المتقاعدون اليونانيون يتظاهرون ضد خفض المعاشات التقاعدية أمام البرلمان اليوناني في أثينا.

ترجمة وتحرير نون بوست

بعد الصيف الماضي، وبعيد انتهاء الصدام ما بين حكومة حزب سيريزا في اليونان ودائني الدولة المعسرة، توقفت وسائل الإعلام العالمية عن متابعة أخبار اليونان بذات الزخم السابق، كما انتهت الحملة الشعبية لمعارضة إجراءات التقشف المفروضة على اليونان في يوليو 2015 عندما تراجع رئيس الوزراء ألكسيس تسيبراس عن موقفه.

منذ ذلك الحين، شهدنا اختفاء اليونان من العناوين المالية الرئيسية، مما قد يدلل على استقرار اقتصاد البلاد، ولكن للأسف، لم يكن هذا الأمر حقيقة على أرض الواقع.

لكي لا ننسى، بحلول عام 2015 كانت اليونان قد عانت مسبقًا من إجراءات التقشف العنيفة؛ ففي عام 2013، كان أكثر من ثُلث اليونانيين يعيشون تحت خط الفقر، وفي عام 2014، كان قد تم تخفيض الأجور والمعاشات التقاعدية الحكومية لـ12 مرة خلال أربع سنوات فقط.

بغية رسم وجه للمقارنة ما بين نسب الدخل القومي التي تم تحويلها لخفض العجز في الميزانية، طبّقت اليونان تدابيرًا تقشفية تبلغ بحجمها تسعة أضعاف حجم تلك التي فُرضت في إيطاليا، وثلاثة أضعاف حجم تدابير التقشف التي فُرضت في البرتغال، وما الذي انتهى إليه ذلك؟ بين عامي 2009 و2014، نما اقتصاد إيطاليا بنسبة مئوية زهيدة تبلغ 2% كما نما اقتصاد البرتغال بنسبة 1%، وفي ذات الفترة، تضاءل الدخل القومي في اليونان بنسبة كارثية تبلغ 26.6%، وهي ذات نسبة الانكماش التي شهدتها أمريكا في خضم الكساد العظيم، والنتيجة كانت كارثة إنسانية لا يستطيع أحد أن يوفيها حقها من الوصف سوى كاتب مبدع كجون ستاينبك لو كان يعيش بيننا في القرن الـ21.

على هذه الخلفية، اختار الناخبون اليونانيون الحزب الذي كنت أحد أعضائه، حزب سيريزا، في يناير 2015 للتفاوض على وضع نهاية للتقشف المدمر مقابل إجراء إصلاحات جدية في اليونان؛ ومن خلال معطيات الدولة التي تعيش ضمن حدود إمكانياتها، اجتهدت بحكم منصبي كوزير جديد لمالية للبلاد، لإقناع البنوك الأوروبية والمؤسسات الدائنة بأن أفضل ما يخدم مصلحتنا المشتركة هو تخفيض معدلات الضرائب، وتجنب المزيد من التخفيضات على المعاشات التقاعدية، وكحل توافقي، وعدت حينها بتطبيق إجراءات "فرامل العجز"، من خلال زيادة الضرائب وخفض الإنفاق تلقائيًا، في حال لم تتعافَ الإيرادات الحكومية ضمن فترة زمنية متفق عليها.

ولكن توسلاتي لاقت آذانًا صماء، وحينها تقدمت باستقالتي، حيث أصر دائنو اليونان بدلًا من تطبيق الإصلاحات المقترحة على فرض نسبة أعلى من ضرائب المبيعات، فضلًا عن فرض تخفيضات جديدة على الأجور والمعاشات التقاعدية، وبلغ استسلام الحكومة اليونانية للدائنين إلى حد قبولها بالتزام منافٍ للمنطق يجبر جميع الشركات اليونانية أن تدفع فورًا وبشكل كامل كافة الضرائب المقدرة للعام المقبل، مما أسفر عن عودة ظهور الإرهاصات القاتلة للتقشف مرة أخرى على اقتصاد البلاد.

بمجرد تطبيق تلك التدابير الجديدة، باشرت الدخول في اليونان، التي كانت قد ارتفعت قليلًا عندما أوقفنا لفترة مؤقتة إجراءات التقشف، بالانخفاض مرة أخرى، كما أسفر إغلاق المصارف، الذي فرضته كتلة دائني اليونان بغية إذعان حكومتنا، بالتلازم مع إجراءات التقشف الجديدة التي تلت ذلك، إلى إعادة إحياء الركود، جميع ذلك أسفر عن زيادة مذهلة في عدد القروض المتعثرة ضمن ميزانيات البنوك العمومية، حيث وصلت إلى نسبة مخيفة تبلغ 45% من إجمالي القروض، ناهيك عن تأثير حرمان الشركات التي تمارس نشاطات التصدير المربحة من قروض الائتمان؛ وفي عام 2014، كانت نصف الأسر اليونانية لا تتمتلك أي بالغ عامل ضمنها، كما أن التخفيضات في الإنفاق العام المفروضة على مدى العامين الماضيين أدت إلى اقتصار إعانات البطالة على 10% من العاطلين عن العمل فقط.

