تتسارع تطورات المشهد التركي بالتزامن مع إجراءات الحكومة التركية المنتخبة بعد محاولة الانقلاب الفاشلة التي وقعت مساء الجمعة الماضية، ما بين اعتقالات لعسكريين ومدنيين وتحقيقات دائرة وإقالات من كافة مؤسسات الدولة على خلفية اتهامات بالتورط في المحاولة الانقلابية الفاشلة أو بالانتماء إلى الكيان الموازي الذي تتهمه السلطات التركية بالوقوف خلف تحركات مجموعات من الجيش مخرًا ضد الحكومة المنتخبة ديقراطيًا.

بدأت قيادة الأركان التركية في فتح تحقيق موسع فيما حدث من تحركات انقلابية، بعد توقيف ما يزيد عن 10 آلاف عسكري، وضع غيرهم على قوائم الملاحقة، بينهم ما يزيد عن 100 جنرال من الرتب العليا، وهو ما يُشير إلى عمق هذه المحاولة، وتنفذ المتورطين فيها داخل الجيش التركي.

مخاوف من انقلاب جديد

وهو ما يُثير تخوف القيادة التركية الحالية حيث يخشى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في تصريحاته من إمكانية وقوع محاولة انقلابية جديدة على خلفية تسريب معلومات عن وجود بعض التمرد العسكري من جيوب انقلابية هاربة لا زالت تطاردها الحكومة، لذا طلب أردوغان من الشعب البقاء في الميادين حتى يتمكنوا من إفشال هذه المخططات تمامًا، مشيرًا إلى إن أي تحركات قادمة لن تكون سهلة لأنهم بحسب تصريحاتهم أصبحو "أكثر جاهزية وحذرًا".

وتابع أردوغان خلال المقابلة التي أجريت بالقصر الرئاسي في أنقرة الذي استهدف خلال محاولة الانقلاب: "من الواضح تمامًا أنه كانت هناك فجوات وأوجه قصور كبيرة في معلوماتنا.. لا جدوى من محاولة إخفاء ذلك أو نفيه. قلت ذلك لرئيس المخابرات الوطنية".

وأشار أردوغان إلى مواصلة الحكومة التركية تنظيف مؤسسات الدولة من أتباع "الكيان الموازي" التابع لفتح الله غولن بشكل سريع، مبينا أنَ قرار إعلان حالة الطوارئ الذي أوصى به مجلس الأمن القومي بدأ سريانه عقب إقراره من قبل البرلمان التركي أمس الخميس، وأن الحكومة ستحترم الحريات وستراعي الحقوق الأساسية.

إجراءات المواجهة: إعادة هيكلة الجيش والأجهزة الأمنية

في وسط هذه المخاوف تعمل حكومة العدالة والتنمية على اقتناص الفرصة الحالية لفرض السيطرة المدنية التامة على المؤسسات الأمنية والعسكرية وتدارك الأخطاء التي أدت إلى وقوع هذه المحاولة الانقلابية الفاشلة.

يُشير الرئيس التركي أردوغان  إلى أن اجتماعًا للمجلس العسكري الأعلى، وهي أعلى هيئة تشرف على القوات المسلحة، من المنتظر أن يعقد، في أول أغسطس القادم، للإشراف على إعادة الهيكلة.

فعلى الرغم من بسالة القوات الأمنية الموالية للحكومة المنتخبة في مواجهة المحاولة الانقلابية الفاشلة، ومن بينهم جهاز المخابرات برئاسة هاكان فيدان، الذي يوصف بأنه يد أردوغان القوية، إلا أن الرئيس التركي وجه انتقاداته لجهاز الاستخبارات في يومين متتالين أثناء الحديث عن المحاولة الانقلابية، وكذلك أشار رئيس الوزراء إلى القصور الاستخباراتي، وهو ما يعني أن خطأ ما معروف لدى القيادة التركية.

الرد على هذا الخطأ في ما يبدو كان بقرار تحدثت عنه مصادر تركية يفترض أنه سيعمل على إعادة هيكلة الاستخبارات الوطنية التركية التي تضم أجهزة الأمن الخارجي والداخلي بعد قرار إعادة الهيكلة في العام 2010 الذي قدمه هاكان فيدان لرئيس الوزراء أنذاك رجب طيب أردوغان، والذي بموجبه وضعت الاستخبارات الخارجية والداخلية والجيش تحت قيادة المخابرات العامة التي يترأسها هاكان فيدان.

