ترجمة وتحرير نون بوست

في اليوم الذي يسبق تضييع اللندنيين لدقائق ثمينة من أشعة الشمس الجميلة ليصوتوا لمنصب رئيس البلدية القادم، ذكرت صحيفة إيفنينج ستاندرد بابتهاج بأن مطعمًا في كليركينويل رود كان يقدم بيتزا تعبّر عن حال الانتخابات البلدية، حيث كان من المفترض أن تكون البيتزا التي يقدمها المطعم والتي تمثل المرشح زاك جولدسميث، عبارة عن طبق لحم يوم الأحد المشوي (طبق بريطاني شهير يقدم يوم الأحد فقط) مزينة باللحم المفروم، الهليون، وبشكل غريب، البطاطا، أما بيتزا صادق خان فقد كانت تحتوي على دجاج حار ونهر من البيستو في المنتصف يرمز إلى الانقسامات داخل حزبه.

في البداية، اعتبرت هذا الأمر غريبًا، فلا يوجد بيتزا في العالم يمكن أن يتم تحسينها من خلال إضافة "نهر" من أي شيء، كما أنه من الغرابة والغباء على حد سواء أن نقصر القضايا السياسية الحقيقية ونحجّمها لتتلخص باختيارنا لطبقة تزيين البيتزا، ولكن كلما فكرت أكثر في الأمر، كلما بدأت أشعر بمعناه بشكل أكبر؛ فماذا لو كانت السياسة هي في الحقيقة مجرد بيتزا؟ على سبيل المثال، هل هناك طريقة أفضل لوصف انتخابات عام 1997 سوى أنها انتصار للبيتزا البليرية (نسبة لطوني بلير)  المؤلفة من لحم البروسكيوتو، نبات القبر، زيت الكمأة، والساشيمي، على بيتزا جون ميجور المؤلفة من الشيدر والكريسبي والملابس الداخلية المخبوزة؟ وفي عام 1979، تم التغلب على بيتزا رأس السمك وبيتزا الهلام اللحمي لحكومة حزب العمال من قبل بيتزا كواترو ستاجيوني المرعبة الجديد لتاتشر، أما في عام 1945، فشهدنا الهزيمة النهائية للبيزاريتش الثالث (كناية عن الرايخ الثالث) والمؤلفة من الكرنب والريح البشري على يد البيتزا السوفييتية الكبيرة المؤلفة من زيت المحرك، حديد الخنزيز، والشبت.

إذ أردنا أن نطلق تشبيهات عن الانتخابات البلدية الأخيرة في لندن، فيمكننا أن نطلق كنايات أسوأ من ذلك بكثير، فهناك الكثير من الأسباب لنشعر بالرضا عن الانتصار الساحق الذي حققه صادق خان، ليس آخرها الفشل الذريع لحملة جولدسميث السيئة، السامة، والعنصرية، وهو الأمر الذي يجب أن يدفع المحافظين للامتناع عن محاولة إطلاق حملتهم من هذه المنصات المسمومة على مدى العقود القليلة القادمة، رغم أنه يجدر بنا أن نتذكر بأن حزب العمال نفسه أدار حملة سامة مماثلة ضد لطف الرحمن في تاور هامليتس، ولكنها نجحت.

يُعبّر انتخاب لندن لأول رئيس مسلم لبلديتها، وابن سائق حافلة نشأ في مساكن الإسكان العام، عن انفتاح ثقافي كبير وحراك اجتماعي في المدينة، حتى لو لم نكن نمتلكهما على أرض الواقع، ولكن نتيجة الانتخاب تبدو مستحقة حقًا فقط لأنها أزعجت حفنة البلهاء المتناثرة؛ أولئك الناس الذين يعتقدون بأن خان على وشك إكساء قصر باكنغهام ببرقع عملاق واستبدال بيج بن بالشريعة الإسلامية، كما أننا تخلصنا أخيرًا من بوريس جونسون، ذاك العفن الشرير بشعره المنسدل بغرابة، الذي يجوب أنحاء العالم ليبث عنصريته قبالة الناس، ويسوي مدراس الأطفال اليابانية على الأرض في خضم زحفه القاتل تجاه السلطة؛ نعم، ربما سيكون جونسون رئيس وزرائنا المقبل، وحينها سيستهلكنا جميعًا بلا شك بخصلات شعره المتوحشة، ولكن هذه مشكلة ستظهر العام القادم، أما في الوقت الراهن، فقد ترجّل الشر عن المسرح.