وراء تلك الأرقام القاتمة، يلوح واقع قبيح، ويطرّد قبحًا يومًا بعد يوم؛ لقد تم سحق الشركات الصغيرة جرّاء الضرائب العقابية، وتلوح اليوم في الأفق موجة عارمة من إجراءات حبس العقارات استيفاءًا لمبالغ الرهن العقاري، ناهيك عن أن مستشفيات اليونان لا تمتلك ضروريات العمل الأساسية، في حين لا تستطيع جامعاتنا أن توفر ورق مرحاض ضمن مرافقها العامة؛ ففي أثينا اليوم، وحدها مطابخ الحساء هي التي تزدهر.

ولكن، في خضم هذه المعاناة اللامنتهية، هل استطعنا أن نتعلم أي درس؟ لا، على الأرجح.

يبدو بأن البؤس الاقتصادي اليوناني يقبع في حالة تفسح المجال اليوم أمام إثارة أزمة جديدة، ولكن هذه المرة، الأمر كان ناجمًا عن علاقة صندوق النقد الدولي مع محور بروكسل- برلين؛ فالمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل ترفض الاعتراف أمام البوندستاغ (البرلمان الألماني) بأن قروض إنقاذ اليونان لطالما كانت غير مؤكدة الوفاء، وبغية الاسترسال بحلم سداد الديون وفقًا للخطط التي تم الاتفاق عليها العام الماضي، تصر برلين على تحديد هدف مثير للسخرية لفائض الميزانية في اليونان، يبلغ 3.5% من الناتج المحلي الإجمالي سنويًا ابتداءًا من عام 2018، وهو مبلغ يعادل تقريبًا، كنسبة مئوية من الدخل الإجمالي، الميزانية العسكرية الأمريكية، ولكن في الحالة اليونانية، سيتم تسخير هذا المبلغ لخدمة الديون الخارجية.

يرقى هذا الشرط التعجيزي الألماني ليبلغ حقيقة فرض إجراءات متصاعدة ودائمة من التقشف على اليونان، حيث احتج صندوق النقد الدولي بحق، بأن أي مستوى يتم فرضه من التقشف لا يمكنه تحقيق هذا الهدف.

في الأسابيع الماضية، تصاعدت المؤشرات على استعداد صندوق النقد الدولي للإصرار على تخفيف عبء الديون عن اليونان من خلال السماح بتخفيض هدف فائض الميزانية، وتخفيض إجراءات التقشف بالتبعية، ولكن للأسف، تبددت هذه الآمال خلال اجتماع الأسبوع الماضي لمجموعة اليورو، وهي هيئة غير رسمية تجمع وزراء مالية منطقة اليورو مع مسؤولين من البنك المركزي الأوروبي وصندوق النقد الدولي؛ فجرّاء غياب مديرة صندوق النقد الدولي، كريستين لاغارد، عن الاجتماع، استسلم بديلها لمحور بروكسل برلين، مؤجلًا أي تخفيف لعبء الديون حتى عام 2018، وفق أقرب تقدير.

في وقت سابق من هذا الشهر، قدّمت أثينا فروض الطاعة للاتحاد الأوروبي من خلال فرض جولة جديدة من الزيادات الضريبية وخفض المعاشات التقاعدية؛ فاليوم تبلغ ضريبة المبيعات في اليونان حوالي 24%، ويرى صندوق النقد الدولي، بحق أيضًا، بأن هذه التدابير ستفشل في تحقيق هدف الفائض التعجيزي، ولكن الحل الجديد البديل الذي تم طرحه يبدو غريبًا بقدر ما هو مضر.

فبدلًا من الحد من هدف الفائض، وافق ممثل صندوق النقد الدولي في اجتماع مجموعة اليورو، بول تومسن، على قرار غير اعتيادي باستعادة الاقتراح المرمي بالقمامة بفرض "فرامل العجز" والذي طرحته خلال مناقشات العام الماضي كمقابل لإنهاء إجراءات التقشف، بحيث أصبحت الفكرة اليوم بأنه وفي حال عدم الوصول إلى هدف الفائض البالغ 3.5%، وهو ما سيحصل بالتأكيد، سيتم فرص زيادات ضريبية جديدة وتخفيضات بالإنفاق بشكل تلقائي.

إذن، العرض ذاته الذي كنت قد اقترحته كبديل عن التقشف، أصبح الآن داعمًا له، وهذه آلية لن تعمل إلا على زيادة الركود الناجم عن التقشف في اليونان.

المنطق يفرض أن نضع حدًا لحلقة العذاب اليونانية؛ فما تحتاجه اليونان حقًا هو إعادة هيكلة واقعية لديونها ووضع هدف فائض أولي لا يتجاوز الـ1.5% من الدخل القومي، كما ينبغي أن تواصل الحكومة إصلاحاتها التي تستهدف كسر احتكارات القلة في مجالات الاقتصاد مثل كبار المحال التجارية وقطاع الطاقة، فضلًا عن استمرارها بمحاربة عدم الكفاءة والفساد في الإدارة العامة.

ولكن بدلًا من ذلك، يتم الإمعان بالمبدأ الغريب القائم على فرض أقصى حالات التقشف على أكثر اقتصادات أوروبا إنهاكًا؛ مما سينشر حالة جديدة من البؤس في كافة بقاع اليونان، وسيعيق، بلا مبرر، الانتعاش في الاتحاد النقدي الأوروبي.

المصدر: نيويورك تايمز