كارل ماركس في قلب التظاهرة

انطلقت مسيرة الاحتفال بعيد العمال من قلب مدينة كولون في غرب ألمانيا مع تمام الثانية عشرة ظهرًا، وصلت متأخرًا إلى حد ما فقط لألحق بمؤخرة المسيرة، كان وقع الهتافات على أذني غريبًا بعض الشيء؛ فالهتاف كان يصدح باللغة التركية؛ استطعت بعد بعض الوقت تمييز الألوان المميزة لأعلام حزب العمال الكردستاني في مؤخرة المسيرة مصحوبة بصور الزعيم الكردي عبد الله أوجالان.

مع البدء في السير نحو مقدمة المسيرة ازداد ذهولي بشكل مستمر، فبمجرد تخطي المجموعة الكردية، تستطيع أن ترى وبوضوح أعلام حزب الشعب الجمهوري التركي مرفوعة ومصحوبة بهتافات تطالب بالعدالة وحقوق الإنسان، وصراحة يبدو هذا شديد الغرابة؛ خصوصًا بالنظر إلى وجود المجموعتين السابقتين على هذه المقربة من بعضهم البعض من دون أي اشتباك أو مشاكل، فالمجموعة الكردية تمثل كل ما هو على النقيض من مجموعة القيم المؤسسة للجمهورية التركية؛ والتي يتبناها حزب الشعب الجمهوري الوريث الشرعي لإرث مصطفى كمال أتاتورك.

يستمر الأمر ليصبح أكثر غرابة بالتدريج، فبمجرد تعدي مجموعة حزب الشعب يمكن لك بوضوح رؤية مجموعة من أعلام فلسطين، مع الاقتراب من حامليها تبين لي أنهم لم يكونوا مجرد فلسطينيين؛ بل كان عدد منهم من الألمان بشكل واضح، ومباشرة إلى جانبهم كان عدد من الشباب يحملون شعارات وأعلام حزب العمال الشيوعي الإيراني؛ جنبًا إلى جنب مع مجموعة من المنادين بعودة حكم الشاه إلى إيران!

بداية من هنا تختفي المجموعات التي تتميز بالعرق، تبدأ المجموعات المتفرقة على أساس أيديولوجي وسياسي في الظهور، فالغريب أنه وإن كانت المسيرة عمالية يسارية حمراء الأعلام والملابس بامتياز؛ فإن تنوع المجموعات المشاركة واختلافها يدعو للتأمل، فبين العمال الذين لا يهتمون سوى بإظهار رغبتهم في زيادة أجورهم وتحسين ظروفهم؛ وبين شباب الجامعات المنادي بفتح أبواب الهجرة للاجئين والترحيب بهم مسافة كبيرة؛ إلا أن هذه المسافة تمتلئ بتنوع كبير جدًا من كافة التوجهات اليسارية والعمالية في بلدة ليست بأضخم مدن ألمانيا بأي حال من الأحوال.

في القلب من كل هذا، يصدح عدد من الشباب والشيوخ على حد سواء بهتافات شديدة الحماسية، أخبرني دليلي في هذا اليوم أن هؤلاء هم من يعرفون بالـ "بلاك بلوك"، الأعداء شديدي الندية والعنف ضد الجماعات النازية والفاشية على طول ألمانيا، هتف هؤلاء ترحيبًا باللاجئين كما هتفوا تهديدًا لذوي الرؤوس الحليقة (الجماعات النازية الجديدة) كما يسمونهم، وكان من الواضح تمامًا جدية هذه التهديدات في الغياب التام لأي من النازيين الجدد المشهورين بالتحرش المستمر بمثل هذه التظاهرات

إذا وصفنا هذا المقال على أنه تقرير، يصبح من الصعب إفراد مساحة كبيرة للتحليل فيه، إلا أن نظرة متفحصة لمثل هذا التنوع والتناغم تصبح واجبة، خصوصًا مع استيعاب هذه الحالة لعدد ضخم جدًا من الآراء والجماعات التي قد تكون على قدر من العداوة والتناقض، يصبح عقد مقارنة مع الوضع في عديد من بلدان الشرق الأوسط (تلك التي شارك عدد كبير من أبنائها في هذه المسيرة تحديدًا) وما يتصف المجال العام فيها به من الانغلاق والاستثنائية.

ساقتني الأقدار إلى حضور عدد كبير من التظاهرات والمسيرات في كل من تركيا ومصر، دائمًا ما اتصفت هذه بالوحدة في كليتها وفي تشابه المشاركين بها إلى حد كبير، يمكن الزعم أن المطالب تكون إلى حد كبير متفق عليها، لا يقوم الشخص بمشاركة مساحة التظاهر والاعتراض هذه مع هؤلاء المختلفين عنه والمخالفين له في الرأي، يمكن القول بأن شكل التظاهرات في هاذين البلدين يشابه إلى حد كبير مشهد المجال العام، مشهد يفتقر إلى حد كبير إلى التنوع والتقبل المتبادل، مشهد يمتاز بالاستقطاب والمعسكرات الواضحة التي يضيع بين حدودها عدد من الأفراد الذين لا ينتمون إلى أي منها، وغالبًا ما ينتهي أي تماس لتظاهرات هذه المعسكرات المختلفة في أي ظرف من الظروف بشكل من أشكال العنف والعداء.


مشاركة حزب القرصنة الألماني في الفعاليات

بالرغم من عيد العمال يمتاز بشكل واضح بأنه مناسبة فئوية؛ إلا أن تراث الكفاح العمالي في أوروبا قد أدى إلى تحويله عنوة إلى مناسبة يشارك فيها كل من شارك العمال في تراث من الكفاح لأجل الحقوق الإنسانية والعدالة، فالواضح أن العنصر العمالي كان على قدر كبير من المحورية في كل معركة اجتماعية وسياسية كبيرة مرت بها أوروبا، محورية في معارك كالصراع من أجل الحقوق الاجتماعية كالرعاية الصحية والمعاشات؛ تمامًا كما كانت في صراعات مثل صراع أوروبا مع شبح النازية والفاشية الذي لازال يطاردها إلى اليوم.

 يتركني عيد العمال كل عام بمجموعة من التساؤلات كدارس للمجتمع والاجتماع، تساؤلات عن دور المؤسسات المدنية كالاتحادات العمالية والجمعيات بكافة أشكالها في الدفاع عن المجتمع وحقوقه؛ تساؤلات عن دور هذه الرقابة الاجتماعية في الحفاظ على ضمير وقيم المجتمعات والدول فوقها على حد سواء.
إلا أنه يتركني هذا العام برؤية لما يمكن أن تصبح عليه الأحوال بعد بعض العمل والجهد، جهد لا شك في أنه سيواجه الكثير من المعارضة من قوى تستفيد من الأوضاع على ما هي عليه الآن.