جلس ولي ولي العهد السعودي الشاب أمام كاميرات قناة العربية متحدثًا عن المستقبل الباهر للمملكة العربية السعودية، عن خطط بعيدة المدى ستمكن المملكة من السيطرة على أسواق الاستثمار العالمي والممرات الاستراتيجية.

تحدث الأمير كثيرًا عن الدولة السعودية ومصالحها الاستراتيجية والاقتصادية والعسكرية، تحدث بثقة مفرطة تنم عن معرفة بما يتحدث عنه، وحقيقة الأمر أن هذه المعرفة وهذا الإدراك هما شيئان مخيفان في حد ذاتهما، إذ يبدو أن الإدارة الجديدة/ القديمة للمملكة تسير بخطى واثقة نحو عصر جديد ومكانة جديدة، إلا أن وصف هذه الثقة بالمخيفة ينبع من تجاهل - ولا نقول غفلة أو نسيان - لأي رؤية إصلاحية على مستويات المجتمع والمواطنة.

يتضح تمامًا من حديث الأمير رؤية شديدة الجزافية فيما يخص علاقة المواطن السعودي بالدولة، فيبدو أن الأمير لا يرى في المواطن أكثر من مجرد مستثمر أو مستهلك ومتلقٍ للدعم الحكومي وربما رأس مال بشري قابل للاستخدام لاحقًا، تحدث الأمير من قمة عرش سيرثه عن أبيه وأجداده، لا من منصب إداري منحه الشعب الثقة اللازمة لإدارته، الأمير ليس مجرد ولي لولي العهد السعودي، بل هو أيضًا وزير دفاع المملكة ورئيس صندوق استثماراتها.

طالب الأمير المواطن السعودي بأداء دوره في تنفيذ الخطة الاستراتيجية للسعودية عام 2030، إلا أن عندما سأله المذيع عن طبيعة ما ينتظره المواطن في مثل هذه الخطة؛ فسر الأمير الماء بالماء بعد عناء قائلًا أن ما ينتظره من المواطن هو أن يقوم بدوره كما تقوم الحكومة بدورها.

ولكن يمكن تفهم ارتباك الأمير عند الإجابة عن السؤال، فهو لم يكن يعني بطلبه أكثر من قول جملة سابقة الإنتاج على أي سياسي ذي منصب في العالم يملأ بها الفراغات وسط كلامه، فحقيقة الأمر أن المواطن ليس له أي دور في هذه الخطة، فهو لم يكن له أي صلة بوضعها من الأساس، ولم ينتخب أو يفوض أيًا ممن شاركوا في وضعها، هذه الخطة كأي شيء آخر في السعودية، مجرد جزء آخر من عطاءات الأسرة المالكة لرعاياها.

لم يتحدث الأمير ولم تذكر الخطة أي نوع من أنواع الإصلاحات السياسية أو الاجتماعية في المملكة، فقط تحدث عن مجموعة من الأحلام أن تصبح المملكة لاعبًا دوليًا عملاقًا أو ما يشابه إمبراطورية تسيطر على جزء ضخم من مقدرات العالم، تحدث عن المملكة كأقوى الدول العربية والإسلامية وأحد أكبر المنفقين على القوة العسكرية في العالم، خطاب يشابه إلى حد كبير خطاب الجنرال صديق الأسرة السعودية في القاهرة، فالسعودية دولة ناجحة وأقوى الدول العربية والإسلامية تمامًا كما كانت مصر أم الدنيا وستصبح "قد الدنيا" كجزء من مخططات نادي داعمي الانقلابات العسكرية وأعداء الديموقراطية والإصلاح السياسي العربي، النادي المدار بين الرياض ومراكز الإمارة في دبي وأبوظبي، والذي تنتشر أنشطته على طول ساحل المتوسط بداية من سوريا ولبنان مرورًا بالأردن ومصر وليس نهاية عند ليبيا.