ولكن ما الذي سوف يعنيه انتخاب صادق خان في الواقع للندن؟ والسؤال حقًا هو: هل يمكن لأي شخص أن يفعل أي شيء ضمن لندن؟ هل يمكن إنقاذ لندن، وهل يستحق الأمر هذا العناء؟ إنها ليست مدينة؛ إنها مستنقع، حيث يمكنك أن تحاول النضال للخروج منه، ولكن لا يمكنك أن تمتص السموم من داخله.

باعتبارها مركز تبادل مالي دولي رائد لفائض رأس المال، تحوز لندن دورًا محددًا للغاية في الاقتصاد العالمي، والأعمال التخصصية هي إدارية بحتة، وفي بلد يُعتبر فيه رئيس الوزراء عبدًا لمدينة لندن، لا يحوز رئيس بلدية لندن أي فرصة للعمل، ومن هذا المنطلق، ألقِ نظرة على العمدتين السابقين، كين ليفينغستون كان على الأرجح السياسي الأكثر يسارية الذي تسلم هذا المكتب البارز في الذاكرة الحديثة، وحينها قام ببعض الأمور الجيدة، كاتفاق النفط مع فنزويلا شافيز، على سبيل المثال، أو سماحه للمتقاعدين الذين يتقاضون رواتبًا من الدولة باستقلال وسائط النقل العامة مجانًا، ولكن في الوقت نفسه، تضاعف متوسط ​​أسعار المنازل تحت حكمه من  216,000 دولار إلى 432.000 دولار، كما سمح لمترفي قطاع التمويل ببناء الكثير من ناطحات السحاب اللامعة ليلعبوا ضمنها.

أما بوريس جونسون فقد عمل منصة الأحمق المحبوب، حيث قام بحماقات كبيرة للغاية، كإلغائه لأسطول الحافلات المرنة لأنه لم يكن يحب شكلها، معالجته لمشكلة التلوث من خلال رش الغراء على الشوارع للكشف عن نوعية الهواء، بناء تلفريك عديم الفائدة، موافقته على "جسر الحديقة" غير المجدي، وذهابه حول العالم ليبث عنصريته قبالة الناس، وما إلى ذلك، كما شهد حكمه أيضًا زيادة كبيرة أخرى في أسعار المنازل، فضلًا عن أنه سمح للمزيد من مترفي قطاع التمويل ببناء المزيد من ناطحات السحاب اللامعة ليلعبوا ضمنها.

من هذا المنطلق، ما الذي يمكن أن نتوقعه من صادق خان؟ بتخمينني، ارتفاع آخر بالإيجارات، والمزيد من ناطحات السحاب.

إذا ألقينا نظرة على حملات انتخابات البلدية، سنلاحظ حتمًا بأنها جميعها تتشاطر ذات النوع من التألق الذي أٌغرقت به المدينة بأكملها؛ فزاك جولدسميث وعد بالاستثمار بشكل أكبر في الشرطة والنقل والإسكان، وكذلك فعل صادق خان، الذي وعد ببناء المزيد من المساكن بأسعار معقولة، وتبعه إلى ذلك غولدسميث، الذي وعد بتمثيل الشركات الكبيرة والناس العاديين على حد سواء، وهو ذات الأمر الذي تعهد به خان.

الفرق الوحيد هو أن جولدسميث وعد بالقيام بكافة هذه من منصة كراهية المسلمين، في محاولة لتطبيق ذات الحملة التي كان يمكن أن تكسبه مقعدًا في ريتشموند، ولكنه خسر الانتخابات، بينما وعد خان بكل ذلك من واقع كونه مسلمًا، وظفر بالنهاية بالانتخابات.

أخيرًا، الأمر برمته متعلق بالبيتزا، فزاك عرض علينا بيتزا مزينة بالبطاطا، وردت أغلبية المدينة بأن البطاطس لا تنتمي إلى البيتزا على الإطلاق، بينما عرض علينا صادق بيتزا بالدجاج حار، حتى نتظاهر بعدم ملاحظتنا لنهر البيستو بوسطها، ونحن ارتضينا بها.

المصدر: فايس