لكل نظام ديكتاتوري رجاله الذين يشبهونه، ومؤسساته التي تنفذ أوامره بدون نقاش أو تفكير في العواقب، واقع لامسناه خلال اليومين الماضيين من تصاعد حدة الأزمة بين نقابة الصحفيين والحكومة المصرية ممثلة في وزارة الداخلية، بعدما لجأت الوزارة لأول مرة في تاريخ مصر، وفي سابقة لم تحدث أيام الاحتلال البريطاني، لـ "جرجرة" نقيب الصحفيين يحيى قلاش وعضوين آخرين بالنقابة "جمال عبد الرحيم وخالد البلشي"  للتحقيق معهم لمدة 12 ساعة داخل النيابة، والإصرار على حبسهم أو الإفراج عنهم بكفالة قدرها 30 ألف جنيه، رفضها الثلاثة.

بداية الأزمة

بعيدا عن القصة وتفاصيلها التي باتت معلومة للجميع في الخارج قبل الداخل، والتي بدأت في التصاعد في الأول من مايو الجاري، على خلفية اقتحام مقر النقابة وإلقاء القبض على عمرو بدر رئيس تحرير موقع بوابة يناير، ومحمود السقا الصحفي بذات الموقع، وذلك بعد يومين من بدء اعتصامهما في النقابة احتجاجًا على مداهمة منزليهما، عقب صدور أمر ضبط وإحضار من النيابة العامة المصرية، بعيدا عن تلك التفاصيل نرصد هنا للتداعياتها والسيناريوهاتها المتوقعة في ظل المحاولات المتكررة من النظام المصري لتكميم أفواه المعارضين، أيا كانت انتمائاتهم، تارة باتهامهم بالانتماء لجماعة الإخوان، وأخرى بالعمالة، وثالثة بمحاولات هدم "شبه الدولة" على حد تعبير الرئيس المصري نفسه في أحد خطاباته الأخيرة.

إعلان حرب

"طيش السلطة" في القبض على "قلاش" وزميليه ربما كان أفضل تعبير عن مقولة السيسي بأن المصريون يعيشون في "شبه دولة"، إذ كيف لدولة تدرك أن هناك خصومة بين نقيب مؤسسة هي السلطة الرابعة بالبلاد، وإحدى وزاراتها هي وزارة الداخلية، توافق على قيام الأخيرة باقتياد خصمها للتحقيق معه ليلا، والإصرار على قضاءه ليلة كاملة تحت رحمة زبانية الداخلية، دون حتى السماح للمحامين بحضور التحقيقات مع الثلاثي؟

ما حدث في مساء ليلة 30 مايو يعتبره المحللون بمثابة إعلان حرب مفتوحة على صناع الرأي، ومكافحى الفساد، وقوى التنوير، وكأن النظام المصري بات يتعامل مع النقابة وصحفييها بمنطق رواية شكسبير الشهيرة "ترويض الشرسة" من خلال محاولة كسر إرادتها وإهانتها، حتى تكون طوع إرادته، وتنسى شعارات حرية التعبير والمعارضة وفضح الفساد والمفسدين.

ليلة سوداء

مواجهة الدولة والنقابة لم ولن تنتهي بليلة 30 مايو السوداء، بل هي فقط بداية حرب تكسير العظام والمواجهة طويلة وشاقة، بين آلة الاستبداد، وقلعة الحرية التي تعرقل سفينة الديكتاتورية بالبلاد؛ لأن "شبه الدولة" تتعامل مع النقابة بسلسلة إجراءات قمعية عشوائية، للتغطية على جريمة اقتحامها في الأول من مايو الجاري، ومحاولة لوضعها والنقيب الذي يعد الممثل الرسمي والقانوني لها والصحفيين في موضع اتهام؛ لكي ينشغل بالدفاع عن نفسه، وينسى القضية الرئيسية، وهي اقتحام النقابة بالمخالفة للقانون.

