فرحة تملأ القلب حين نسمع عن، أو نرى صورة لـ، أحد جنرالات إيران مقتولًا في سوريا، وهي فرحة مستحقة بالنظر للوجه القبيح الذي كشفت عنه إيران في سوريا والعراق، واعتمادها الواضح على المذهب الشيعي ومنتسبيه في تلك المنطقة لتوسيع نفوذها، والحرب الضروس التي تخوضها بالوكالة مع السعودية، وجهودها الحثيثة لضرب الثورات العربية في المشرق والتي أتت على حساب نُظُم حليفة لها أبرزها نظام الأسد.

جُرح طويل سيأخذ جيل أو اثنين على الأقل ليندمل بين السنة والشيعة في المشرق، وهو صراع يشكل فرصة بالنسبة لأطراف كثيرة، منها إسرائيل، والتي استغلت الفوضى السورية لترسيخ احتلالها للجولان لأول مرة بشكل رسمي وإعلانها رفض إعادته إلى سوريا للأبد في وضع قائم سيظل قائمًا على الأرجح لعقود طويلة، ومنها كذلك السعودية ومن خلفها دول الخليج، والتي تواتيها الآن فرصة ترسيخ فكرة العداء مع إيران عبر قنواتها الدبلوماسية والإعلامية لتشكيل جبهة عربية بوجه المشروع الإيراني أولًا، وشحن العرب معنويًا ضد إيران بشكل عام.

تشكل إيران تهديدًا واضحًا لهيمنة الخليج الاقتصادية، والتي تعاني تراجعًا بسبب هبوط أسعار النفط بينما تنفتح الآفاق أمام الاقتصاد الإيراني بعد الاتفاق النووي بشكل سيجعل الدور الإيراني أكثر قوة خلال العقدين المقبلين على غرار صعود تركيا الاقتصادي العقد الماضي والذي أتاح لها لعب دور لم يتخيّله أحد قبل العام 2002، وإن مثلت تركيا هاجسًا بالنسبة للخليج حتى وقوع الانقلاب المصري نظرًا لدعمها لثورات الربيع العربي والإخوان المسلمين بشكل خاص، فإن توقيع الاتفاق النووي الإيراني والفُرص الاقتصادية التي سيفتحها لإيران دفعت الخليج برمته للانفتاح على تركيا في محاولة للميل بالموازين نحوها على حساب إيران وخلق "محور سُني" كما تتصوره الرياض.

على العكس من حدود الاصطدام بيننا وبين إيران، والمحصورة في نيران المشرق جغرافيًا، وبالصراع الحالي تاريخيًا، فإن الاصطدام بين إيران والخليج له طابع أكثر عمقًا ضارب بجذوره في الجغرافيا والتاريخ، ومن المهم للغاية بالنسبة لنا وبالنسبة للثورات العربية ككُل أن ندرك حدود الفرق بين اصطدامنا بإيران وعداوة الخليج معها، وعدم السقوط فريسة للسردية الخليجية الحالية التي تحاول تصوير إيران كعدو نظري مثله مثل إسرائيل، وتحاول كذلك ترسيخ انقسام المنطقة على أسس طائفية واضحة.

مصر والهيمنة الاقتصادية الخليجية

وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف مع نظيرته الأوروبية أثناء إعلان الاتفاق النووي الذي يُلغي العقوبات على إيران

على العكس من الحالة المشرقية، فإن إيران بطبيعة الأشياء تُعَد طرفًا هامًا بالنسبة لمصر لموازنة الهيمنة الاقتصادية الخليجية، والتي تشكل خطرًا أكبر على الدور المصري

بطبيعة حجمها الثقيل عربيًا، وأهميتها وأهمية ثورتها في إشعال فتيل بقية الثورات العربية (من بعد تونس)، سيكون مفيدًا النظر للصراع بين الثورة وأعدائها في مصر على خلفية العلاقات مع إسرائيل والخليج وإيران، فإيران كانت أبرز المستفيدين من ثورة أسقطت نظامًا مواليًا للأمريكيين وقريبًا من إسرائيل والخليج عام 2011، وكذلك مستفيدة من صعود الإخوان المسلمين للسلطة عام 2012، لا سيما مع زيارة الرئيس محمد مُرسي لطهران ورغبته في فتح ملف العلاقات مع إيران بشكل واضح.

