تحدثت وسائل إعلامية عدة عن إعلان مرتقب خلال أيام لاندماج فصيلين من أحد أكبر الفصائل المسلحة في سوريا في مشروع واحد سيكون على رأسه جبهة أحرار الشام "النصرة سابقًا" التي فكت ارتباطها عن تنظيم القاعدة مؤخرًا، مع حركة أحرار الشام الإسلامية.

إذا ثبتت صحة هذا الاندماج فإنه سيحدث تحولًا كبيرًا في مسار الثورة السورية على مستوى الفصائل المقاتلة للنظام السوري، بعد اندماج أكبرها في كيان واحد، ولكن حتى الآن لا توجد تفاصيل كافية عن ماهية هذا الاندماج.

كان أبو يوسف المهاجر الناطق العسكري باسم حركة أحرار الشام الإسلامية قد أعلن مؤخرًا أن هناك نية لاندماج فصائل مسلحة في مشروع واحد، لكنه لم يفصح عن مزيد من المعلومات، مضيفًا أن هناك جلسات تحضيرية لمناقشة هذا الاندماج.

كذلك الداعية عبدالله المحيسني أكد في تصريحات أنه عما قريب سيقوم بأداء البيعة لفصيل معين لم يسمه، وقد توقع البعض أن يكون مشروع الاندماج هذا هو الفصيل الذي يتحدث عنه المحيسني، وقد أوضح أنه سيدعو جميع عناصر الفصائل الأخرى إلى مبايعة هذا المشروع.

إرهاصات ما قبل الاندماج

كانت حركة أحرار الشام الإسلامية قد عارضت من قبل فكرة الاندماج مع "جبهة النصرة" بشكلها القديم التابع لتنظيم القاعدة، وقد أعطت شرطًا أوليًا بفك هذا الارتباط العابر للحدود.

أحمد عيسى الشيخ الذي كان يقود لواء صقور الشام؛ حتى اندماج اللواء بحركة أحرار الشام في مارس 2015، تحدث في وقت سابق لانفصال النصرة عن القاعدة، مؤكدًا أن تمسك جبهة النصرة بالعمل تحت مظلة تنظيم القاعدة يعيق مبادرة اندماج الفصائل في الشمال السوري، مؤكدًا أنه "ليس الاندماج تحت القاعدة مكسبًا للثورة ولشعبنا".

ولفتت قيادات في أحرار الشام مرارًا إلى وجود مبادرات للتوحد، إحداهما "مبادرة أهل العلم"، والثانية "مبادرة الإخوة في جبهة النصرة".

وقد أكدوا أن مبادرة أبي محمد الجولاني "زعيم جبهة فتح الشام حاليًا" باندماج فصائل الفتح دون فك الارتباط بالقاعدة هي ما توقفوا عنده، ولم يعطوا عليه جوابًا، باعتباره ضررًا على الساحة.

المعارك الأخيرة المشتركة بين الأطراف المدعوة للاندماج أظهرت وبقوة ضرورة هذا التوحد على المستوى الميداني العسكري
 

وأضافوا حينها أن الاندماج تحت راية القاعدة ليس مكسبًا للثورة السورية، في حين لا ينبغي للفصائل في سوريا أن تدعوا غيرها للاجتماع تحت مظلة من الخارج.

ودعت قيادات في حركة أحرار الشام النصرة لفك ارتباطهم بالقاعدة لصيانة ما أسموه "الجهاد الشامي"، ورعاية لمصلحة الثورة، وبعدًا عن التصنيف الذي يريده أعداء الثورة، بعدما أشاروا إلى أن النظام ومنذ الأيام الأولى للثورة أرادها معركة بين نظام وإرهاب، وهم يريدونها معركة بين نظام وشعب.

يشار إلى أن القائمين على مبادرة التوحد هذه شكلوا لجان سابقًا مهمتها التواصل مع قادة الجماعات وعرض تفاصيل المبادرة عليهم، مع وضع شرط أساسي يقضي بفضح الجماعات التي تعطل نجاح المبادرة، وعزلها شعبيًا وإعلاميًا ببيانات واضحة.

وظلت هذه المفاوضات دون نتائج حتى حدث التطور الأبرز في الشهر الماضي بإعلان جبهة النصرة فك الارتباط عن تنظيم القاعدة، والانطلاق الجديد تحت اسم "جبهة فتح الشام".

كذلك المعارك الأخيرة المشتركة بين الأطراف المدعوة للاندماج أظهرت وبقوة ضرورة هذا التوحد على المستوى الميداني العسكري، وتنسيق الفصائل كان على مستوى عالٍ، وبالتالي فإن خطوة الاندماج ستكون فرصة أكبر للتمدد، وستعطي مؤشرات عن توسع مشروع الفصيلين الأكبر حركة أحرار الشام وجبهة فتح الشام.

