ستة أيام بلياليها بقيت ليبزغ هلال رمضان معلنًا بدء شهر الصيام، دول تجهز سلة السلع والخدمات المختلفة، وأخرى شعوبها لا تجد سلة لتعرض فيها، وهناك أخرى تعاني من غلاء شديد في أسعار الغذاء يسجل في تاريخها الماضي والحاضر ويبقى المستقبل غامضًا.

تعج وسائل التواصل الاجتماعي لمصريين بالشكوى من صعوبة الحياة وأزمة غلاء الأسعار العامة لمختلف السلع والخدمات في إطار من لا حيلة له سوى الكلام ضد هذا الوضع المشؤوم.

لم يترك الغلاء شيئًا إلا وزاره في مصر، لم يجعل له حرمة على شيء ولا حتى الدواء والتداوي، فأصبح ركوب التاكسي والذهاب إلى المطعم رفاهية وشراء الشقة من الماضي، والزواج أصبح شيئًا عسيرًا لارتفاع التكاليف، ومختلف أنواع السلع الاستهلاكية الأساسية تشهد أسعارها ارتفاعات متزايدة.

عدد الفقراء في ازدياد، وجزء كبير من الطبقة المتوسطة يهبط إلى الفقر، ومجلس النواب يرفع بيانًا عاجلًا باسم النائب أحمد فرغلي، أمين سر اللجنة الاقتصادية بمجلس النواب، حول موجة ارتفاع للأسعار ضربت البلاد خاصة في السلع الاستهلاكية والتموينية وأسعار جميع البقوليات واللحوم والدواجن قبل شهر رمضان، بما يمس باحتياجات محدودي الدخل بشكل يجعلهم غير قادرين على شراء مختلف أنواع الطعام.

فماذا يفعل المواطن المصري الآن وخلال رمضان وقد أثقلت الحياة بصعوباتها كاهله، وإلى أين يهرب وقد ضاقت الدنيا به!

الوضع مطمئن في مصر!

الرئيس السيسي في اكثر من خطاب له للشعب بمناسبات عديدة ذكر أنه لا شيء يدعو للقلق لما يحصل في مصر من جفاف وغلاء في الأسعار، إلا أن الخبراء يتوقعون ارتفاعات جديدة في أسعار السلع الرئيسية مع اقتراب شهر رمضان بعد تسجيلها مستويات جديدة تجاوزت ما كانت عليه قبل أسبوعين بنسب تتراوح بين 10:30%.

وبحسب تقرير لغرفة تجارة القاهرة التجارية فإن نسبة ارتفاع الزيوت تجاوزت 25% وذلك لأن 90% من الزيوت في مصر يتم استيرادها من الخارج، ومن بين قائمة السلع الغذائية التي شهدت ارتفاعًا واضحًا؛ الألبان ومنتجاتها والسبب يرجع لعدم إنتاج الشركات المحلية للبن البودرة واضطرارها لاستيراده من الخارج علمًا أنها مادة رئيسية في كثير من الصناعات الغذائية، وفي الأسبوع الأول من الشهر الجاري قامت شركات الألبان بزيادة أسعار منتجاتها بنسب تتراوح بين 10:15%.

ومن ثم تأتي اللحوم ومنتجاتها إذ شهدت هي الأخرى ارتفاعًا في أسعارها خلال الشهر الجاري، حيث تقدر الزيادة بنسبة 8% للحم المحلي و15% للحوم المجمدة التي يتم استيرادها من الخارج والوضع مماثل بالنسبة للأسماك أيضًا.

كما أن الخامات الرئيسية لقطاع الغذاء بحسب تقرير غرفة التجارة يتم استيرادها من الخارج، كما هو حاصل في الذرة وفول الصويا واللبن البودرة وغيرها من المواد الأخرى.

لماذا ترتفع الأسعار؟

لو كانت مصر تنتج المواد محليًا التي تستوردها من الخارج لما كانت الأسواق شهدت ارتفاعًا ملحوظًا إلا في حدود العرض والطلب، فإذا ارتفع الطلب على سلعة ما، خصوصًا ما قبل شهر رمضان وخلاله فإن سعرها سيرتفع، في دراسة لغرفة الصناعات الغذائية المصرية بينت أن حجم الطلب على المنتجات والسلع الغذائية في مصر يرتفع خلال شهر رمضان بنسبة 70%، ويرتفع الطلب على السكر والحلويات بنسبة 100%، والطلب على اللحوم والدواجن بنسبة 50%، وعلى الألبان ومنتجاتها بنسبة 60%، وعلى الأرز والمعكرونة بنسبة 30% تقريبًا، ولكن الأسعار ترتفع في حدود معقولة وسرعان ما تعود للانخفاض بعد توازن العرض مع الطلب.