بيت الطاعة

الرسالة باتت واضحة، النظام يصر على الاستمرار في قمع حرية الصحافة وإهانة الصحفيين ونقابتهم؛ بهدف إعادتهم لبيت الطاعة السلطوي، ووأد أي فكرة للاستقلالية، ومناقشة ما يمليه عليها النظام وتابعيه، غير عابئ بأية ردود فعل حقوقية سواء محلية أو دولية رافضة للقمع، حيث اعتبرت منظمة العفو الدولية، أن احتجاز قلاش، واثنين من زملائه "انتكاسة مقلقة لحرية التعبير"، فيما رأته "التنسيقية المصرية للحقوق والحريات" "انتهاكاً صارخاً وجديداً لحرية الصحافة لم يحدث مسبقاً في تاريخ النقابة"، معربة عن "قلقها البالغ على مستقبل الصحافة في مصر والذي يتجه من سيئ إلى أسوأ"، بينما قال المرصد العربي لحرية الإعلام "مقره لندن" إنه يستهجن قرار النيابة المصرية، معتبراً إياه "إجراء يحدث للمرة الأولى في تاريخ النقابة"، مطالبا "كل الهيئات والمنظمات المعنية بحرية الصحافة محلياً ودولياً، بالتحرك السريع لإنقاذ الصحافة المصرية"، داعياً "مجلس حقوق الإنسان الدولي والمقرر الأممي الخاص بحرية التعبير، للتدخل العاجل لإنقاذ الصحافة المصرية".

مشهد كابوسي

الخلاصة .. أن القبضة القوية لأجهزة الدولة في مصر تهدد الجميع، بلا استثناء، و الشعار المرفوع في المقابل هو "الاستقرار" حتى وإن كان الثمن هو الصمت الكامل والإذعان وتعطيل القانون، في مشهد كابوسي لا يهم صناعه نتيجته الحتمية وهي الانهيار لـ "شبه الدولة"، ولا أية ردود فعل كما قلنا، لكنهم فقط يهدفون بخطوات متسارعة لتنفيذ خطتهم للإذعان الكامل، مستلهمين مبادئ الديكتاتوريات القديمة في استعراض القوة ضد الجميع، وكل من يرفض أو يختلف هو جزء من مؤامرة "هدم الدولة"، حتى لو كان هذا القهر نفسه هو أخطر عناصر "هدم الدولة"، عبر خطاب التخويف من مصير دول قريبة "سوريا والعراق".

في المقابل، نقابة الصحفيين ليس لديها وسائل ضغط كبيرة خلال الفترة المقبلة، لأنها لن تكون مؤثرة على الدولة، في ظل امتلاك الأخيرة للسلطات كاملة، والنظام لا يقصد من حبس قلاش أو غيره من الصحفيين شخوصهم، بقدر ما يسعى لتوجيه رسالة لأي معارض أو نقابة يمكن أن تأخذ نفس نهج الصحفيين، والدليل على ذلك أن الدولة أنهت باب الحل الودي السياسي، بترك الأمر في يد القضاء ، ليفصل في الأزمة برمتها، دون اللجوء لحل سياسي للقضية.

سحب الثقة وفرض الحراسة

السيناريو المتوقع الآن هو سحب الثقة من مجلس نقابة الصحفيين، مع انعقاد انتخابات التجديد النصفي المقبلة للنقابة، وتوجيه صحفيو الجرائد القومية نحو اختيار مجلس برعاية النظام، أو التلويح بفرض الحراسة على النقابة، وإقالة المجلس المنتخب، وتعيين "مجلس مؤقت"، حتى إجراء الانتخابات التي قد تطول إجراءاتها، وتدخل بنقابة الصحفيين إلى "النفق المظلم"، الذي عاشته النقابات المهنية التي فرضت عليها الحراسة في العقد الأخير من حكم الرئيس المخلوع مبارك، لتتشكل بذلك حقبة جديدة للإعلام في مصر ينتقل بمقتضاها من مرحلة "الموالاة" إلى الخضوع والترويض والدخول إلى الحظيرة المعدة سلفا.