتجاجات في جميع أنحاء مصر في 15 أبريل، ألقى السيسي كلمة أمام مجموعة من الشباب المصري، ملقيًا باللوم على "الخطة الجهنمية" بزعزعة استقرار مصر من الداخل.

لسوء حظ السيسي، ليس هناك "مخطط جنهمي"؛ ففي عام 2011 لم تطح المؤامرة الغربية، كما اقترحت بعض نظريات المؤامرة المصرية، بنظام مبارك، بل فعل ذلك الشعب المصري الذي ضاق ذرعًا بممارسات مبارك في منصب الرئيس، وفي عام 2013، نجح الانقلاب الذي أطاح بمرسي نتيجة لتبرّم الشعب من القرارات التي اتخذها من منصبه لتوطيد سلطته ورفض الإصلاحات الديمقراطية، ولو أمضى مبارك أو مرسي وقتًا في الاستجابة لرغبات واحتياجات المواطنين مشابهًا للوقت الذي أنفقاه في سحق المعارضة، لاستمر أحدهما في منصبه حتى اليوم.

كالكثير من أسلافه، ما يغفله السيسي هو أن الأمر الأكثر احتمالًا لزعزعة استقرار حكومته لا يتمثل بالمؤامرة الخارجية أو بالخطة الداخلية، بل إن السيسي بحد ذاته هو الذي يشكل أكبر خطر على زعزعة استقرار حكمه.

المصدر: مركز بروكينجز