ترجمة وتحرير نون بوست

بالنسبة للمراقب الخارجي، يبدو النقاش حول ما إذا كان على المملكة المتحدة أن تغادر الاتحاد الأوروبي مربكًا، وبصراحة، يبدو الأمر محيرًا للغاية على حد سواء من الداخل أيضًا.

سيتوجه الناخبون إلى صناديق الاقتراع غدًا الخميس، 23 يونيو، لاتخاذ قرار بالغ الأهمية حول ما إذا كان يتعين على بريطانيا الخروج من الاتحاد الأوروبي، ضمن ما أضحى يُسمى باستفتاء خروج بريطانيا، اختصارًا "Brexit"، مع عواقب بعيدة المدى بالنسبة للبلاد، القارة الأوروبية، وحتى على الاقتصاد العالمي.

لا يمكن مبدئيًا التنبؤ بنتائج التصويت لأن نوايا المصوتين لن تتبع الخطوط الحزبية، حيث تنقسم حكومة المحافظين بشكل عميق حول هذه المسألة، مع تأييد رئيس الوزراء ديفيد كاميرون لخيار "البقاء"، وانشقاق بعضًا من أقرب زملائه، بما في ذلك عمدة لندن السابق بوريس جونسون ووزير العدل مايكل غوف، ليقودوا طليعة حملة "المغادرة".

بالمقابل، يؤيد الكثيرون من اليسار البريطاني مغادرة البلاد للاتحاد الأوروبي، في الوقت الذي صرّح به زعيم حزب العمال، جيريمي كوربين، بدعم فاتر لحملة البقاء، مما قد يخفّض نسبة الإقبال من مجموعة كان يُعتقد أنها دائرة أساسية لحملة "البقاء".

العاطفة، الخطابة، والخوف يحكمون حملة التصويت على كلا الجانبين، ولكن في نهاية المطاف، يمكن اختزال التصويت في ثلاث قضايا رئيسية هي الآتية:

أولاً: الاقتصاد

الأثر الاقتصادي لاندماج بريطانيا في الاتحاد الأوروبي هي أحد نقاط الحوار الكبرى في حملة "المغادرة"، لكنه يمثل في الواقع أقوى حجة يتمسك بها معسكر "البقاء"، حيث تطرح مجموعة مؤلفة من كبار الاقتصاديين والمحللين في وزارة المالية البريطانية، صندوق النقد الدولي، منظمة التعاون والتنمية، ومعهد الدراسات المالية، من بين غيرها من المؤسسات، رأيًا صريحًا بأن مغادرة بريطانيا للاتحاد الأوروبي ستضر بالاقتصاد البريطاني، وعلى الرغم من اختلافهم بدرجة الضرر المحتمل من المغادرة، إلا أن هذا الحقيقة تبدو واضحة.

لكن لماذا؟ السبب الأول هو التجارة؛ فحصة الصادرات البريطانية التي تذهب إلى الاتحاد الأوروبي أكبر من التي تستقبلها، ومغادرة كتلة التجارة الحرة للاتحاد الأوروبي سيضع جزءًا كبيرًا من هذه السلع والخدمات في خطر، سواء من حيث فرض الرسوم الجمركية أو غيرها من العوائق عليها، حيث لا يبدو القادة الأوروبيون حريصون على عقد صفقات ودية مع بريطانيا بعد خروجها من الاتحاد الأوروبي؛ فابتداءًا من البنوك وحتى شركات صناعة السيارات، تقول العديد من الشركات متعددة الجنسيات بأن خروج بريطانيا من شأنه أن يضع الوظائف في خطر محدق.

بالتزامن مع ذلك، تحركت الأسواق بالتوازي مع استطلاعات الرأي، حيث ارتفعت قيمة الجنيه والسندات والأسهم عندما أظهرت الاستطلاعات احتمالية التصويت للبقاء، وبالعكس، انخفضت عندما بدت احتماليات المغادرة أكثر ترجيحًا، كما فقدت الأموال البريطانية خُمس قيمتها، حيث سقطت بما يقارب 300  مليار دولار مقارنة مع العام الماضي، ووجد استطلاع حديث للاقتصاديين بأن معظمهم يعتقدون بأن الجنيه سيهبط مقابل الدولار بعد خروج بريطانيا إلى مستويات لم يشهدها منذ 30 عامًا.

