النقيب دوناي على اليمين، الدكتور هوجارث في الوسط، لورانس على اليسار، أمام مقر المكتب العربي بفندق سافوي بالقاهرة

تحدثت كثيرًا على طول هذا الملف عن رجال وقفوا في ظلال أسماء كمارك سايكس أو الشريف حسين أو هنري مكماهون، حاولت أن أوضح أن سايكس بيكو لم تكن بالمؤامرة التي لم يعلم عنها العرب شيئًا وخدعوا إليها، ربما يكون هذا هو الهدف الرئيسي من الملف عندما بدأت وضع إطاره الفكري، الوصول إلى حقيقة سياق سايكس بيكو ككل، الخروج من دوامة المؤامرة والمظلومية التي لم يبارحها العقل السياسي والتاريخي العربي.

عوضًا عن ذلك، يصبح من الواجب البدء في إلقاء النظر على الدور الإمبراطوري لبريطانيا العظمى في المنطقة، يستطيع المرء تعلم الكثير من الجهود البريطانية في المنطقة أثناء الحرب العظمى وقبلها، فإن كان العلماء يكتبون العلم بكافة أشكاله، فإن الإمبراطوريات تكتب "الحقائق".

يبدو التعبير الأخير مبهمًا بعض الشيء ولذلك أحاول تفصيله في السطور المقبلة، عندما أبدأ كدارس لعلوم الاجتماع والثقافة إلى ما نعرفه اليوم عن المنطقة العربية أو ما يعرف بالشرق الأوسط، أجد أن أغلب ما يمكن الوصول إليه قد دون وجمع في بداية القرن العشرين، ندين حاليًا بأغلب ما نعرفه عن المنطقة إلى جهد استثنائي قام به جمع من العلماء والمستكشفين والمبشرين من كافة الجنسيات الأوروبية، كانت شبه الجزيرة العربية أحد أكثر الأماكن إثارة في خيال الطبقات العلمية والأرستقراطية الأوروبية، وكان هذا استكمالًا لسلسلة الاستشراق التي تحدث عنها إدوارد سعيد في كتابه الأشهر.

أصبح الشرق محل أحلام وتخيلات الطبقات الأكثر نفوذًا في أوروبا، ومع تتابع وصولهم إليه بدأت الأحلام تتحول بالتدريج إلى دراسة علمية تدوينية، كتب هؤلاء كل ما يستطيعون كتابته عن الشرق أثناء سيرهم فيه وتعلمهم عنه، ويجب علينا ألا ننسى أن هذه الطبقات تتكون في الحقيقة من رجال الإمبراطورية المخلصين، كان ارتباط هؤلاء بكبرى الجامعات الأوروبية ودراستهم بها كافيًا لإكسابهم الأدوات والخبرة العلمية اللازمة لتحويل شغفهم إلى دراسة علمية منهجية، كما سمحت الطبيعة الاجتماعية لتلك الجامعات لهم بتكوين شبكة علاقات شديدة التوغل في كل من المجتمع العلمي المهتم بالمشرق والطبقات الحاكمة والإدارية في البلاد الأم على حد سواء.

يمثل المكتب العربي لمخابرات جلالة الملك البحرية في القاهرة اللحظة التي تبلور فيها الاهتمام الإمبراطوري بالمشرق في أبهى صوره، تأسس المكتب في يناير 1916 بعد صراع داخلي شديد للغاية في الإدارة البريطانية، نبع الصراع بالأساس من إيمان حكومة الهند البريطانية بأحقيتها في احتكار كل ما يخص المنطقة الشرقية، وقف الراج البريطاني (اسم الحكومة البريطانية للهند) على النقيض من مجموعة من الضباط والدبلوماسيين والعلماء صغار السن ممن قضوا فترة ما قبل الحرب العظمى في استكشاف المنطقة العربية ودراستها واستخراج آثارها، رأى هؤلاء الشباب أن للمنطقة العربية خصوصية عن كل ما يقع شرق العراق، فالمنطقة بأكملها تتحدث العربية ويدين أغلبها بالإسلام السني وتقع تحت سيطرة الإمبراطورية العثمانية، بينما لم يستطع الراج أن يفرق بينهم وبين أهالي إيران والهند، فكلهم وفقًا لخطابات الأخير "محمديون".

يعتبر الآباء الروحيون لمجموعة الشباب المذكورة والمكتب العربي على حد سواء هما السير رونالد ستورز والدكتور ديفيد هوجارث، درس كلاهما بجامعة كمبريدج في أوقات متقاربة، بدأ ستورز حياته المهنية كالملحق الشرقي للحكومة البريطانية في القاهرة عام 1909، ذات الوقت الذي تم تعيين الدكتور هوغارث رئيسًا لمتحف جامعة أوكسفورد للمصريات فيه، المتحف الذي بدأ منه توماس لورانس الشهير بلورانس العرب حياته المهنية.


