تواصل الحكومة الإسرائيلية المتطرفة برئاسة بنيامين نتنياهو حتى اللحظة جني "الثمار المر" الذي زرعته خلال حربها العنيفة التي استمرت لـ51 يوماً على قطاع غزة، وأسفرت عن استشهاد أكثر من 2300 فلسطيني، وإصابة عشرات الآلاف، إضافة لتدمير النية التحية للقطاع.

محاولات إسرائيل، لتستر على عيوبها وفشلها في تحقيق أي تقدم عسكري، طوال الحرب على غزة وتصدي المقاومة الباسل للهجمات الإسرائيلية، لم يصمد طويلا، فتخرج بين الحين والأخرى تقارير وصفت من قبل مسئولين إسرائيليين وقادة في الجيش بأنها "صادمة"، ونتائجها مخيفة جداً.

في وقت بالغ الحرج لحكومة بنيامين نتنياهو، وفي ظلّ تزايد الصدامات بين المستويين السياسي والعسكري، وينشغل الرأي العام الإسرائيلي منذ أيام بقضية تسريب مسودة تقرير أعده مراقب الدولة "يوسف شبيرا" حول إخفاقات "حرب غزة" صيف 2014، والتي تهدد بالإطاحة برئيس الحكومة بنيامين نتنياهو ووزير جيشه موشي يعلون على الأقل.

قنبلة سياسية مدوية

وتعود أصول القصة إلى تقرير شرع المراقب بإعداده بعد أشهر من انتهاء الحرب (26 أغسطس 2014)، وانتهى أخيرًا من صياغة مسودة وزعت على أعضاء المجلس الوزاري المصغر (الكابينت) في حينها وكبار قادة الأمن؛ فقام أحدهم بتسريب فحواها للقناة العبرية الثانية الأمر الذي فجر قنبلة سياسية مدوية.

التقرير وصف هذه المرة بالسري بالنظر إلى طبيعته الخاصة والأسرار التي ينطوي عليها في حين طالبت المعارضة الإسرائيلية بنشر مسودة التقرير على الملأ وفقاً لدور المراقب، ونشرت القناة التسريب قبل أيام، قائلة إنه:" لو نشرت مسودة التقرير على الملأ لوقعت هزة أرضية، وطارت رؤوس، الأمر الذي اعتبر بمثابة قنبلة موقوتة تهدد مستقبل نتنياهو ويعلون، على الأقل".

ولخصت القناة تقرير المراقب قائلة إنه يشير وبشكل لا يقبل التأويل إلى استئثار نتنياهو ويعلون وقائد أركان الجيش في حينها بيني غانتس باتخاذ القرارات دون غيرهم من أعضاء الكابينت الذي اجتمع عشرات المرات خلال الحرب التي استمرت 50 يومًا.

كما بين التسريب وجود إخفاقات كبيرة في أسلوب إدارة الحرب على غزة، ونقل الجيش والأمن معلومات غير دقيقة للمستوى السياسي، ما أطال أمد الحرب إلى 50 يوماً، وأشار المحلل السياسي في القناة "أودي سيغل" إلى أن التقرير يعد أشد خطورة من تقرير لجنة "فينوغراد" التي حققت في إخفاقات حرب لبنان الثانية عام 2006.

وفور انتشار أمر التسريب؛ سارع نتنياهو ويعلون لمهاجمة المراقب واتهامه بعدم المسئولية والتلاعب، وأن ما جاء في التسريب يناقض ما جاء في التقرير الأصلي، في حين رد المراقب بأنه كان يتوجب على الأخيرين التركيز على الرد على تساؤلات التقرير الهامة بدلاً من مهاجمته.

حرب فاشلة

وضجت الساحة السياسية الإسرائيلية في أعقاب كشف التسريب وهاجمت المعارضة الإسرائيلية وعلى رأسها تحالف حزب العمل طريقة إدارة نتنياهو للأمور متهمين إياه بالتستر على أخطاؤه منعاً لصعود خصومه إلى سدة الحكم.

في حين رأى عضو الكابينت إبان الحرب ووزير داخلية نتنياهو وأحد صقور الليكود "جدعون ساعر" أن معركة الخمسين يوماً كانت فاشلة، وأنه حذر من هذا الفشل في حينها، بينما اعتزل ساعر الحياة السياسية في ختام الحرب.

أما نائب قائد المنطقة الجنوبية في الجيش ابان الحرب "يوم توف سامية" فقد اعتبر أن ما جاء في التقرير وان كان خطيراً إلى أن الواقع كان أشد خطورة، متهمًا قادة في الجيش بمحاولة إخفاء الحقائق عبر "مهرجان تسليم أوسمة البطولة للجنود"، واصفاً هذا الحدث بالفضيحة.

بدورهم اتهم آباء جنود سقطوا بالعدوان على القطاع الحكومة بالتفريط بأرواح أبنائهم بلا ثمن، مطالبين بكشف تفاصيل مسودة التقرير للعيان ليتسنى معرفة كواليس تلك الحرب.

خلافات عميقة بالحكومة

من جانبه، وصف المختص بالشأن الإسرائيلي، الدكتور حاتم أبو زايدة، التقرير الإسرائيلي الذي نُشر حول حرب غزة بأنه "خطير للغاية"، ويكشف فعلياً" عورة الجيش الإسرائيلي" الذي طالما غنى بقوته وصلابته وقدرته في قول "كلمة القوية" في المنطقة.

