ترجمة وتحرير نون بوست

تتوراد الأخبار تباعًا اليوم عن قرب تنفيذ عملية تحرير الموصل، ولكن الحكومة المركزية في بغداد وصنّاع القرار في الولايات المتحدة سيكتشفون قريبًا بأن تحرير المدينة وطرد عناصر داعش منها سيكون الجزء الأسهل حقًا من العملية.

يتمثل التحدي الحقيقي في عملية الموصل بإيجاد تسوية سياسية تسمح بمعالجة المظالم السياسية المشروعة للسكان المحليين السنة الموصليين تجاه الحكومة المركزية في بغداد، وضمن هذا الإطار فقط يمكن تحديد النصر أو الفشل في عملية تحرير الموصل.

رغم الزخم الاعلامي الكثيف والتقارير الموسعة التي تتناول الهجوم المرتقب لاستعادة السيطرة على الموصل من داعش، إلا أن العديد من الأسباب تحذونا لعدم توقع عملية تحرير سهلة وسريعة للمدينة؛ فالموصل هي ثاني أكبر مدينة في العراق، وحرب المدن ليست مهمة سهلة على الإطلاق، كما بدا واضحًا من العملية الأخيرة لتحرير الرمادي.

معركة طويلة وبطيئة

يبلغ عدد سكان مدينة الرمادي حوالي 200,000 نسمة، وهو عدد صغير نسبيًا مقارنة مع عدد سكان الموصل البالغ 1.8 مليون نسمة، وإن كان الكثير منهم قد غادر المدينة للجوء إلى أماكن أكثر أمانًا.

ومن الجدير بالذكر هنا بأن عملية تطهير الرمادي من العبوات الناسفة ومسلحي التنظيم لا تزال جارية على قدم وساق، رغم أن عملية تحريرها جرت قبل أشهر من اليوم.

فضلًا عما تقدم، سيضمن حلول شهر رمضان وارتفاع حرارة الصيف إبطاء العمليات العسكرية في المدينة، كما سينبغي علينا أن ننتظر لنرى فيما إذا كانت قوات الأمن العراقية ستستطيع حقًا أن ترتقي لتصل إلى مستوى التحدي الذي تفرضه عليها عملية تحرير الموصل.

على صعيد آخر، لا زال تشكيل قوة التحرير مثار جدل كبير ضمن الأوساط العراقية؛ فالعديد من السكان المحليين لا يثقون في قوات الأمن العراقية، كما أن القوات الكردية لا يمكنها إلا أن تلعب دورًا محدودًا فقط في الحملة على الموصل، ولن يُنظر إليها كقوة تحررية على الإطلاق من قِبل السكان المحليين، وبالتوازي مع ذلك، يعد استخدام الميليشيات الشيعية للمساعدة في استعادة السيطرة على المدينة كارثة حقيقية، ناهيك عن أن الاستخدام الواسع النطاق لقوات الولايات المتحدة البرية لتحرير المدينة ستكون فكرة حمقاء ومجنونة على حد سواء.

من هذا المنطلق، لا يجب علينا أن نستهين مطلقًا بالتحدي الذي تفرضه عملية تحرير مدينة بحجم الموصل، فنجاح عملية من هذا الحجم من المرجح أن يُقاس بالأشهر، إن لم يكن بالسنوات، وليس بالأيام والأسابيع.

المواقف المحلية

بشكل عام، يعتمد نجاح وسرعة عملية تحرير الموصل إلى حد كبير على مزاج السكان السنة للمدينة؛ فمهما كانت الحياة رهيبة تحت حكم داعش، إلا أن السكان المحليين ينبغي أن يطمئنوا لوجود بديل موثوق للوضع الراهن قبل أن يعلنوا دعمهم العلني لقوات الأمن العراقية.

ولكن قول ذلك أسهل من تطبيقه على أرض الواقع؛ ففي استطلاع أجرته مؤخرًا شركة الاستقصاء العراقية (IIACSS)، كانت النتائج مثيرة للدهشة والقلق على حد سواء، ومن ذلك:

- 74% من المستطلَعين السنة في الموصل لا يرغبون بأن تتحرر المدينة على أيدي الجيش العراقي وحده.

- نسبة 100% من بين المستطلَعين السنة الـ120 في الموصل لا تريد أن يتم تحرير المدينة من قِبل الميليشيات الشيعية أو القوات الكردية.

- ولكن هل يعني ذلك بأن سنة العراق يؤيدون داعش؟ لا، حيث أظهر استطلاع للرأي أُجري في يناير من عام 2016 بأن 99% من الشيعة و 95% من السنة في العراق يعارضون داعش.

إذن، هذه المواقف من قِبل السكان السنة في العراق تفسر ربما سبب عدم قيام انتفاضة شعبية من قِبل السكان السنة ضد داعش في الفلوجة على الرغم من حصارها لأكثر من عام من قِبل قوات الأمن العراقية، ومن هذا المنطلق يمكننا أن نقول، لا يهم حقًا من هي القوة التي ستفرض سيطرتها الفعلية على الموصل طالما لم يتم التصدي لهذه الانقسامات السياسية والطائفية بشكل أوسع نطاقًا في العراق.

ليست ضربة قاصمة

إذا تم تحرير الموصل غدًا فإنها ستكون ضربة قوية، ولكن ليست قاصمة، لتنظيم داعش؛ فحتى إذا تمت الإطاحة به من العراق، فإن التنظيم سيبقى يمتلك القواعد اللازمة للعودة إلى الهجوم، لأن عاصمة التنظيم الإرهابي، مراكز تدريبه، مخازن سلاحه، ومصدر إيراداته الرئيس يقعون جميعًا في سوريا، وفي ظل غياب وجود أي إستراتيجية للتعامل مع داعش في مركز ثقله في سوريا، ستبقى الجماعة الإرهابية تهديدًا يقلق الأمن الإقليمي.

لا مندوحة من القول بأنه يجب طرد داعش من الموصل، ولكن بالمقابل، لا بد لنا من الاعتراف ببساطة بأن الإطاحة بالجماعة الإرهابية لن تحل مشاكل الانقسامات الطائفية المتعددة والمتشعبة في العراق، وهي المشاكل ذاتها التي سمحت للتنظيم بالاستيلاء على الموصل في المقام الأول.

ريثما تتم معالجة الانقسامات الطائفية داخل العراق، سيصعب علينا أن نرى كيف يمكن لعملية تحرير الموصل أن تحدث فرقًا كبيرًا أو تعكس تأثيرًا دائمًا على الاستقرار العام في البلاد؛ فطالما لم تعالج الانقسامات الطائفية والمظالم السياسية من قِبل الحكومة المركزية في بغداد، سيحل كيان آخر مكان تنظيم داعش، في حال دحره، في نهاية المطاف، وإذا كان التطور الأخير للجماعات الإرهابية في المنطقة يحمل في طياته أي درس أو إشارة، فيبنغي لنا أن ندرك بأن من سيحل مكان داعش سيكون على الأرجح بذات مستوى السوء والإجرام، إن لم يكن أسوأ.

بالمحصلة، وقبل أن ندرك ما الذي يحصل، وفي غضون سنوات قليلة، سيهب شخص أو كيان ما لتحرير الموصل (أو الرمادي أو الفلوجة) مرة أخرى على نطاق واسع؛ فكما قال الجنرال ديفيد بتريوس في عام 2003، بعد وقت قصير من غزو العراق وقبل أن يصبح اسمًا مألوفًا: "قل لي كيف نستطيع أن ننهي جميع هذا!"

المصدر: الجزيرة الإنجليزية