على عكس الخليج، تُعَد مصر بعيدة جغرافيًا عن إيران بشكل لم يُحدث أي صراعًا يُذكر بينها وبين إيران على مدار تاريخها الطويل، فالإمبراطورية الفارسية التي هيمنت على المنطقة قبل الميلاد تماثل في طبيعتها الإمبراطورية اليونانية سابقًا، وهو أمر لم يكن كفيلًا كما نعلم بخلق أية عداوة من أي نوع مع اليونان بل العكس، كان دليلًا على قوة العلاقات التاريخية في زمن لم يعرف القوميات أو الهويات أصلًا، وخلق أثرًا ثقافيًا يونانيًا قويًا في مصر.

على عكس الحالة في العراق، والذي اصطدم بإيران كثيرًا في عصره الحديث، فإن الاصطدام الأساسي من حيث المصالح على مدار القرنين الماضيين كان بين مصر وإسرائيل أولًا، وبين مصر والسعودية ثانيًا، فالعداوة الأولى لها أسباب واضحة جغرافية وتاريخية وثقافية ودينية وعرقية، لا سيما مع كون إسرائيل مشروع استيطاني يحاول الهيمنة في فلسطين التاريخية وهي بوابة مصر الشرقية، أما العداوة الثانية فهي متعلقة بصدام واضح بين الكيان السعودية المنافي جزئيًا لقواعد الجغرافيا، والذي حل محل النفوذ المصري التاريخي في الحجاز والمدن المقدسة فيها بعد أن هيمنت عليها مصر لقرون طويلة حتى أثناء العهد العثماني.

محمد مُرسي أثناء زيارته التاريخية لإيران كأول رئيس مصري يزورها بعد الثورة الإسلامية عام 1979

إن كان ما يجري في حلب سببًا كافيًا لمعاداة إيران للأبد، فماذا إذن عن القصف السعودي لليمن والذي أوقع المئات من الضحايا المدنيين دون أن ندري عنهم شيئًا؟ وماذا عن الدعم الإماراتي الواضح للثورات المضادة والقمع في مصر وتونس وليبيا؟ 

لم يكن غريبًا إذن أن تخوض مصر صراعًا واضحًا مع السعودية كلما أرادت تعزيز دورها كقوة عربية وإسلامية، فقد وقع الصراع في عهد محمد علي أولًا كما نعرف، ثم وقع مجددًا في عهد عبد الناصر، وبينما كانت السمة المشتركة بين الرجلين هي امتلاكهما لطموح بناء قوة إقليمية اقتصادية وسياسية، فإنهما اشتركا بالتبعية في صراع طويل مع البيت السعودي كنتيجة لذلك الطموح، ولم يكن غريبًا مع تبدّل الأحوال في مصر وصعود نظام السادات ومبارك الموالي للولايات المتحدة، ومع طفرة النفط في الخليج، أن تتدفق الأموال الخليجية إلى مصر لدعم النظام القائم الضعيف والعازف عن دوره عربي، ومحاربة التيارات القومية العربية والإسلامية بكل أشكالها في مصر.

تباعًا، كانت الثورة سببًا كافيًا لقلق صناع القرار في السعودية من "فقدان مصر"، وهو ما دفع السعودية والإمارات بالتحديد لبذل أقصى جهودهما لدعم الثورة المضادة مستخدمين هيمنتهما الاقتصادية والإعلامية في السنوات الثلاثين الأخيرة، لا سيما مع وصول الإخوان المسلمين للسلطة، والذين قاموا بدورهم بفتح باب العلاقات المُغلق مع إيران لأول مرة منذ عام 1979، والخروج عن خط الاصطفاف مع الخليج ولو جزئيًا، علاوة على ميل مصر في تلك الفترة لتركيا بشكل واضح في وقت كانت تركيا فيه هاجسًا للخليج هي الأخرى.

على العكس من الحالة المشرقية، فإن إيران بطبيعة الأشياء تُعَد طرفًا هامًا بالنسبة لمصر لموازنة الهيمنة الاقتصادية الخليجية، والتي تشكل خطرًا أكبر على الدور المصري، أضف لذلك أن العداء بين مصر وإسرائيل هو عداء كلاسيكي يقتصر على الملفات الإستراتيجية والعسكرية، أما في عالم الإعلام والثقافة فإن إسرائيل خارج المنافسة نظرًا للعداء المترسخ تجاهها بين العرب كافة، وكونها مجتمعًا ذا لغة ودين مغايرين تمامًا بشكل لا يتيح لها ما هو مُتاح للخليج العربي المسلم، وهو ما يعني أن مصر في تلك المرحلة بحاجة للاتجاه ناحية تنويع شركائها الاقتصاديين للفكاك من هيمنة الخليج، وهو ما لا يمكن فعله بدون تركيا وإيران بطبيعة الحال.