وعلى ما يبدو أن لحظة الانقلاب قد غيرت من وجهة نظر أردوغان في هذا الأمر، خاصة وأنه كرر انتقاد جهاز الاستخبارات أكثر من مرة مؤخرًا، ما يُشير إلى أن قرارت حاسمة منتظرة بشأن الجهاز مستقبلًا.

وعلى خلفية تورط عدد كبير من الأجهزة ومؤسسات الدولة في هذه المحاولة الانقلابية، تدوالت وسائل إعام تركيا أنباء عن نية الحكومة التركية إلغاء جهاز الدرك "الجندرمة" الأمني، الذي تورط رئيسه في المحاولة الانقلابية الأخيرة، مع إسناد شؤون الأمن الداخلي لأجهزة وزارة الداخلية بشكل كامل.

الجيش على رأس خطط إعادة الهيكلة

وفي مقابلة مع وكالة رويترز قال الرئيس الترطي رجب طيب أردوغان إن الحكومة بصدد وضع هيكل جديد للقوات المسلحة، وضخ دماء جديدة فيها، بعد محاولة الانقلاب الفاشلة التي تعرضت لها تركيا مؤخرًا.

ويؤكد أردوغان أنه سيكون على رأس الجيش قائدًأ عامًا وفقًا للدستور التركي، وأن القوات المسلحة ستكون تحت المحافظين في الولايات، مؤكدا أن زيادة صلاحيات الولاة تأتي من أجل توفير الاستقرار للشعب.

ولم يتحدث أردوغان عن ماهية الهيكلة التي يتحدث عنها حتى الآن، ولكن على ما يبدو أن ما يتحدث عنه سوف يكون له آثار كبيرة على طبيعة تكوين الجيش التركي التاريخية، لذا يربط بعض المحللين بين مسألة إعادة الهيكلة وحالة الطوارئ المفروضة في البلاد، لمواجهة أي تمرد قد ينتج عن إجراءات الحكومة.

وألمح أردوغان إلى أن هناك احتمالية تمديد حالة الطوارئ بعد الأشهر الثلاثة الأولى إذا اقتضت الضرورة، وأوضح أيضًا أن حالة الطوارئ هذه ليست حظرًا للتجول، لكنها لتنظيم شؤون الناس ومواصلة الحياة اليومية، حسب قوله، وما قد يستشف منه أن الحكومة التركية تنتوي خوض معركة طويلة الأجل نسبيًا من أجل حسم النفوذ داخل المؤسسة العسكرية التركية.

بدأت قيادة الأركان التركية في فتح تحقيق موسع فيما حدث من تحركات انقلابية، بعد توقيف ما يزيد عن 10 آلاف عسكري، وضع غيرهم على قوائم الملاحقة

كما يجدر الإشارة هنا إلى أن مسألة إعادة هيكلة القوات المسلحة التركية، ستكون ربما في إطار التوجه السياسي لدى القيادة التركية الحالية لتغيير الدستور التركي، بحيث ستتواءم هذه الهيكلة الجديدة، مع نصوص دستورية تعطي المدنيين سلطة أكبر في الرقابة على الجيش، وإخضاع قياداته للسلطة المنتخبة، ومن ذلك التوسع في إعطاء السلطات للولاة المحليين أمام القواعد العسكرية التي تتواجد في مدنهم.

يُشير الرئيس التركي أردوغان في هذا الصدد إلى أن اجتماعًا للمجلس العسكري الأعلى، وهي أعلى هيئة تشرف على القوات المسلحة، من المنتظر أن يعقد، في أول أغسطس القادم، للإشراف على إعادة الهيكلة.

وأضاف أردوغان "هم جميعًا يعملون معًا بخصوص ما يمكن عمله…وفي غضون فترة زمنية قصيرة جدًا سينبثق هيكل جديد. ومع هذا الهيكل الجديد أعتقد أن القوات المسلحة ستضخ فيها دماء جديدة."

هذه التصريحات تنم عن محاولة إعادة الهيكلة بالاتفاق مع القيادات المتبقية من أثر حملة التطهير الأخيرة، حتى لا تتم بمعزل عن الجيش تمامًا، لأن هذا الأمر هو أحد العقبات الكبرى في التاريخ التركي، حيث اعتاد الجيش على وضع خاص داخل منظومة الحكم، وأي تغييرات في هذا المجال سوف تكون تاريخية إذا نجحت، وكارثية إذا فشلت، فعلى ما يبدو أن أردوغان يريد حسم مسألة العلاقات المدنية العسكرية في تركيا بأسرع وقت ممكن استغلالًا للحظة الحالية.