عندما لا تمتلك الدولة الآليات والقدرات التي تمكنها من استغلال ثرواتها الباطنية في البحث والتنقيب والإنتاج والتكرير وأخيرًا التصدير إلى الأسواق العالمية، فإنها تلجأ للشركات المحلية وإن لم توجد فتعمد إلى التعاقد مع الشركات الأجنبية، وهي كثيرة أبرزها توتال الفرنسية وبي بي البريطانية وإكسون موبيل الأمريكية وغيرها.

تدخل هذه الشركات في مفاوضات ماراثونية مع الحكومات للحصول على أفضل عقد ممكن تمكنها من أكبر قدر ممكن من الإنتاج والربح وأحيانًا تلجأ لإعطاء الرشوة لوزراء ومسؤولين نافذين في الحكومة للحصول على دعمهم في تحقيق أطماعهم، وأبعد ما تتمناه تلك الشركات هو عقود الخدمة وعقود الشراء المسترجع التي تخضعها لشروط الحكومات بالعمل لمدة محدودة والحصول على ربح بسيط ومن ثم تخرج من الحقل لتتركه للدولة وفق شروط العقد.

الفجاجة الحاصلة في صياغة العقود النفطية آتية بشكل أساسي من الحكومات الفاسدة لو اعتبرنا أن الشركة بحكم البحث عن الربح ستسعى بكل الوسائل المتاحة للحصول على أفضل صياغة للعقد ولو تطلب منها هذا أن ترشي وزارء ومسؤولين في الحكومة وتستخدم نفوذ وسطوة حكوماتها على حكومة البلد التي تنوي الاستتثمار فيه.

فضيحة المسؤولين العراقيين مع شركة أونا أويل الكندية

كشفت مؤخرًا التحقيقات في العراق حول صفقات الفساد في العقود النفطية بين شركة أونا أويل الكندية ومسؤولين عراقيين أبرزهم وزير التعليم العالي حسين الشهرستاني إذ دفعت الشركة رشاوي للمسؤولين ما قيمتها 25 مليون دولار لضمان دعمهم للحصول على عقود نفطية مجزية، وبعد فتح الحكومة العراقية تحقيقًا في الموضوع بإدارة لجنة النزاهة في مجلس النواب كشف رئيس اللجنة أن أحد المسؤولين "المتورطين" في قضية عقود النفط مع شركة أونا أويل لديه 600 مليون دولار في إحدى الدول المجاورة، وأفادت التحقيقات أن من بين الأسماء التي قامت الشركة بشراء ذممهم "وزير النفط آنذاك، وزير التعليم حاليًا حسين الشهرستاني، وعبد الكريم لعيبي وزير النفط عام 2014، ومدير عام شركة نفط الجنوب ضياء جعفر الموسوي الذي أصبح عام 2015 وكيل وزير، والمسؤول النفطي عدي القريشي".

علمًا أن عقود النفط المبرمة في العراق بين الحكومة والشركات "لا تزال يلفها السرية حول تفاصيل ونصوص تلك العقود التي لم تنشر للعلن" وما سرب حتى الآن هو أنها عقود خدمة لتطوير الحقول النفطية، إلا أن حقول النفط وما فيها من احتياطيت ضخمة "رهينة" بأيدي الشركات الخادمة لمدة عشرين عامًا! على الرغم من أن عقود الخدمة تستمر لمدة أشهر لتقديم خدمة معينة ومن ثم تغادر.

ويرى مؤيدو هذه العقود الخدمية حسب ورقة تتكلم عن "هل باعت جولة التراخيص نفط العراق للشركات العالمية" بأنها عقود خدمة بأجور متدنية وليست عقود مشاركة بالانتاج مما يعني أن النفط لن يكون تحت سيطرة الشركات الأجنبية، وأنها فرصة ممتازة لتحديث الصناعة النفطية العراقية على يد الشركات الأجنبية التي تمتلك الإمكانات التكنولوجية الذي سيساهم في زيادة الإنتاج وذلك سيساهم في رفع مستوى معيشة المواطنين و بناء البنية التحتية وتوفير الخدمات وتطوير القطاعات الاقتصادية الأخرى وتوفير فرص عمل للمواطنين العراقيين وتحسين الأجواء الاستثمارية مما سيحفز المزيد من الشركات الأجنبية على الاستثمار في القطاعات الاقتصادية الاخرى في العراق. إلا أن المعارضين يشككون بهذه العقود بالكلية ويرون أن الفوائد التي تسردها وزارة النفط هي على الورق فحسب.

