بدأت القصة بلقاء تليفزيوني لرئيس جامعة الخرطوم –الجامعة الأعرق في السودان- الذي تحدث فيه عن نتائج اجتماع ثلاثي بينه وبين نائب رئيس الجمهورية ووزير التعليم العالي، والذي تم التباحث فيه حول مسألة نقل كليات الجامعة خارج مباني الجامعة التاريخية إلى أحد ضواحي العاصمة الخرطوم وبالتحديد منطقة "سوبا"، وذلك بغرض تحويل مباني الجامعة إلى مزار سياحي.

لم يتقبل طلاب الجامعة الفكرة واحتشدوا اعتراضًا على هذا العرض الحكومي، مما أدى إلى اندلاع تظاهرات طلابية عنيفة ضد مسألة بيع مباني الجامعة. الأمن السوداني تدخل لتفريق هذه التظاهرات بالقوة، فيما شوهدت عمليات كر وفر بين قوات الأمن والطلاب في الشوارع المحيطة بالجامعة.

إحتدمت المواجهات بين قوات الشرطة السودانية، وطلاب جامعة الخرطوم الرافضين لأنباء راجت على نطاق واسع بعزم الحكومة بيع مباني الجامعة، كما نفذت السلطات حملة اعتقالات واسعة وسط الطلاب، رغم نفي مجلس الوزراء تارة لهذه الأنباء من جهة وكذلك إدارة الجامعة.

شرارة أخرى في جامعة كردفان

اتهم طلاب المعارضة الطلاب المحسوبين على المؤتمر الوطني الحاكم بمحاولة التلاعب في عملية انعقاد الجمعية العمومية لاتحاد الطلاب بسبب سيطرتهم على مجلس الاتحاد المنتهية ولايته، حيث دعوا إلى عقد جمعية عمومية تمهيدًا لإجراء الانتخابات الجديدة.

ووفق رواية الطلاب المعارضين فإن الجمعية العمومية حددت الساعة الخامسة من فجر الثلاثاء لتقديم قوائم المرشحين في محاولة لإثناء الطلاب عن تقديم أي مرشحين، ما يستتبع إعلان فوز طلاب الاتحاد القديم بالتزكية.

كما اتهموا عناصر تابعة للحزب الحاكم بالاعتداء على الطلاب الذين ذهبوا لتقديم قائمة بمرشحيهم للاتحاد في الموعد المحدد، وهو الأمر الذي افتعل اشتباكات أدت إلى سقوط قتيل طالب بكلية الهندسة جراء طلق ناري، وعدد من الجرحى فضلًا عن اعتقال عشرات الطلاب.

شهدت بعدها جامعة كردفان التي تقع بمدينة الأبيض ـ 588 كلم جنوب غرب العاصمة السودانية الخرطوم، عمليات تمشيط من الشرطة السودانية لمقر الجامعة وداخليات الطلاب، وامتد الأمر إلى ملاحقات في الأسواق.

هذه الشرارة الثانية بجانب إشاعات بيع الحكومة لجامعة الخرطوم أعطت زخمًا للحراك الطلابي الذي امتد إلى معظم جامعات السودان الحكومية منها جامعة البحر الأحمر والجزيرة ودنقلا وجامعة كسلا.

كما أعطت هذه الاحتجاجات الطلابية بشعارات مختلفة دفعة لظهور مطالب أخرى للطلاب، حيث حيث نظم طلاب جامعة نيالا احتجاجًا على زيادة تعرفة المواصلات وانعدام المعامل التطبيقية لكليات الجامعة، وكذلك احتجاجًا على ارتفاع أسعار الوجبات داخل حرم الجامعي.

في الوقت الذي تنشر فيه حكومة جنوب دارفور، تعزيزات من قوات الشرطة في الطرق الرئيسية لعاصمة الولاية، خوفًا من امتداد مظاهرات الطلاب بجامعة نيالا إلى خارج المدينة، بعد أن تظاهر طلاب جامعة نيالا، أمام مكتب رئيس الجامعة.

الحكومة تخشى أن تؤثر هذه التظاهرات في هذه المنطقة على المعرض التجاري المقام بالمدينة، إذ تؤكد أن وضع الولاية في هذه الأيام لا يحتمل أي مظاهرات أو أعمال شغب قد تتسبب في فشل المعرض خاصة بعد وصول شركات استثمارية ورجال أعمال، وهو ما دعا الأجهزة الأمنية لنشر أكثر من 76 سيارة مدججة بالأسلحة والجنود للتصدي لأي مظاهرات.

