يُعرف بالـ"بِنْتُو"

أنواع عديدة من المأكولات الملونة، تُقدم في صناديق صغيرة، وكلما كانت مقدمة بشكل جيد ومبتكر، كانت علامة من علامات الحب والتقدير للشخص الذي سوف يقوم بأكلها.

البنتو لم يكن أكثر من "وجبة خفيفة" يحملها المسافرون معهم، لكن مع مرور العصور أصبح أكثر ذلك، أصبح حقلاً لإظهار براعة المخيلة في تشكيل الأطباق والطعام؛ فكل شيء تحمله معك من المنزل كي تأكله في أي مكان آخر يُسمى "بنتو"، وهو جزء من نمط الحياة الياباني.

هناك العديد من المطاعم التي تبيع البنتو، فإما أن تحضر صندوق طعامك الخاص من المنزل، وإما أن تشتري واحدًا من أحد المطاعم.

البنتو بين التنقلات والحروب

كي نتعرف على تاريخ "البنتو" يجب أن نذهب إلى تاريخ اليابان القديم.

في البداية كان المسافرون يحملون حبوب الأرز الجافة، ويأكلونها بعدما ينقعونها في المياه، سواء باردة أو ساخنة، كي تكون لينة إلى درجة كافية كي تؤكل.

الأرز مصدر أساسي للطعام في اليابان، كذلك من أهم مصادر الطاقة للمسافرين، لقد تم تشكيل الأرز على هيئة كرات مثلثة تناسب السفر، سهلة الحمل، فالأرز الياباني يصبح  أقرب إلى العجين حين يتم طهيه، لذلك يكون سهل تشكيله فيما يسمى الـ"نيجيري" أو "أونيجيري".. والـ"أو" هنا توضع للاحترام فنجد اليابانيين يستخدمونها في الكثير من الأحيان مثل قولهم "بنتو" و"أوبنتو" وهو صندوق الطعام الياباني، و"نيجاي" و"أونيجاي" وهي (من فضلك باليابانية).

كان من السهل على اليابانيين حمل كرات الأرز في تنقلاتهم العادية وفي حالات الحروب، فنجد مثلًا في حقبة "إيدو" انتشر الـ"بنتو" بشكل كبير، كذلك تطور عن طريق المسافرين، الذين كانوا يحملون دائمًا كرات الأرز الـ "أونيجري"، في صندوق مصنوع من القصب.

في القرن الثامن عشر انتشر البنتو بشكل كبير كصناديق لتناول الطعام في النزهات، تحت أشجار الساكورا اليابانية، لقد كان متداولًا وقتها حمل الطعام في صناديق البنتو إلى الخارج، من أجل الاحتفال، السفر، حفلات الشاي، أو مجرد تناول الطعام في الخارج.

أما في حفلات تفتح أزهار الساكورا، فنجد البنتو وقد تكون من عدد كبير من الأطعمة، وعلى الطريقة التقليدية الصينية، كان الطعام يتكون من عدة ألوان فقط: أحمر، أسود، أخضر، أصفر، أبيض.

هذه الألوان المتعددة ليس الهدف منها فقط إعطاء شكل مبهج أو لذيذ إلى البنتو فقط، بل هي في الأساس تقوم بعمل توازن غذائي ما في صندوق الطعام، وبعد ذلك بفترة بدأت صناديق الطعام الجاهزة في الظهور.

حاضر صناديق الطعام اليابانية

لو كانت نشأة البنتو متعلقة بالترحال والجوع؛ فهو الآن أصبح جزءًا أساسيًا في أي وجبة يتم أكلها خارج المنزل، يتم وضع البنتو في الـ"فوروشكي"، وهي حقيبة قماشية مزركشة يتم ربط البنتو بداخلها بطريقة أنيقة.

وكجزء لا يتجزأ من رحلات القطارات، يشكل البنتو وجبة أساسية فوق متن جميع القطارات، الجميع يذهب بصحبة البنتو الخاص به، سواء الذي صنعه في المنزل، أو اشتراه من أحد المحال التجارية.

البنتو المباع في محطات القطارات يُسمى "إيكيبن"، يأتي في تصميمات مختلفة، وأطعمة مختلفة كذلك، الأطفال يحبون ذلك الـ"إيكيبين" الذي يأتي على شكل الـ"شينكانسن" أو قطار الطلقة الياباني.

يتم ملئه بالعديد من الأطعمة التي تعجب الأطفال مثل قطع البرجر والإسباجتي، وبعض أنواع الخضروات.

هناك كذلك "بيبين سان"، وهو بنتو يرمز إلى المرأة الجميلة، نجده يحتوي على أطعمة صحية قليلة السعرات الحرارية مثل التوفو والخضراوات، جاعلًا المرأة تجمع بين الحُسن والرشاقة.

الطريق إلى الابتكار لا يقتصر فقط على البنتو الجاهز، بل البنتو المنزلي من أهم مجالات الابتكار، فالبعض يقوم بتزيين صناديق البنتو الخاصة بهم بقطع من اللحوم التي تشبه بتلات أزهار الساكورا اليابانية، أو صنع قبعات للأرز عن طريق استخدام بياض البيض المقلي،كذلك السجق المقطع على شكل أخطبوط له شعبية كبيرة في اليابان.

هناك العديد من الأشخاص الذين يحبون تصوير صناديق البنتو التي يقومون بصنعها، فهناك "ماري ميازاوا" من أشهر الذين يلتقطون صورًا لصناديق الطعام التي يقومون بصنعها، عارضة المكونات وطريقة الصنع.

فهي مشهورة للغاية، ولديها موقع يسجل آلاف المشاهدات بشكل يومي،ترى ميازاوا أن البنتو مادة خام للابتكارات، لتطبيق ما تشاهده حولك، لتوصيل المشاعر كذلك، مشاركتها مع عائلتك.

طريقة صناعة صناديق البنتو

تطور البنتو فتح مجالًا واسعًا لتطور صناعة صناديقه، فأصبح لدينا كميات هائلة من التصاميم والأشكال العبقرية.

هناك نوع تقليدي من صناديق البنتو وهو ما يطلع عليه "وابا" أو "مينبا"، ويصنف كأحد الصناديق الباهظة الثمن بسبب فرادته، فهو مصنوع من خشب.

يتم تقطيع الخشب على شكل رقيق، ثم تنقع الألواح في مياه ساخنة حتى تصبح لينة، يتم طيها لتشكل ذلك الشكل البيضيّ.

الصناديق التقليدية تم صنعها في جميع أنحاء اليابان، وكي يصلوا إلى الكمال في صناعة تلك الصناديق استخدموا خشب الأرز.

في اليابان لا شيء يصبح تقليديًّا، بل نجدهم يطورون كل شيء كي يواكب حضارتهم التي لا تتوقف عن التقدم، والبنتو جزء من تلك الحضارة التي لا تكف عن التطور بدورها.