صفقة شركة بي بي البريطانية مع الحكومة المصرية

في مصر أعلنت صفقة غاز بين شركة بي بي البريطانية مع الحكومة المصرية في مؤتمر شرم الشيخ العام الماضي أقل ما يقال عنها أنها تهدر ثروة الغاز المصري، قدرت قيمة الصفقة 12 مليار دولار. وعلى الرغم من أن عقد الشركة البريطانية انتهى في العام 2003 بالمواقع التي تم التعاقد عليها إلا أن الشركة ظلت بمواقعها وبقيت منذ ذلك الوقت بالدخول في تفاوض مع الحكومة المصرية المتعاقبة على حصتها في الإنتاج وعلى سعر بيع معين لمصر حتى وصلت الشركة في الصفقة الأخيرة مع حكومة محلب لأن تستحوذ على نسبة 100% من الإنتاج رغم أن حصة الشركة لم تتعدى في الماضي 20% في عقود سابقة لها، كما توصلت الشركة إلى أن تبيع إجمالي الإنتاج لمصر بواقع 4 دولارات لكل مليون وحدة حرارية، فضلًا عن الإعفاء الضريبي الذي تمتعت به الشركة في جميع تعاملات الصفقة وعلى مدار عشرين عامًا،

والمنطق برأي الاقتصادي المصري عبد الحافظ الصاوي يقتضي ألا تفرط الحكومة المصرية في جميع حقوقها فإذا كانت أزمتها المالية وحاجتها للغاز قد دفعتها للتوقيع على الصفقة فلا أقل من أن تضمن إحدى الميزتين وأن تتمسك بحصة من الإنتاج لا تقل عن الثلثين.

إلا أن حالة الفساد في الاتفاقية هذه ليست الأولى ففي نهاية الثمانينيات تبنت صحيفة الشعب المعارضة حملتها ضد وزير البترول آنذاك عبد الهادي قنديل، وأشارت الصحيفة إلى تأسيسه لشركة في دولة أوروبية، كانت تشترى البترول المصري بسعر رخيص، ثم تعيد بيعه في السوق لشركات أخرى، وتمت التغطية على هذه الممارسات الفاسدة بإقالة الوزير في العام 1999 بدون محاسبة، لإنه وبحسب الصحيفة فإن الوزير كان يمارس الفساد لصالح مسؤولين كبار في الدولة، كذلك صدرت أحكام قاسية على وزير البترول سامح فهمي ولكن تم تبرئته بعد الإنقلاب وهذه إشارة أن الفساد بقطاع البترول هو فساد دولة برأي الصاوي.

ما هي صيغ عقود النفط؟

 تقسم صيغ عقود مشاريع النفط في العالم إلى عدة أنواع منها، عقود الإمتياز وعقود مشاركة الإنتاج وعقود الخدمة مع المخاطرة وعقود شراء المباع.

عقود الإمتياز

تمتاز بإعطاء الشركة حق البحث والاستكشاف في قطعة أرض ممنوحة من قبل الدولة للشركة التي تتولى إجراء كافة الأعمال في الاستكشاف والتنقيب فإذا وجد النفط بكميات تجارية تتحول الشركة إلى التطوير وصولا إلى مرحلة الإنتاج والتصدير وعلى الدولة تقديم التسهيلات للشركة بدءًا بمنح الأرض إلى تسهيل أعمال الشركة من ناحية جلب المعدات والعمالة الخاصة بها لأجل إكمال العمل وعند الإنتاج والتصدير تعطى الدولة صاحبة الأرض جزء من الأرباح، وفي الماضي لم تتحصل الدولة بموجب هذه العقود للدولة الحق في التعيين والإدارة والإشراف أما الآن فقد تم التوصل إلى صيغة منصفة تمنح الدولة جزء من الإدارة والإشراف والتعيين والتدريب لعمالتها الوطنية.

عقود المشاركة في الإنتاج

هي عقود احتكارية إذا لم تحدد الشروط التي تنتفع منها الدولة المشاركة مع الشركة المستثمرة. فالدولة تحصل بموجب هذه العقود على القليل من المنفعة الاقتصادية إذا لم توضع شروط مناسبة تحفظ لها حقها أمام الشركة النفطية المستثمرة. ويتم تحديد نسب المشاركة والعوائد وفق نسب محددة مع حق الحصول على نسبة من العمالة في الشركة وحق التدريب لكوادر الدولة تقوم بها الشركة لصالح الدولة المشاركة.

عقود الخدمة

في هذه الصيغة من العقود تتولى الدولة جميع العمليات الكفيلة بالتنقيب عن النفط والإنتاج والتكرير والتصدير، إلا أن الدولة تستعين بشركات تقوم مقام المتعهد لتنفيذ أعمال البحث والتنقيب لصالح الدولة. ولا تعتبر هذه العقود مصدر قبول عند الشركات النفطية فهي لا تنتفع منها كثيرًا لذا فإن هذه العقود لا تجلب الاستثمارات المطلوبه ولا الشركات لتجازف في التنفيذ بسبب عدم ضمان انتفاعها من العمل.

 عقود الشراء المسترجع

في هذه العقود يتم استرجاع رأس المال للشركة المستثمرة مع هامش ربح بسيط، بينما تتملك الدولة المنطقة المستثمر فيها بشكل كامل، وتعد هذه العقود غير مستحبة أيضا من قبل الشركات لأنها لا تعتبر ذات ربحية عالية ومنفعة اقتصادية كبيرة بالنسبة لها. وأبرز مثال على هذه العقود هي عقود النفط الإيرانية علما أنها لا تزال تعاني من عدم قدوم شركات للاستثمار في القطاع النفطي وتضطر في كل مرة إلى تغيير بعض الشروط لصالح الشركات الراغبة وطرحها في مناقصات دولية للبحث والتطوير.