"الاستبداد يقلب الحقائق في الأذهان، فيسوق الناس إلى اعتقاد أن طالب الحق فاجر، وتارك حقه مطيع"

الاستبداد حيثما كان ينشر في أي بلد يحل به الفقر والضنك والذل والهوان والضعف وضيق الحال وعدم الأمان وتسلط القوى على الضعيف، وبالتالي من السهل على القوى الكبرى أن تتحكم في ذلك البلد أو ذاك، فالقوى الكبرى تستطيع عن طريق دعمها للمستبد أن تنهب ثروات شعبه الذي يكتوي بنار الغلاء والضرائب والفساد، سواء كان هذا المستبد في آسيا الوسطى أو أفريقيا، إلخ.

الكارثة أن المستبد عندما يجد أن الدائرة ضاقت عليه، فإنه لا يجد غضاضة في التخلي عن كل ثوابت الأمة التي ينتمي إليها، بل يجد أن التقرب إلى القوى الكبرى وتنفيذ أهدافها بنفسه، سيعزز من مكانته وأهميته لهم وبالتالي دعمه!، وللمفارقة فإن المستبد لا يتعظ بنهاية المستبدين الذين سبقوه إلى مزبلة التاريخ.

وفي بعض البلدان، لا يريد المستبد أن يختار شعبه مرشحيه، لذا فالاستحقاقات الديكتاتورية بالنسبة له، أن يكتفي بأن يقوم بتصعيد بعض الغوغاء والرعاع والمنافقين والفاسدين إلى البرلمانات ومجالس النواب، حتى يظهر للعالم ويقول إن لدي ديمقراطية حقيقية!

ولا يجد المستبد مشكلة في نهب شعبه وسرقة أمواله عن طريق زيادة أسعار حتى المنتجات الأساسية حتى لو وصل الأمر للغذاء والدواء، فالوطن بالنسبة إليه ضيعة أو بقرة يحلبها في أي وقت شاء وكيفما شاء!

كذلك بعض المستبدين يقومون ببيع ثروات شعوبهم في باطن الأرض مقابل تحصيل بعض الفتات من الشركات الغربية الكبرى والتي يرتبط أكثرها بإسرائيل، وتناسى هؤلاء أنهم يضيعون حق الأجيال القادمة في ثروات بلادهم، بل ويرهنون ثروات أمتهم لعدوهم.

ومن الطبيعي أن المستبد يهرع لنصرة أخيه المستبد على رأس البلدان الأخرى، قد ينصره بالمليارات وأحيانا بالمساعدات وأحيانا بإنشاء قنوات فضائية لتدافع عن هذا المستبد، والمضحك أن تلك الفضائيات تستخدم شعارات براقة عن التنوير والليبرالية والتقدمية وحقوق الإنسان والحريات والديمقراطية!  

يبحث المستبد دائما عن الإعلام ، فهو يدرك أنه وسيلة السيطرة على الشعوب، سواء تقدمت هذه الشعوب أو تخلفت، ولكن كلما كانت هذه الشعوب تعاني من الجهل والأمية الدينية والثقافية، كلما استطاع هذا المستبد أن يتحكم بها ويسوقها كالقطعان عن طريق شبكات من القنوات الفضائية وإذاعات الراديو، وبالطبع لا ينسى هذا المستبد ومن يدور في فلكه في زمن السماوات المفتوحة، أن يقوم بشيطنة القنوات الأخرى التي تفضح سلوكياته وسياساته الكارثية الاستبدادية والظلامية، وأحيانا قد يقوم بالتشويش عليها، وهو ما يعني أن الكثير من المستبدين لازالوا يعيشون في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، لأننا بكل بساطة أصبحنا في عصر الإنترنت والإعلام المفتوح!

يفهم المستبد أو هكذا وسوس له شيطانه، أنه لابد أن يستخدم سياسة الترهيب والرأي الواحد وإلا فإنك كمعارض ستحسب ضمن من يستهدف أمن الوطن ووحدته وسلامة أراضيه، فهو يريد أن يخشاه المجتمع وهذا يكون ناتجا في العادة من عقدة نفسية أو غرور مرضي.   

ينسى هذا المستبد وغيره، أن القوة لا تدوم وأن الظلم مصيره النهاية مهما طال الظلام، فلابد للفجر أن يبزغ، ولابد لنور الصباح أن يضيء هذا الكون بالحرية والكرامة والعدل والمساواة والعيش الكريم، ولكن هذا كله لن يكون إلا إذا غيرنا ما في أنفسنا، وإلا سيدفع الجميع ثمن الاستبداد.