الواضح من خطاب الأمير هو على العكس تمامًا من الطبيعة الجذرية للإصلاحات والتنظيمات التي تحدث عنها، الواضح هو أن نظرة الأسرة المالكة والنظام السعودي المحتقرة للشعب السعودي لم تتغير قدر أنملة، فالمملكة لا تعترف فعليًا بوجود شعب، بل هم مجرد رعايا عرضة لكل القرارات الآتية من أعلى، الشرعية في المملكة لا تأتي من الشعب ولا القانون، وإنما يأخذ الشعب حقه في الوجود من الدولة، وتدعم الدولة وجودها وشرعيتها بسيطرتها على الحرمين الشريفين كما قال الأمير في اللقاء نصًا.

لا يدرك الأمير بأي حال من الأحوال أن أساس تواجد أي دولة في العالم هو مجرد تمظهر لكلية وجود شعب ومجتمع يفوض هذه الدولة بتسيير أموره، الدولة في نهاية الأمر هي مجرد النتيجة النهائية لطبيعة العلاقات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية داخل المجتمع، وهذا الأمر في حد ذاته هو آلية الدفاع الأساسية ضد فشل الدولة وفنائها مع أي أزمة، فالمجتمع بكل ما فيه من بشر ومهارات وقيم هو الأساس المتين القادر على امتصاص أي صدمة ناتجة عن رهان فاشل تراهنه الدولة كحرب أو أزمة اقتصادية أو غيرها، وهو القادر كذلك على توجيه القرار في أنسب الاتجاهات الممكنة لأن الدولة في هذه الحالة تصبح الصورة النهائية للإرادة الشعبية والمجتمعية.

يستطيع أي شخص ذي إطلاع على واقع منطقتنا الحالي وتاريخها القريب أن يدرك أن كل ما يقطع أوصالها من الصراعات الدموية هو نتيجة لتلك النظرة التي لم يبارحها؛ النظرة العمياء التي لا ترى في الشعوب أي نوع من الشرعية، فتقطع أوصال العراق وسوريا وظهور تنظيم الدولة الإسلامية داعش ليست سوى النتائج المباشرة لتفتت المجتمعات بعد فشل الدول، فبمجرد هزيمة دولة صدام حسين على أيدي قوى التحالف، أدرك العراقيون أن العراق لم يعد له مكان على الخريطة نتيجة لعدم وجود مجتمع أو شعب عراقي حقيقي يستطيع العمل على إعادة بناء العراق، كل الذي تبقى بعد تفتيت صدام (الذي لا يختلف بأي شيء عما يجري في مصر أو السعودية مثلًا) هو مجموعة من الانتماءات العرقية والطائفية، لم يعد هناك شعب يحافظ على ولائه لنفسه.

قد تكون عوائد النفط والدخول المرتفعة قادرة على إلهاء قطاعات من الشعب السعودي حاليًا، إلا أن هذا الشعب الذي يريد الأمير الترفيه عنه في خطته الاستراتيجية ليس بصخرة ثابتة مكانها أو كيان لا يتغير، فالسعوديون اليوم يعلمون عن العالم وأفكاره وقيمه أكثر من أي وقت مضى، وسعوديو الغد سيعلمون أكثر وأكثر، لن تبقى أسئلة الشرعية الشعبية والعقد الاجتماعي مدفونة، فالنظام بكل ما يريد أن يحققه من التنمية الاقتصادية والهيمنة الإقليمية إنما يحفر قبره بشكل متزايد السرعة، فإما ستفشل هذه الخطط بشكل مدوٍ يكفي لجلب كل مآسي الحياة السياسية السعودية، وإما ستنجح دافعة النظام لاحتقار الشعب والمجتمع بشكل متزايد سيكفي عند نقطة معينة أن يفجر كل الكبت والأسئلة المسكوت عنها.

السعودية في هذه المرحلة ليست أمام احتمالات عدة، بل هو احتمال واحد لا ثاني له طالما استمرت هذه القطيعة بين النظام والشعب، احتمال فشل وانهيار الدولة بشكل نهائي عاجلًا أم آجلاً.