رونالد ستورز مع الشريف حسين في جدة


هوجارث مع لورانس أمام المكتب العربي

==


ستورز مع لورانس بعد نهاية الحرب في القاهرة

أنقل هنا عن لورانس في كتابه الشهير أعمدة الحكمة حديثه عن السير ستورز:
"كان دائمًا الأول بيننا، لم يمنعه شغفه بالموسيقى والفن والنحت عن اهتمامه بالشرق الأدنى، كان ستورز دائمًا الأول بيننا، الرجل الإنجليزي الأكثر عبقرية في الشرق الأدنى، الرجل الأعظم في الشرق الأدنى".


لورانس مع جرترود بيل أثناء مؤتمر القاهرة 1921 الذي سلم فيه أبناء الشريف حسين ملك الأردن والعراق والحجاز


لورانس، بيل، وينستون تشرشل أمام أبو الهول أثناء الاحتفال بعد نهاية مؤتمر القاهرة 1921

لا يختلف ذكر الدكتور هوجارث كثيرًا عن هذا، إذ كان أستاذ ورئيس كل من لورانس وجرترود بيل في أوكسفورد وبعدها، كما كانت بيل الصديقة الأقرب لأخته الصغرى، بالإضافة لكونه أحد أقرب أصدقاء وأساتذة السير مارك سايكس في كمبريدج، نظرة سريعة على تاريخ الرجل الوسيم في الزي البحري العسكري تخبرنا أنه أبدًا لم يكن مجرد ضابط بالجيش البريطاني، لم يكن هوجارث فقط أستاذًا للآثار بأفضل جامعة في العالم، بل كان مديرًا لأحد أكبر متاحفه، بالإضافة لترأسه للجمعية الملكية الجغرافية ووقف استكشاف فلسطين المسؤولين عن تمويل كل الأبحاث العلمية والجغرافية التي بنيت عليها جهود الجماعات الصهيونية لاحقًا.

تم تعيين هوجارث كضابط بالمخابرات البحرية الملكية فقط لأن لا شخص في العالم كله يعلم عن المشرق بنفس المقدار، لأن هذا هو الرجل الوحيد المناسب لرئاسة المكتب العربي، غني عن الذكر أن أرشيف مراسلات مارك سايكس يكشف بلا شك أن سايكس لم يكن ليأخذ أي قرار من أي نوع دون الرجوع إلى هوجارث.


هوجارث أثناء رئاسة الجمعية الجغرافية الملكية

كتب مجموعة من الرجال (والنساء) أصحاب العلم والتخصص واقع وحقيقة المنطقة العربية أو الشرق الأوسط أو الشرق الأدنى كما فضلوا تسميته، بالرغم من أن المكتب العربي كان على سدة مسؤولية التنسيق مع جهود الشريف حسين فيما يعرف بالثورة العربية، وكان أيضًا مسؤولًا عن مواجهة جهود البروباغاندا الألمانية في المنطقة العربية بطباعة ونشر منشورات أخرى باللغة العربية لتحريض العرب على الثورة ضد الحكومة العثمانية.

لم يتوقف المكتب للحظة واحدة عن إنتاج المواد العلمية وكتابة التقارير ورسم الخرائط، حتى يومنا هذا تبقى الموسوعة المعروفة بالـ "Arab Bulletin" أو النشرة العربية هي المنشور العلمي الأكثر أهميةً بلا منازع عن المنطقة العربية في القرن العشرين، موسوعة من أربعة مجلدات تقع في قرابة الألفي صفحة، أنتجت ونشرت بشكل سري ومحدود للغاية لمصلحة موظفي حكومة جلالة الملك ممن قد يضطروا للتعامل مع شؤون المشرق العربي، احتوت النشرة على خرائط وتقارير لم تنشر في أي مكان آخر، جهود العشرات من عملاء المكتب على طول المنطقة العربية، عملاء هم بالأساس حفنة من العلماء والخبراء.

أدخل إلى الأراشيف البريطانية المختلفة، يرعبني توافر المعلومات وفتحها لباحث صغير السن من بلد عالم ثالث مثلي، إلا أنني وبتتبعي لقصص هؤلاء الرجال والنساء أبدأ في إدراك مجموعة من الأشياء، أدرك أن الانفتاح المعلوماتي والتواصل الأكاديمي الذي أتاح لي الوصول إلى هذه الوثائق هو ذات الأمر الذي سمح بقيام شيء مماثل للمكتب العربي، مؤسسة صغيرة الحجم استطاعت تغيير شكل خريطة العالم وتوزيع السكان في أحد أهم مناطق العالم.

سمح التواصل العلمي وتشبيك العلاقات الشخصية بين المهتمين بالمنطقة في أوكسفورد وكمبريدج بتكوين ثروة بشرية صغيرة الحجم هائلة التأثير، هذه الثورة لم تكن أكثر من شبكة علاقات بين مجموعة من الأشخاص جمعهم الاهتمام والشغف بفرع من فروع العلم، لا يكون في الأمر مبالغة إذا قلنا إن المكتب العربي كان اللاعب الأكثر أهميةً على الإطلاق وراء دور بريطانيا في تشكيل المشرق العربي الحالي، والذي هو دور أكبر بكثير من مجموعة تفاهمات نعرفها اليوم بسايكس بيكو.