في ذلك اليوم العصيب من تاريخ الوطن كنت أكتب على صفحتي باشمئزاز كيف أنني رأيت الرئيس الراحل جمال عبد الناصر بفشله ومكره وتلونه في خطاب الانقلاب المصري علي الرئيس المدني المنتخب، في نفس الليلة كانت شهيدة مجزرة رابعة أسماء صقر رحمها الله  تبكي، كأنها استطاعت بقلبها أن تبصر بحور الدماء التي ستغرق الوطن عبر هذا الخطاب، تابع العالم ما حدث الليلة الماضية في تركيا، تابعه أحرار مصر وأنفاسهم محبوسة وقد انهار سد الذكريات التي عندما نسترجعها ونقارنها برد فعل الشعب التركي السريع ورئيسه ندرك كم كنا مغيبين وكم أضعنا أحبابنا وأضعنا مكتسبات الثورة التي دفعنا ثمنها باهظا.

 الرئيس التركي دخل في اتصال تليفوني مرئي مع إحدي القنوات داعيا الشعب للاحتشاد في الميادين، رئيس مصر المنتخب الدكتور محمد مرسي لم يخبر شعبه بأي شيء لآخر لحظة والناس تحاول تفسير كلماته التي لم تكن في مستوى الكل، كانت تراودني أمنية حقيقية أن أكتب للرئيس خطابا واحدا فقط يلقيه على الشعب كنت أتسائل من الذي يكتب له خطاباته تلك التي يخرج بها على الناس فيزيد الطينه بله، ويصبح مادة دسمه للسخريه في برنامج باسم يوسف وبرامج المعارضة وسمعت أحد المحللين السياسيين يعلّق ساخرا علي خطاباته أنه لو كان أعداؤه من يكتبونها له لما زادوا حرفا، رأينا أمس الشعب التركي علي قلب رجل واحد رفضا للانقلاب العسكري علي بلاده يسير مضاء الوعي بكلمات واضحة من رئيس شريف، حتي المعارضة أخرجت بيانا لرفض ما يحدث، في مصر كانوا أشبه بقطعان الذئاب والضباع ننتظر فشل التجربة الديمقراطية الوليدة بفرحة منقطعة النظير، كل يمني نفسه بالسلطه لم نرى موقفا مشرفا لأي حزب معارض، رأيت نداءات العسكر في الشوارع التركية أمس مطالبة الناس بالعودة لبيوتهم، لكن أحدا لم يخف أو يتراجع احتشد الشعب في الميادين كسرا لحالة حظر التجوال المفروضة، سار الناس علي أرجلهم حتي المطار وسيطروا عليه تعاونت الشرطة مع الشعب في مشهد ملحمي بديع أدمي قلبي وأغبطتهم عليه وأنا أقارنه بحفنة الفشلة الذين اختاروا مساندة الباطل نظير بعض الامتيازات التي تتضمن قتلنا في أقسام الشرطة كل يوم بلا عقاب، استجابت المساجد  لنداء الرئيس وراحت تؤذن قرعا لناقوس الخطر ومطالبة الناس بالنزول للشارع صرخ الناس في وجه الدبابة:

العسكر يرجع لثكناته

رأيت كيف يحمي الناس أصواتهم، كيف يكون الدفاع عن حق الحياة الديمقراطية الحرة، في مصر كانت تجربة الانقلاب تلعب علي جهل الناس وكرههم لكل ما هو إسلامي، وفقرهم واستعدادهم لفعل أي شيء بحفنه قليله من المال، جيل تربي علي أفلام عادل إمام الذي يخرج فيها ارهابيا بلحيته وثوبه، نحن قوم صنع فكرهم التلفزيون العربي الذي أسسه اليهود، في بلادي حتي لو سمع الناس ان المسجد الأقصي قد سقط في يد الصهاينة لن نسمع المساجد تؤذن لأجله، رأينا الشعب التركي والذي لا ينطق بالعربيه يكّبر في الشوارع طلبا للنصر، كيف يكون دين الله عقيدة حية وكيف يكون وهما نتشدق به كمسلمين وخطبة عصماء في مساجد يغلقونها كالحدائق العامة عقب إنتهاء الوقت المحدد، لم تنم تركيا مساء أمس، ليلة كانت شجرة الحرية تتوق فيها لأن تروي من دماء الشعب، هناك خسائر في الأرواح ومواجهات وقعت لكنها كانت قليلة جدا بالمقارنة بما رأيناه في انقلاب مصر العسكري ولازلنا نراه، هؤلاء الناس حاصروا الدبابة، منعوها وتحدوا العساكر، عرفوا تماما كيف أن وجودهم خطر يهدد حياتهم ، كيف يحكم جندي بالسلاح في حين أن واجبه الوحيد حماية حدود الوطن، وكان منطقيا في الصباح أن نسمع عن اعتقال اكثر من ألف وخمسمائة فرد شاركوا في التخطيط للانقلاب.

آخر خبر تابعته أمس بعد منتصف الليل كان خروج مدينه غازي عنتاب على بكرة أبيها للشوارع، ومراسل الجزيرة يؤكد خلو المدينة من أي دبابة أو تواجد أمني، لقد رأيت مناطق كاملة في مصر لم تطأها قدم الثورة، لم تتأثر بما كان يحدث في التحرير، لم تتفاعل بأكثر من متابعة قنوات ماسبيروا الكاذبة والسخرية مما يحدث أو إدعاء أنها لا تراه، الناس تتظاهر بأن ما يجري في الميادين لا يمسها لهذا لم يشعروا بأي شيء و لم يشارك أحد، مدينة غازي عنتاب استجابت لنداء الرئيس ونزلت للشوارع رغم أن الانقلاب لم يمر بجوارها لكن لأن ما يمس البلاد يمس قلوب الناس في كل جزء فيها، هذا ما كان ينقص ثورة الياسمين في مصر، المقولة الشهيرة متحدين نقف متفرقين نسقط رأيتها أمس تتجلي كالشمس في ساعات قليلة مرت بها البلاد بمحاولة انقلاب فاشلة، كان هذا الخبر الأخير الذي جعلني اذهب للنوم مطمئنة لن ينجح انقلاب تكّبر لإسقاطه المساجد، وتندفع لصده الصدور العارية للشعب، رحم الله شهداء تركيا مساء أمس، لم تكن الحرية رخيصة الثمن في أي وقت ولكنها استحقت كل قطرة دماء، تحول المشهد من الغضب إلى الفخر والاحتفال في شوارعهم، استيقظ العالم ليرى الشعب الذي لم ينم لكنه خط سطرا من ذهب في صفحات تاريخه.

متى نرى استفادة الشعب المصري من تجربة تركيا، متى سيخرج الناس من بيوتهم ولا يعودوا إلا بالنصر أو الشهادة؟ هل سننتظر ثلاثين عاما أخرى من الحكم العسكري حتى ينزل الناس للشوارع؟ لماذا رغم الغضب الذي أراه يغلي في مرجل الوطن لا نجد الناس على قلب رجل واحد لاسقاط الانقلاب العسكري؟ نحن لا نقل عددا ولا حبا للوطن عن هؤلاء، فأي معجزة ننتظرها لتجعل كل مواطن متورط في قضية الثورة، قالها أردوغان فخرا منذ سنوات أنه انتزع الفساد وحاربه في كل مؤسسات الدولة، هل الفساد هو ما يجعل الثورة في بلادنا على الانقلاب مستحيلة؟ هل الخوف من الموت بالرغم من أن الناس تعيش  بعد الانقلاب حياة أسوأ من الموت نفسه، ليست تركيا وحدها من لم تنم أمس بل كل حر وكل مظلوم في بلادي رفع عينه للسماء ونادى يقينا في رحمته بلغت اصداء ما يحدث إلى المعتقلات وصلتني رسالة من الداخل تقول: قفي لله في صلاة واحمديه حفظ لنا الحلم الباقي في تركيا وحفظ أحبتنا منهم ومنا.