من جهته، هوّن نايجل فاراج، القيادي في حزب الاستقلال البريطاني، من شأن الركود المحتمل في الجنيه الاسترليني، قائلًا: "وما الذي سيحصل إذا حدث ذلك؟"، حيث يبدو واضحًا بأن المعسكر المؤيد لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي اعتبر توقعات الخبراء القاتمة بأنها ترويج لـ"ذعر" لا طائل منه، كما أنه وعلى الرغم من كل التحذيرات، ارتفعت نسبة الأشخاص الذين يقولون بأن أوضاعهم المالية لن تتأثر بخروج بريطانيا بمواجهة أولئك الذين يعتقدون بأنها الخروج سيؤثر عليهم.

ثانيًا: الهجرة

تنافست قضية الهجرة مع قضية الاقتصاد باعتبارها القضية الأكثر أهمية للناخبين بالاستفتاء؛ فأولئك الذين يعارضون الهجرة يميلون للتصويت للخروج من الاتحاد الأوروبي، حيث تصف الحملة الرسمية المؤيدة لخروج بريطانيا قوانين الهجرة في الاتحاد الأوروبي بأنها "غير أخلاقية، مكلفة، وخارجة عن نطاق السيطرة".

ولكن ما السبب في ذلك؟ جنبًا إلى جنب مع حرية حركة السلع والخدمات عبر الحدود، يوفر قانون الاتحاد الأوروبي حرية مواطني الاتحاد الأوروبي في العيش والعمل في أي دولة من الدول الأعضاء، ومع توسع الاتحاد إلى البلدان الأكثر فقرًا في الشرق الأوروبي، اجتذب الاقتصاد البريطاني المزدهر نسبيًا عددًا كبيرًا من المهاجرين من أماكن مثل بولندا و دول البلطيق ورومانيا وبلغاريا، حيث يأتي أكثر من 40% من المهاجرين إلى المملكة المتحدة من الأعضاء الجدد في الاتحاد الأوروبي بحثًا عن عمل ولكن بدون وجود وظيفة في متناول أيديهم عند وصولهم.

صافي الهجرة إلى بريطانيا حيث يمثل الخط الأزرق المهاجرين من خارج الاتحاد الأوروبي والخط الآخر المهاجرين من داخل دول الاتحاد الأوروبي.

يجادل أنصار خروج بريطانيا من الاتحاد الأوربي بأن نظام الهجرة المعتمد حاليًا غير عادل، لأن ذوي المهارات المتدنية من العمال من داخل الاتحاد الأوروبي، والذين لا يتمتعون بأي وظائف، يمكنهم الهجرة بسهولة إلى المملكة المتحدة دون أي عوائق، بينما لا تنطبق ذات هذه الشروط على نظرائهم من خارج الاتحاد الأوروبي، ولكن الأمر الأكثر إثارة للحنق، هو الشعور السائد بين السكان المحليين الذين يشعرون بأنهم يتنافسون مع الوافدين الجدد الذين يستولون على وظائفهم، يخفّضون معدل الأجور، ويستهلكون الخدمات العامة، كل ذلك على حساب المجتمعات المستقرة، والمعضلة، هي أنه إذا كان هؤلاء الوافدين من الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، فلا تملك بريطانيا أي خيار في عدم استقبالهم.

بجميع الأحوال، ورغم كافة الجدل الدائر حول عدم إنصاف قوانين الهجرة، إلا أن أعضاء معسكر المغادرة يبدون في كثير من الأحيان أكثر قلقًا من أعداد اللاجئين وليس من بلدان المصدر التي ينحدرون منها، حيث تمسّك أعضاء هذا المعسكر بتعهد حملة كاميرون في عام 2010 بالحد من صافي أعداد الهجرة السنوية إلى "عشرات الآلاف"، مدعين بأن عضوية الاتحاد الأوروبي هي السبب خلف الفشل في تحقيق ذاك التعهد، رغم أن أرقام الهجرة الصافية لم تكن منخفضة منذ تسعينيات القرن المنصرم كما هي عليه الآن؛ مما يعني بأن تحقيق الهدف يستلزم القيام بتخفيضات جذرية للهجرة من داخل وخارج دول الاتحاد الأوروبي.