***

الرئيس الإيراني حسن روحاني

إجمالًا، تحاول السعودية ودول الخليج من خلفها هذه الأيام الدفع نحو ترسيخ رؤية طائفية للشرق الأوسط، وغرس فكرة العداوة بيننا وبين إيران بشكل مُطلق استنادًا لأفعال إيران في سوريا والعراق، حيث تعتمد الإستراتيجية الإيرانية بالكُلية على التحالف مع الشيعة، وهو أمر كفيل بخلق توتر يدوم طويلًا بيننا وبين الدور الإيراني، لكنه ليس كفيلًا أبدًا بخلق عداوة مُطلقة، وإن كان ما يجري في حلب سببًا كافيًا لمعاداة إيران للأبد، فماذا إذن عن القصف السعودي لليمن والذي أوقع المئات من الضحايا المدنيين دون أن ندري عنهم شيئًا؟ وماذا عن الدعم الإماراتي الواضح للثورات المضادة والقمع في مصر وتونس وليبيا؟ وماذا عن القصف التركي على معاقل حزب العمال الكردستاني والذي يُردي قتلى مدنيين في بعض الأحيان؟ لم تكن الأخيرة تلك بالتحديد كافية لخلق عداوة مُطلقة بين تركيا والأكراد، فحكومة شمال العراق الكردية، وهي الكيان الكردي الأكبر حاليًا، حليف رئيسي لتركيا، ويتمتع سكانها بعلاقات وثيقة ثقافية واقتصادية مع الأتراك، في إدراك تام لأن الاصطدام هو فقط بين تركيا وحزب العمال الكردستاني. 

لنذهب أبعد من ذلك حيث المنافسة التاريخية بين الصين والهند، والتي أدت لاشتعال المناوشات والنزاعات بينهما بين الحين والآخر، بيد أن أيًا من ذلك لم يدفع طرفًا منهما إلى النظر للآخر كعدو مُطلق، فالهند لا تزال تعتبر باكستان التهديد الرئيسي لأسباب تاريخية وجغرافية واضحة، في حين تشكل النزاعات الصينية واليابانية الحالية، والحروب التاريخية التي خاضاها معًا، سببًا لتوتر العلاقات الثقافية بينهما كقطبي شرق آسيا التاريخيين، وأخيرًا المثال الأقرب وهو العلاقات بين تركيا وإيران، والتي تزداد عُمقًا رغم الصراعات التاريخية الأكبر بين الطرفين والصدام بينهما في سوريا، ورُغم محاولات السعودية المستميتة لتجميدها لصالح محور سني عربي تركي، إلا أن تركيا لا تبدو متحمسة أبدًا للتحالف المُطلق مع السعودية خارج إطار سوريا، لأنها تدرك بطبيعة الحال أن إيران ليست عدوًا ولكن طرفًا منافسًا فقط في ساحة المشرق، وبين التصنيفين فارق كبير يجب أن ندركه نحن أيضًا.

لا يمكن إذن للاصطدام بين ثوراتنا ومصالح إيران في المشرق أن يُنسينا ماذا تعنيه إيران تاريخيًا وثقافيًا للمنطقة وللعالم الإسلامي، ولا يمكنه أن ينسينا أن الثورة الإسلامية التي تحكم إيران الآن كنز إستراتيجي على المدى البعيد للعرب على أصعدة مختلفة أبرزها الصراع مع إسرائيل، علاوة على تشكيل صعود إيران الاقتصادي فرصة لمناورة الهيمنة الخليجية التي نعاني منها ولا نزال، خاصة في مصر، كما يعاني منها كثيرون في ليبيا واليمن، وفي النهاية إن لم ننظر يومًا لنظام الشاه المتحالف مع الأمريكيين والإسرائيليين في السابق كعدو للعرب، فإنه من غير المنطقي أن نقوم بفعل ذلك مع إيران الإسلامية اليوم، حتى ولو كانت شيعية.