ولعل هذا الاندماج يُحسب لـ "أحرار الشام" بالدرجة الأولى، وهي التي ستحقق بذلك عدة نقاط، أولها كسب المزيد من السيطرة على مناطق جغرافية أوسع في مناطق مختلفة، ما يصب في زيادة الزخم العسكري للحركة، إضافة إلى المكاسب المشتركة من توسيع الحاضنة الشعبية للفصيلين، ناهيك عن فتح مصادر جديدة لدعم الفصائل، نتيجة لاختلاف الممولين.

عقبات تواجه الاندماج

ولكن ما يواجه هذا الاندماج من أخطار يتمثل في توجهات أقطاب السلفية الجهادية ومنظريها، حيث اتهم المشرف على مبادرة "توحيد فصائل الشمال السوري"، قبل ذلك أيمن هاروش، كلا من المنظرين للتيار السلفي الجهادي في الأردن أبو محمد المقدسي وأبو قتادة الفلسطيني، والباحث الشرعي السعودي موسى الغنامي، بالتسبب بـ "فتنة"، مشيرًا إلى أن "الكثير منها (الفتاوى) مخالف للواقع، وفي ظاهرها تحامل وعداء وظلم مجحف لمن خالفوهم".

كما يشار إلى أن المقدسي يهاجم باستمرار فصائل المعارضة التي لم تحسم موقفها من تحكيم الشريعة، فيما يخصص الغنامي غالبية تغريداته للهجوم على "جبهة النصرة".

كذلك عقبة التنافس ربما تكون حاضرة بعيدًا عن الأيدولوجيا، فحركة أحرار الشام تحديدًا هي أولى الحركات التي كان لها السبق في الاندماج بين الفصائل المسلحة في سوريا، باعتبارها أقوى الكتائب الإسلامية التي نشأت إبان الثورة، وذلك بعد اتحادها مع 4 فصائل إسلامية، وهي كتائب أحرار الشام وحركة الفجر الإسلامية وجماعة الطليعة الإسلامية وكتائب الإيمان المقاتلة، ولها وجود واسع في معظم المدن الخارجة عن سيطرة النظام السوري فيما عدا الرقة معقل تنظيم الدولة الإسلامية "داعش".

هذا الاندماج سيوسع بلا شك نفوذ جماعة أحرار الشام في محافظة إدلب شمال غرب سوريا، على حساب "جبهة النصرة" المنافس لها، المسيطر الفعلى على المنطقة.

كما أن تفاصيل الاندماجات السابقة بين فصائل المعارضة المسلحة غير مبشرة، حيث نجد أنها بقدر السرعة في الاندماج تكون السرعة في الانشقاق والانفصال، ولم يسلم من هذا الأمر تنظيم داعش الذي يعد في الأساس انشقاقًا عن تنظيم القاعدة، كذلك يرى مراقبون عدم وجود رغبة حقيقية لدى كافة الفصائل الجهادية في سوريا للاندماج، وأن ما يحدث هو مجرد حالة وقتية مؤقتة سرعان ما تغيرها الوقائع على الأرض.

الداعية عبدالله المحيسني أكد في تصريحات أنه عما قريب سيقوم بأداء البيعة لفصيل معين لم يسمه، وقد توقع البعض أن يكون مشروع الاندماج هذا هو الفصيل الذي يتحدث عنه المحيسني
 

فيما ينتظر البعض أن يحدث هذا التحول تحت ضغط إقليمي على هذه الفصائل لتحقيق فعالية قتالية أكبر أمام نظام الأسد، وليس اندماجًا أيديولوجيًا كما يتصور البعض، فهذه الجماعات تعرضت لضغوط إقليمية كبيرة بهدف إعلان التوحد، وذلك بعد ظهور "جيش الفتح" المرعي من قبل تركيا.

ويبدو أن الضغوط أخذت أشكالًا مختلفة، لكن أبرزها كان عبر السعي لدمج النصرة مع تنظيم أحرار الشام في السابق من خلال المفاوضات التي جرت بين الفصيلين للاندماج، لكنهم وضعوا شروطًا من الصعب على النصرة تحديدًا تلبيتها في ذلك الوقت، إلا أنه حاليًا يتوقع أن تكون جبهة فتح الشام أكثر قابلية لتحقيق هذه الشروط، وهو ما ستفصح عنه الأيام القادمة.

وحول جدوى هذا الاندماج بين جبهة فتح الشام وحركة أحرار الشام الإسلامية تساءل نون بوست عن كيفية تأثير هذا الاندماج على مجريات الأحداث في سوريا، للمشاركة في الإجابة على هذا التساؤل عبر تويتر