ولكن مع ذلك، يشير نحو ثلثي البريطانيين في دراسة أجريت مؤخرًا بأنهم ليسوا على استعداد للتضحية بأي قدر من دخلهم الشخصي مقابل تشديد رقابة الحدود، وهذا الأمر يتناقض بشكل صارخ مع معظم التوقعات لاقتصاد بريطانيا بعد الخروج من الاتحاد الأوروبي؛ فرغم اتهامات إثارة الذعر التي يلقيها أعضاء معسكر المغادرة في وجه معسكر البقاء، يتعرض أعضاء المعسكر الأول أنفسهم لانتقادات حادة جرّاء خطابهم الانقسامي، حيث يروّجون لخطورة الانضمام الوشيك لتركيا إلى الاتحاد الأوروبي (وهو أمر أضحى مستبعدًا حقًا)، فضلًا عن الإعلانات التافهة بضرورة تجنب استقبال اللاجئين من الشرق الأوسط، والتحذيرات السخيفة من شن ذكور المهاجرين لهجمات جنسية جماعية بسبب اختلافهم "الثقافي" عن المجتمع البريطاني.

الجدير بالذكر، بأن مقتل عضو البرلمان البريطاني جو كوكس في 16 يونيو على يد رجل صاح قبل قتلها "الموت للخونة والحرية لبريطانيا"، عمل على التخفيف من حدة الرسائل المناهضة للهجرة ضمن حملة المغادرة، حيث كانت كوكس مدافعة شرسة عن حقوق اللاجئين ومن أشد المؤيدين لبقاء بريطانيا في الاتحاد الأوروبي.

ثالثًا: الهوية

تشير الدراسات بأنه وبالنسبة للناخبين الذين لم يختاروا أي جانب من الجوانب، ستلعب الغريزة دورًا كبيرًا في تحديد أصواتهم؛ فبالنسبة لحوالي ثلث الناخبين الذين لم يحسموا قرارهم بعد، سيلعب عامل الهوية الغريزية دورًا حاسمًا في صناديق الاقتراع.

ولكن لماذا؟ بالنسبة للكثيرين، لم يعد هذا الاستفتاء مسألة تتعلق بما سيحدث لبريطانيا إذا غادرت الاتحاد الأوروبي، بل أضحى جوابًا للسؤال الذي يحدد هوية الناخبين.

يُنظر إلى الأشخاص الذين يؤيدون البقاء في الاتحاد الأوروبي بأنهم عمومًا من الأشخاص الذين يؤمنون بالمجتمع، ويميلون إلى تعريفه على نطاق واسع بأنه مجتمع أوروبا، أو حتى أكثر من ذلك، بأنه مجتمع عالمي؛ فهم يعطون الأولوية لحاجة البلدان للعمل معًا، ويعتقدون بأن التنازل عن قدر معين من السلطة والسيطرة سيسفر عن حرية أكبر سواء في الحركة أو بالتجارة أو بالأفكار، إنهم أشخاص يقدّرون استقلالهم الذاتي، كقدرتهم على العيش في المكان الذي يختارونه، ويرون بأن النتيجة الطبيعية لذلك هي إعطاء ذات الحقوق للأشخاص الآخرين، وبالمحصلة، يخشون بأن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي سيحوّلها إلى قلعة مغلقة.

بالمقابل، يخشى أنصار المغادرة بأن بريطانيا داخل الاتحاد الأوروبي أضحت تفتقر للسيادة والسيطرة على مصيرها؛ فهم يؤمنون بالمجتمع أيضًا، لكنهم يعرّفون هذا المجتمع بأنه مقتصر على أصدقائهم، عائلاتهم، جيرانهم، ومواطني دولتهم، ويعتقدون بأن استرجاع زمام السيطرة على إدارة البلاد هو السبيل الوحيد لتحقيق الأمور المهمة لبريطانيا، كقوة الدولة، حماية الوظائف، وإدارة التجارة؛ فضلًا عن أنهم يقدّرون استقلالهم الذاتي، كقدرتهم على كسب لقمة العيش من عمل يختارونه بحرية، في بلد يشعرون ضمنها بالأمان، ويحاطون فيها بأولئك الذين اعتادوا على تواجدهم معهم.

أخيرًا، يبدو النقاش حول الحقائق والأرقام قبيحاً بما فيه الكفاية، ولكن عندما يصبح مدار الجدل حول أسئلة وجودية تتضمن تحديد الهوية الوطنية تصبح الأمور أشد قبحًا؛ فخلافًا لما حدث في الانتخابات العادية، ستستمر تداعيات هذا الاستفتاء لعقود من الزمن، أو ربما لأجيال قادمة، ومهما كانت نتيجة التصويت غدًا، فإن الحقيقة الوحيدة التي نستطيع أن نجزم بصحتها، هي أن جزءًا كبيرًا من سكان البلاد سيشعرون بالظلم.

المصدر: كوارتز