أعماق البحر الأحمر المشتركة بين السعودية والسودان لا تزال بكرًا، انتظرت عشرات السنوات لتنفيذ ما تم الاتفاق عليه حول استغلال الثروات والكنوز المتنوعة المدفونة في قيعان البحر، والآن بعد صدمة هبوط أسعار النفط العالمية تعود الحكومة السعودية لتلك الثروات وتذكّر بها وتعقد الاجتماعات، فهل تنتظر عشر سنين أخرى لاستغلالها؟

فمنذ عام 1964 وقع وزير البترول والثروة المعدنية "أحمد زكي يماني" وقع وزير البترول والثروة المعدنية "أحمد زكي يماني" اتفاقية إنشاء لجنة سعودية دائمة مقرها جدة للبحث حول تقاسم استغلال الموارد الطبيعية التي تقع في البحر الأحمر الإقليمي للدولتين، هدفها استغلال واستثمار مشترك لثروات البحر الأحمر، وعلى الرغم من مرور نصف قرن على تلك الاتفاقية والمجلس ينعقد ويمنّي نفسه بتلك الثروات ولكن بدون أية خطوات تنفيذية على الواقع.

إذ تحاول السعودية منذ عام 1970 الخروج من المربع الأول الذي وضعته في أهداف خطة التنمية الأولى لتنويع مصادر الدخل والبدء بمشاريع استثمارية تكون بديلة عن إيرادات النفط الذي يسيطر على 90% من الميزانية السعودية، وبعد صدور رؤية السعودية 2030 التي أشارت إلى إبعاد الاقتصاد السعودي عن إدمان النفط وتحويله إلى عوائد الاستثمار، بدأت وزارة البترول والثروة المعدينة تحث الخُطى للعب دور أكبر في إيجاد بدائل عن النفط.

استكشاف رواسب البحر الأحمر في المنطقة المشتركة بين السعودية والسودان يرجع إلى توقيع الاتفاقية بين البلدين في عام 1974 لأغراض استكشاف واستغلال ثروات البحر الأحمر والتي نتج عنها رصد مناطق عميقة في قاع البحر تتميز بدرجات ملوحة عالية وحرارة مرتفعة في نطاق الأخدود المحوري لقاع البحر الأحمر، وقد توالت الاكتشافات الجيولوجية التي أثبتت وجود ما يزيد عن 30 موقعًا في قاع البحر تحتوي على رواسب طينية متمعدنة بتركيزات مرتفعة من المعادن الفلزية مثل الزنك والنحاس والفضة والذهب والكوبلت والكاديوم.

فالدراسات لدرجات الحرارة والملوحة في البحر الأحمر أشارت لوجود ثروات وكنوز مدفونة تحدث عنها رئيس هيئة المساحة الجيولوجية السعودية الدكتور "زهير بن عبد الحفيظ نواب"، إذ كشفت الدراسات عن تركيب صخور البحر الأحمر في الجزء الأوسط من البحر المسمى بأطلانتس والواقع بين السعودية والسودان وتقدر كمية الرواسب فيه بـ 664 مليون طن مقسمة على الشكل التالي:  94 مليون طن معادن، 2 مليون طن زنك، 425 ألف طن نحاس، 5230 طن كوبلت، 3425 طن فضة وأخيرًا 46 طن ذهب.

أطلانتس 2

منخفض سحيق في البحر الأحمر على عمق يزيد عن 2200 متر عن مستوى سطح البحر وبسماكة تتراوح بين 12-15 مترًا، وقد تم تقدير الاحتياطي الخام في الموقع بحوالي 97 مليون طن من مختلف الخامات الفلزية منها 2 مليون طن زنك و500 ألف طن نحاس و4 آلاف طن فضة و80 طن ذهب وكميات مختلفة من رواسب معادن الكوبلت والرصاص والكاديوم.

المحاولة الحادية عشرة

في محاولة أخرى بعد 10 اجتماعات من تأسيس اللجنة الدائمة بين البلدين وصل وزير النفط السعودي علي النعيمي إلى السودان أمس الأربعاء للمشاركة في اجتماع اللجنة الدائمة السودانية السعودية المشتركة لاستغلال الثروة الطبيعية في أعماق البحر الأحمر، وفي إطار تطبيق رؤية السعودية لزيادة الاستثمارات في المنطقة، تعهد بزيادة الاستثمارات السعودية في السودان والتركيز بشكل أكبر على قطاع التعدين، ونتج عن الزيارة اتفاق على بدء استخراج الموارد المعدنية بما فيها الذهب والفضة من البحر الأحمر عام 2020، وقال وزير المعادن السوداني أحمد الكاروري إن الزيارة هدفت إلى مناقشة مشروع أطلانتس 2 المشترك على طول الحدود بين السعودية والسودان التي تغطي مساحة 60 كيلومترًا مربعًا.

إذ يجري التنقيب منذ عام 2012 على مخزونات الخام من المعادن المختلفة في الموقع، وتقدر بنحو 100 مليون طن، ومن المتوقع أن يحقق مشروع التعدين المشترك بين البلدين إيرادات تقدر بـ 20 مليار دولار، فضلًا عن توفير فرص وظيفية لأبناء البلدين ونقل للتقنية في مجال التعدين البحري وتحقيق عوائد اقتصادية وقيمة مضافة باستغلال الخامات المعدنية المتوافرة في البحر الأحمر بحسب ما أدلى به النعيمي.

وسبق مجيء النعيمي تصريح الكاروري حول رغبة السودان في توسيع نطاق الاستثمار السعودي بصورة أكبر في مجال التعدين خصوصًا في ظل السياسة الجديدة التي تتبناها المملكة في عدم الاعتماد على مورد واحد.

وفي النهاية ستبقى هذه الثروات حبيسة الأعماق، والدولتان تجتمعان لتخرجا بتصريحات حول أهمية تلك الثروات والأرقام الكبيرة لها والإيرادات المتوقعة عن استثمارها حتى تمتلك كلا الدولتين الإرادة الكاملة المطلقة للمضي قدمًا في سياسة الاستثمار بعيدًا عن النفط، ولعل الخبراء لن يؤمنوا بنتائج الاجتماع حتى يروا الآلات في وسط البحر الأحمر تحفر وتستخرج تلك الثروات.