كنا في يناير من العام الماضي، أثناء مراحل الانتخابات البرلمانية التي صعدت بالإخوان المسلمين كقوة أولى في مصر، عندما طلب مني أحد مساعديه أن نلتقي سويا في أحد فنادق القاهرة، رحبت بمقابلته، فقد كنت أعرف القليل عن الرجل ما يجعلني أهتم للغاية بأن أقابله. وقبل أن ننهي ذلك العشاء كنت قد أدركت مع أي شخص أتحدث، كان ذلك هو الثعلب العجوز .. مارتن إنديك

تذكرت لقاءنا عندما قرأت صباح اليوم خبر تعيينه مبعوثا للسلام في الشرق الأوسط، فإنديك الذي عمل سفيرا للولايات المتحدة في إسرائيل كان من أهم العارفين ببواطن الأمور فيما يتعلق بالشرق الأوسط وتحديدا بالقضية الفلسطينية. عمل كذلك مستشارا لبيل كلينتون لشؤون الشرق الأوسط. ويشغل كذلك منصب مدير قسم السياسة الخارجية بمعهد بروكنجز للأبحاث.

خبر تعيين إنديك ليس خبرا سارا، فتعيينه يلقي بشكل أو بآخر الضوء على أن الولايات المتحدة تتعامل الآن مع الربيع العربي على أنه خبر كان، فمسيرة إنديك المهنية الداعمة لإسرائيل والتي بدأها بعمله في بداية ثمانينيات القرن الماضي كنائب لمدير الأبحاث في مجموعة من أهم مجموعات اللوبي الإسرائيلي في الولايات المتحدة (آيباك)، ولم ينهها بعمله في أحد أكثر مراكز الأبحاث الأمريكية  محافظة (معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى)، تلك المسيرة لا تدل إلا على أن الولايات المتحدة تدرك تماما من هو الشخص المناسب للمرحلة: الدبلوماسي "الإسرائيلي" عدو الإسلام السياسي..

مسيرة إنديك المهنية ليست هي أسوأ ما في سجله الحافل (!) فمارتن إنديك الذي ولد في استراليا عام ١٩٥١ يفخر في حوار سابق بمسيرته التي بدأت كمتطوع في أحد الكيبوتزات الإسرائيلية وقت حرب ١٩٧٣، من المهم لي شخصيا أن أقول أنني لم أكن أعلم أن إنديك قد خدم في أحد المستعمرات الاسرائيلية عندما قبلت أن أقابله.

الاختيار الأمريكي لإنديك يثبت بما لا يدع مجالا للشك أن إدارة أوباما ترسل الشخص المفضل لدى إسرائيل، فعلى الرغم من أن إنديك هو أول سفير أمريكي يتم إسقاط تراخيصه الأمنية وسحبها منه في تحقيق استمر لأشهر بتهم تتعلق بإفشاء معلومات بالغة السرية للإسرائيليين، إلا أنه يعود من جديد متصدرا للمشهد
وجود إنديك ممثلا للإدارة الأمريكية يعني من ضمن ما يعني أن الإدارة الأمريكية في اتجاهها لتجاهل حركة المقاومة الإسلامية حماس من المعادلة، فعقب الانقلاب في مصر، تبدو ملامح المعركة القادمة أوضح، المعركة التي من المخطط لها أن تنهك المقاومة الفلسطينية وحركات التحرر الوطني في غزة، مع القضاء على ظهيرها المصري ممثلا في الإخوان المسلمين، وعندها ستعود المياة لمجاريها كما كانت من قبل، ليس فقط من قبل الربيع العربي في نهاية ٢٠١٠، ولكن ربما من قبل فوز حماس بانتخابات المجلس التشريعي مع بدايات ٢٠٠٦.

التوجه الأمريكي يبدو متسقا للغاية مع تراجع الإسلاميين بفعل الانقلاب وبفعل المال النفطي القادم من الخليج، فتراجع الاسلاميين سيقابله تراجع لحركة المقاومة الإسلامية خاصة مع الإغلاق شبه الكامل لمعبر رفح ومحاولة تتبع جميع الأنفاق التي تعد شريان الحياة -حقا لا مجازا- لقطاع غزة. ومع تراجع حماس سيبرز من جديد دور منظمة التحرير الفلسطينية التي ستعطي سرابا جديدا للمواطن الفلسطيني الذي ربما يرى في انتكاسة الربيع العربي ضربة قاسية لمشروع المقاومة.

فعلى الرغم من أن الإخوان المسلمين على مدار عام من حكم مرسي لم يستطيعوا أن يقدموا ما كانت تطمح إليه المقاومة الفلسطينية، بل ولم يستطيعوا تقديم ما توقع أفرادهم أن يقدموه، إلا أن سقوطهم بفعل الانقلاب العسكري سيؤدي بالقطع لعودة الانحيازات القديمة لنظام مبارك، والتي لم يكن من ضمنها الانحياز للقضية الفلسطينية أو لحقوق الشعب الفلسطيني

يبقى أن أقول أنني في حواري مع إنديك في بدايات ٢٠١٢ كنت أحاول الترويج لفكرة أن القلق من وجود الإخوان في السلطة هو عبث! لأن الإخوان سيدفعون حركات المقاومة الإسلامية للاطمئنان وربما إبداء مرونة أكبر في المحادثات غير المباشرة مع إسرائيل، لذلك يجب عليكم السعي لدمج الإخوان ودمج حماس أيضا في العملية السياسية والبدء في حوار مباشر معها. عندها ابتسم مارتن إنديك وهو يقول: لتعترف حماس بإسرائيل وعندها سيمكننا الجلوس للحوار.