أما في حالة استيراد المواد من الخارج فإن القطاعات الاقتصادية بما تمثلها من تجار ومستوردين وحكومة ستحاسب الشركات الأجنبية بالدولار، الذي يعاني من استنزاف حقيقي في احتياطي الأجنبي لدى البنك المركزي المصري، وأكد المركزي سابقًا أنه يواجه عجزًا شهريًا يقدر بحوالي مليار و45 مليون دولار لسد الاحتياجات الرئيسية للبلاد، ويضطر للجوء للاحتياطي الأجنبي لسد هذا العجز، وهذا يؤدي إلى تراجعه، وقد شهد سعر صرف الدولار خلال الشهور الـ6 الماضية ارتفاعًا بأكثر من 20% بينما شهدت أسعار كثير من السلع المستوردة ارتفاعًا بأكثر من تلك النسبة.

وفي ظل الطلب العالي على الدولار وتخفيض المركزي لقيمة الجنيه سيرتفع سعر صرف الدولار مقابل الجنيه في السوق السوداء، وبالتالي يعمد التجار إلى رفع الأسعار على السلع والمنتجات في الأسواق (تم بيان ذلك في مقال "آثار انخفاض قيمة الجنيه على حياة المواطن المصري").

الأرز.. حكاية أخرى!

أسعار الأرز تواصل تحليقها لتسجل ارتفاعات تاريخية في مصر حيث ارتفعت الأسعار بنسبة 100% خلال عام، دون وقوف الحكومة على الأسباب الحقيقة وفتح تحقيقات جدية لمعرفتها، علمًا أن مصر تنتج من الأرز ما يكفي الأسواق المحلية ويزيد! حيث أنتجت نحو 3.75 مليون طن من الأرز، فضلًا عن الفائض المتحقق في العام السابق 2014 البالغ 700 ألف طن، في حين أن الاستهلاك السنوي لا يتجاوز 3.3 ملايين طن، أي أن هناك فائض بأكثر من مليون طن، فأين ذهب هذا الفائض؟

وعلى الرغم من حظر الحكومة تصدير الأرز منذ شهر أبريل الماضي قفزت أسعار كيلو الأرز في منتصف الشهر الجاري إلى 8 جنيهات من مستوى 5 جنيهات في بداية الشهر، ومن المتوقع أن ترتفع إلى 10 جنيهات خلال شهر رمضان لارتفاع الطلب عليه، وبحسب تصريح لوزارة التموين لصحيفة العربي الجديد فإن السبب في الارتفاع يعود إلى احتكار كميات كبيرة من الأرز من قِبل من يسيطرون على هذه السلعة الاستراتيجية، الذين لا يزيد عددهم عن 10 أفراد، تمهيدًا لبيعها بأسعار مرتفعة في شهر رمضان، بينما يعتقد آخرون أن بعض التجار قاموا بعمليات تهريب كبيرة للأرز إلى الخارج، وفي كلا الحالتين فقد حصل عجز حاد في مؤسسات التموين لسلعة الأرز أدى لتوجه المستهلكين للأسواق، وبسبب نقص المعروض منه ارتفعت الأسعار بشكل كبير.

الأمم المتحدة تحذر!

برنامج الأمم المتحدة للبيئة أصدر تقريرًا منتصف الشهر الجاري أعلن فيه أن الناتج المحلي الإجمالي للعديد من الدول سيتأثر سلبًا بسبب استمرار موجة ارتفاع الأسعار، حيث قاس التقرير 110 دولة، من ضمن العشرين دولة المتصدرة لقائمة الدول التي ستتأثر سلبًا 17 دولة إفريقية؛ جاءت المغرب في المرتبة الـ14، تونس في المرتبة الـ17، ومصر في المرتبة الـ19 بمعدل ناقص 3.3%، ولفت التقرير أن مصر إحدى البلدان التي تستورد المواد الغذائية وتنفق عليها بشكل كبير ستتأثر أكثر بهذا الخطر في التأثير سلبًا على مستوى المعيشة.