إستعراض عسكري لمقاتلي تنظيم الدولة

بعد خسارة مدينة تدمر عروس البادية السورية، يوشك تنظيم الدولة الإسلاميّة على فقدان السيطرة على مدينة الفلوجة العراقيّة بعد أن سيطرت القوات العراقيّة مدعومة  بمقاتلي ميليشيات الحشد الشعبي على عدّة أحياء بالمدينة التي أصبحت دمارا وخرابا.

تدمر والفلوجة لم تكونا المدينتين الوحيديتين اللّتين خرجتا عن سلطان "الدولة"، بل سبقتهما مدن أخرى عديدة على غرار بيجي والرمادي وتكريت وسنجار وعين العرب كوباني وعين عيسى وعشرات القرى الأخرى في سوريا والعراق، لكن ورغم كلّ هذه الخسائر المتوقّعة لمن تابع مسار الحرب التي يشنها التحالف الدولي بقياد الولايات المتحدة الأمريكية على التنظيم منذ نحو عامين، إلّا أنّ "الدولة" لا تزال قائمة على الأرض وظاهرة على خرائط مراكز الدراسات العالمية وعلى طاولات أجهزة الإستخبارات العالمية، وذلك بفضل تبعيّة الرقّة والموصل إلى يومنا هذا للتقسيم الجغرافي لدولة "الخلافة".

الناطق الرسمي باسم تنظيم الدولة الإسلامية أبو محمد العدناني في كلمته الأخيرة لطمأنة أنصاره ومتابعيه، كشف أنّ الحرب على التنظيم على أشدّها وأنّ الخسائر حاصلة لا محالة، كما لم يستبعد في الوقت نفسه أن تخسر "الدولة" أراض أخرى، لكن المفاجئة الكبرى التي أعلن عنها العدناني هي إمكانيّة فقدان تنظيم الدولة لكلّ أراضيه وعودة مقاتليه إلى الصحاري والبراري مثلما كان الوضع قبل 3 سنوات وقبل أن يقمع نوري المالكي اعتصامات أهل السنّة المنادين بالإصلاح بالرصاص الحي.

تحالفان دوليان يقودان المعركة على "الدولة" في الوقت الراهن، فالولايات المتحدة الأمريكية رفقة أكثر من ستّين دولة شكّلت تحالفا عسكريّا يقصف جوّا ويدعم برّا على غرار قوات سوريا الديمقراطيّة الّتي يقودها الأكراد، كما أنّ روسيا الّتي تكنّ للجهاديين الّذين مرّغوا أنفها في أفغانستان والشيشان بغضا كبيرا هي الأخرى دخلت أرض النزال عبر إعلانها عن تشكيل تحالف أحاديّ ينسّق بمفرده لقصف الجماعات "الإرهابية" داخل الأراضي السورية.

القصف جوّي الّذي لم يتوقّف يوما، أوقع آلاف القتلى والجرحى من مقاتلي تنظيم الدولة وفق إحصائيات التحالف الّتي لم ينكر بعضها التنظيم عبر وسائل إعلامه الرسميّة، بالإضافة إلى الحملات العسكريّة البرّية الكبيرة، لم يكونا حاسمين في تغيير موازين القوى على الأرض رغم مساهمتهما الجبارة في تغيير الخارطة الديمغرافيّة لكلّ من العراق وسوريا، حيث أنّ تنظيم الدولة الّذي يبدو جريحا خلال الأشهر الأخيرة، استطاع الصمود في أكثر من جبهة في العراق وسوريا، فمقاتلوه إلى الآن يطبقون الحصار على محافظة دير الزور ومناطق متفرّقة من الريف الحلبي إضافة إلى القتال المستمرّ " بينه وبين الميليشيات الكرديّة المدعومة أمريكيا على حدود عاصمته السوريّة "الرقة.

أمّا عراقيّا، فرغم خسارة مدينتي بيجي والرمادي إلّا أنّ الإشتباكات عادت مجدّدا إلى داخل المدينتين في الأيام الأخيرة، حيث شنّ مقاتلو التنظيم هجمات مباغتة وسيطروا على أحياء في كلّ من بيجي والرمادي وذلك في إطار تشتيت تركيز القوات العراقية والميليشيات الشيعية المتواجدة في الفلوجة،.

ومن جهة أخرى، تمكّنت "الدولة" في شهر مايو الماضي، من اختراق الحزام الأمني للعاصمة بغداد وشنّت هجمات مروّعة راح ضحيّتها مئات القتلى والجرحى، وبحسب خبراء، كانت هجمات بغداد الأكبر في تاريخ عراق حيدر العبادي، كما كانت الأكثر فتكا بالحشد الشعبي منذ تشكيله وفق ما ذكرت تقارير إعلاميّة.

"إنّ الشعار الّذي رفعه تنظيم الدولة "باقية وتتمدّد" مهدّد وواقعي في نفس الوقت"، فهو مهدّد لأنّ التمدّد متوقّف والخسائر متعدّدة وكبيرة خلال الأشهر الأخيرة، وواقعي لأنّ البقاء حاصل مادامت محافظتي "الرقة" و"الموصل" واقعتان تحت سيطرة "الخلافة"

الحرب الحقيقيّة على تنظيم "الدولة الإسلاميّة" مازالت لم تبدأ بعد، فالمعارك لا تزال بعيدة عن عاصمتي "الخلافة" في كلّ من سوريا والعراق، فالموصل وفق ما يؤكّد ذلك مسؤولون أمريكيون ومراقبون لن يتمّ تحريرها في 2016، والرقّة ورغم الحملة الإعلاميّة الكبيرة الأخيرة والّتي تدّعي أنّ الميليشيات الكرديّة والقوات السورية يقاتلون على حدود المدينة، مازالت هي الأخرى بعيدة عن خطّ المواجهة الساخنة، وهو ما يدفعنا إلى القول "إنّ الشعار الّذي رفعه تنظيم الدولة "باقية وتتمدّد" مهدّد وواقعي في نفس الوقت"، فهو مهدّد لأنّ التمدّد متوقّف والخسائر متعدّدة وكبيرة خلال الأشهر الأخيرة، وواقعي لأنّ البقاء حاصل مادامت محافظتي "الرقة" و"الموصل" واقعتان تحت سيطرة "الخلافة".

في النهاية، فإنّ الدارس والمتأمّل في الحروب وتاريخها ومساراتها، سيتأكّد بما لا يدع مجالا للشكّ أنّ الحرب على تنظيم الدولة لن تنتهي قريبا، خاصّة وأنّنا أمام انسداد الطرق السلمية لحل الأزمة السورية وتتالي الفتن السياسية والطائفيّة في العراق، بالإضافة إلى الوضع العامّ الّذي تمرّ به المنطقة العربيّة بأسرها، لكن كلّ هذا وغيره سيدفعنا إلى التساؤل في نهاية المطاف، من المستفيد من كلّ هذه الحروب وكلّ هذا الدمار والتخريب في المنطقة؟