فيما اشتبكت الأجهزة الأمنية من قبل مع بعض التظاهرات التي اندلعت في الجامعة محاولة حصارها، وهو ما انتهى في النهاية باعتقال ما يزيد عن 50 طالبًا أودعتهم عناصر الأمن في مركز شرطة نيالا وسط، بعد أن استخدمت قنابل الغاز المسيل للدموع لتفريقهم، مما أدى إلى حدوث حالات إغماء وسط الطلاب، نقلوا على إثرها إلى مستشفى نيالا كما عمدت القوات الأمنية إلى إطلاق الأعيرة النارية الحية في الهواء لمنع التجمهر من جديد.

إرهاصات بالتصعيد

تواصل نون بوست مع مصادر طلابية في السودان وبدورهم أكدوا اتجاه الأمور نحو التصعيد بعد أن أصر النظام على قمع التظاهرات المتواصلة منذ أيام والتي تمتد للجامعات السودانية المختلفة بمطالب متنوعة، حتى اختلطت المطالب الفئوية الطلابية بالمطالب السياسية في بعض الجامعات.

فيما نقلت مصادر لـنون بوست سقوط قتيل آخر اليوم من الطلاب في جامعة أم درمان الأهلية المعروفة بكثافة الحركة اليسارية بها، وذلك بعد اشتباكات بين طلاب مؤيدين للمؤتمر الوطني الحاكم ورابطة طلاب معارضة، حيث شهدت الجامعة دخول عناصر ملثمة مجهولة إلى الجامعة، ومن ثم سقط طالب قتيل برصاص مجهول ومعه أكثر من 5 طلاب مصابين.

الأمر الذي اندلعت على إثره احتجاجات واسعة اضطرت الشرطة السودانية للتعامل معها بإطلاق قنابل الغاز المسيل للدموع، لتفريق مجموعات من طلاب الجامعة الذين خرجوا إلى الشارع، في الوقت الذي تم فيه نقل الطالب القتيل إلى مشرحة أم درمان التي شهدت هي الأخرى تجمعًا من الطلاب والمواطنين.

هل هو ربيع طلابي سوداني؟

 يؤكد متابعون للشأن السوداني أن الحراك السياسي الذي اندلع مؤخرًا في البلاد والمتعلق بمسألة تقسيم دارفور إلى ولايات عبر الاستفتاء الإداري، بعد أن حسم النظام الخيار العسكري أمام حركات المعارضة المسلحة، لا ينفك عن الحراك الطلابي الأخير.

حيث أن المعارضة متهمة بمحاولة استغلال هذا الحراك الطلابي لصناعة إرباك لدى النظام، خاصة بعد فشل التعويل على المعامل الخارجي في الضغط على النظام السوداني، وهو ما أدى في النهاية لرضوخ النظام للمطالب الطلابية لتفويت الفرصة على المعارضة، إلا أن الحراك الطلابي لم يهدأ بعد، وتضامنت جامعات سودانية أخرى مع حراك جامعة الخرطوم وحراك جامعة جنوب كردفان.

هذا الأمر الذي رد عليه النظام بمزيد من التعزيزات الأمنية حول الجامعات، وبالاشتباك مع المظاهرات الطلابية التي تخرج في مختلف المناطق، وكذلك بتعليق الدراسة في الجامعات التي تشهد احتجاجات قوية.

ورغم محاولات بعض القوى السياسية تأييد هذا الحراك على استحياء كحزب الأمة المعارض الذي دعا إلى الانضمام إلى هذا الحراك، إلا أن البعض اتهم النخب السياسية بخذلان الشارع كالعادة.

كما يرى محللون أنه حتى الآن لم تخرج المطالب من الإطار الطلابي رغم كل هذا الزخم، ولكنهم يستبعدون حتى الآن تحول الحراك إلى مطالب عامة تستهدف النظام، ولكن على المدى القصير ربما تحدث هذه الاحتجاجات بعض التراجعات في ملفات معيشية وسياسية بعينها من قبل النظام السوداني لتهدئة الشارع، خاصة مع موجة الضغط الدولي التي ظهرت عقب هذه الانتفاضة الطلابية، حيث طالبت منظمة العفو الدولية بفتح تحقيقات في الانتهاكات الحادثة ضد الطلاب، كما غطت صحيفة الجارديان البريطانية حوادث الاشتباكات بين الطلاب الموالين للنظام الحالي والمعارضين والتي أدت إلى مقتل طالب بجامعة كردفان.