وقال أبو زايدة:"ما جرى في قطاع غزة طوال الـ 51 يوماً من الحرب في صيف العام 2014، كانت مجزرة دموية حقيقية، ولكن المقاومة الفلسطينية لم تقف مكتوفة الأيادي واستمرت طوال أيام الحرب إلحاق الخسائر في صفوف الجيش الإسرائيلي".

وأوضح، أن:" الاحتلال وبعد انتهاء الحرب لم يكشف عن خسائره الحقيقية، وكانت تخرج تقارير إسرائيلية تكشف حقيقية تلك الخسائر إلا أن الجيش كان يكذبها، ولكن تقرير المراقب العام الإسرائيلي، شكل هزة أرضية كبيرة داخل دولة الكيان".

وشدد الخبير في الشأن الإسرائيلي، على أن:" التقرير كان دقيقاً جداً وكشف فعلياً حجم الخسائر الهائلة للجيش الاحتلال في القطاع، وفشله في إحراز أي تقدم عسكري على أرض القطاع بفعل قوة وبسالة المقاومة في عملية الرد التي فاجأته".

ويرى أبو زايدة أن: ما يجري هو صراع بين الأحزاب السياسية "الإسرائيلية"، مبيناً أنه من المبكر الحديث عن مستقبل حكومة الاحتلال، موضحاً انه أنه من الطبيعي أن يتم استغلال بعض الخلافات التي هي حقيقية، من قادة الأحزاب الإسرائيلية لطرح نفسها كبديل، وأنها الأقدر على التعامل بشكل أفضل من قيادة الحكومة الحالية مع حركة حماس وحزب الله.

ولفت إلى أنه من المستبعد الإطاحة بحكومة نتنياهو المتطرفة عقب هذه الاتهامات، معللا ذلك بتماسكها ودعم قطاعات عريضة من المجتمع الإسرائيلي الذي مال خلال العقد الأخير إلى اليمين المتطرف.

بدوره، قال الكاتب والمختص في الشأن الإسرائيلي مأمون أبو عامر، إن:" نتائج تلك التقارير لا يمكن أن تحدد مصير الحكومة، موضحاً أن هذا الحدث سيدفع "نتنياهو" عقب صدور تقرير مراقب الدولة النهائي إلى تشكيل لجنة تحقيق لتقف على مواطن الخلل.

وأضاف "إذا حملت لجنة التحقيق المستوى السياسي مسؤولية الاخفاق في الحرب فعلى نتنياهو الرحيل ومغادرة موقعه"، مستطرداً "لكن ربما تطيح اللجنة بعدد من أركان هيئة الاحتلال أو وزير الجيش، ولن تطال الحكومة أو رئيسها".

ورأى المختص بالشؤون الإسرائيلية عادل شديد، أن التقرير يكشف عن عدم وجود انسجام داخل الكابينت الإسرائيلي، إضافة إلى تفرد نتنياهو ووزير الحرب يعالون ورئيس الأركان في إدارة المعركة وحجبهم معلومات عن بقية المجلس" مشيرا إلى أن "النتائج السلبية لأداء الحكومة وما أظهرته من إخفاقات خلال الحرب، يجب ان لا تفرحنا كفلسطينيين، فهذا قد يدفع نتنياهو وقادة جيشه إلى التصعيد بالضفة لصرف الأنظار عن التقرير ولإلغاء النقاش حوله".

وقال "ما يهم إسرائيل هو الحفاظ على الهدوء على حدود قطاع غزة، وطالما الهدوء موجود فلا داع لشن حرب، بينما إسرائيل تريد السيطرة على الضفة وضم المزيد من الأراضي، لذلك قد يستغل المستوطنون الإخفاقات في غزة لتسريع عملية السيطرة في الضفة ".

ويبدو أن سجال هذا التقرير سيمتد لأسابيع على الأقل، في ضوء الضجة التي أحدثها داخل المجتمع الإسرائيلي، حيث مس عصباً حساساً تمثل في تشبيه فشل الحرب على غزة بذكرى حرب أكثر إيلاما وهي حرب لبنان الثانية والتي طارت بعدها رؤوس سياسية على ضوء الإخفاق الكبير في مواجهة حزب الله اللبناني وفشل الحكومة والجيش في إدارة المعركة والخسائر الفادحة التي مني بها الجيش والإسرائيليين على حد سواء.

وتعرض قطاع غزة في السابع من تموز/يوليو 2014 لعملية عسكرية إسرائيلية كبيرة استمرت لمدة 51 يوما، حيث شنّت آلاف الغارات الجوية والبرية والبحرية عليه، حيث استشهد جراء ذلك 2323 فلسطينيًا وأصيب الآلاف، وهدم 12 ألف وحدة سكنية، بشكل كلي، فيما بلغ عدد المهدمة جزئياً 160 ألف وحدة، منها 6600 وحدة غير صالحة للسكن.

ورغم الخسارة الكبيرة في الأرواح وحجم الدمار الكبير الذي لحق بغزة لكن مقاومتها انتصرت على الاحتلال الإسرائيلي، ولم تمكنه من تحقيق أهدافه، وجعلته يستعجل وقف القتال ويسعى لاتفاق، بعدما بدأت صحف ومراكز بحثية إسرائيلية تنشر خسائر الاحتلال جراء صواريخ المقاومة التي أوقفت حركة مطار بن غوريون، وكبدت الاقتصاد خسائر كبيرة، وأقر الجيش حينها بمقتل 70 جنيدًا و4 مستوطنين وجرح المئات بينهم 322 جنديًا أصيبوا بإعاقات دائمة خلال الحرب، فيما أصيب آلاف الجنود بأمراض نفسية، بسبب شراسة المقاومة الفلسطينية.