هل ترهن أمريكا 750 مليار دولار للسعودية بدعوى تعويض ضحايا 11 سبتمبر؟

قبل يومين فقط من الذكرى الـ 15 لهجمات 11 سبتمبر التي أشاعت صحف ونواب كونجرس أن مسؤولي السعودية متورطون في دعم مهاجمين فيها، وأثبتت المباحث الفيدرالية ووثائق الهجمات عدم صحة ذلك، أقر مجلس النواب الأمريكي تشريعًا، الجمعة 9 سبتمبر/ أيلول 2016، يسمح لأسر ضحايا هجمات 11 سبتمبر بمقاضاة الحكومة السعودية طلبًا لتعويضات.

وسيتم رفع القانون الآن إلى البيت الأبيض لمصادقة الرئيس باراك أوباما عليه، ويتوقع أن يرفض المصادقة عليه، إذ سبق للبيت الأبيض معارضته للقانون واستخدام حق النقض ضد هذا الإجراء، معتبرًا أن هذا يخالف مبدأ الحصانة السيادية التي تحمي الدول من القضايا المدنية أو الجنائية.

حيث قال المتحدث باسم البيت الأبيض جوش آيرنست في مايو/ أيار الماضي إن هذا القانون – لو صدر - سيغير القانون الدولي المعتمد منذ فترة طويلة المتعلق بالحصانة، ورئيس الولايات المتحدة لديه مخاوف جدية بأن يجعل هذا القانون الولايات المتحدة عرضة لأنظمة قضائية أخرى حول العالم.

ويمكن للكونجرس أن يتغلب على اعتراض (فيتو) الرئيس الأمريكي لمعارضة إصدار هذا القانون، ويمرر القانون بأغلبية الثلثين، فلو صوت ثلثي أعضاء سيمكنهم التغلب على الفيتو الرئاسي.

ويقول الدكتور نايل الشافعي، وهو مهندس مصري أمريكي ومحاضر في الجامعات الأمريكية ومؤسس موسوعة المعرفة، إنه لو تم تمرير هذا القانون سيكون له عواقب هائلة على المنطقة العربية، وسيكون على السعودية لتفادي صدوره تقديم تنازلات هائلة.

ويتوقع أن يكون أول من يرفع الأمريكيون قضايا ضدهم بعد تمرير القانون لو صدر، الأميرة هيفاء بنت الفيصل، زوجة بندر بن سلطان، لمزاعم تمويلها مرتكبي الحادث، وأيضًا بندر بن سلطان.

وعارضت السعودية بشدة مشروع القانون الذي وافق عليه المجلس بعد 4 أشهر من مصادقة مجلس الشيوخ عليه، وهددت بشكل مباشر بسحب أصول وودائع من أمريكا تبلغ 750 مليار دولار، ورد أعضاء متطرفون من الكونجرس بتهديدات بتجميد هذه الودائع.

وكان 15 سعوديًا من 19 شخصًا بينهم مصريين، خطفوا الطائرات التي استخدمت في الاعتداءات في هذا اليوم والتي أوقعت 2973 قتيلاً و24 مفقودًا، وزعم نواب يمينيون متطرفون وجود وثائق تؤكد دعم مسؤولين سعوديين لبعض هؤلاء الخاطفين، إلا أن الكشف عن هذه الوثائق برأ السعودية رسميًا.

هل يستولون على أموال السعودية؟

ويسمح القانون الجديد لعائلات ضحايا اعتداءات 11 سبتمبر/ أيلول رفع قضايا في المحكمة الفيدرالية ضد حكومات أجنبية خصوصًا السعودية، والمطالبة بالتعويض في حال ثبتت مسؤولية هذه الدول عن الهجمات.

بينما القانون القديم - الحالي - لا يسمح لضحايا الإرهاب سوى بمقاضاة الدول التي تصنفها وزارة الخارجية الأمريكية رسميًا دول راعية للإرهاب مثل إيران وسوريا فقط، وليست منها السعودية، التي لم يثبت أيضًا أي ضلوع رسمي لها في الهجمات التي شنها تنظيم القاعدة.

ويري مراقبون أن الهدف من القانون هو "الابتزاز"، ورهن الأموال السعودية في أمريكا على غرار ما حدث مع إيران، رغم استبعاد حدوث هذا بالفعل، إلا أنهم يشيرون لاحتمالات صدور قرارات من محاكم أمريكية بهذا المعني لحين انتهاء التحقيقات، تلغي فعليًا حصانة السعودية في الولايات الأمريكية.

ويقول آخرون إن تصويت الكونجرس بغرفتيه (النواب والشيوخ) بأغلبية ساحقة لمشروع قانون يسمح لضحايا 11 سبتمبر أن يقاضوها، يرهن أموال السعودية في أمريكا، وأنها (السعودية) قد تواجه مصير "لوكيربي" ليبيا بطلب دفع تعويضات باهظة، وربما عقاب مسؤولين.

فمنذ أبريل الماضي 2016، تولي نواب من التيار المسيحي المحافظ المتطرف حملة بقيادة القس جراهام نائب فلوريدا، ضد السعودية، نقلت إلى الصحف تحت عناوين صارخة تقول: "اكشفوا حقائق 11/ 9"، و"افرجوا عن الأوراق الـ 28 من تقرير الكونجرس عن هجمات 11 سبتمبر"، و"ضغوط على قاض أمريكي لرفع السرية عن 80 ألف وثيقة لـ FBI"، و"هل تورطت عائلة ساراسوتا السعودية في اتصالات مع عطا".

وساهم في انتشار الحملة، تصاعد الخلافات السعودية الأمريكية على خلفية "عقيدة أوباما" الجديدة، والتهديدات السعودية ببيع أصولها في أمريكا، قبل أن يزور الرئيس الأمريكي أوباما الرياض لتلطيف الأجواء.

ودار الجدل حول ضرورة رفع السرية التي فرضها الرئيس الأسبق بوش على 28 ورقة من تقرير أعده نواب الكونجرس عام 2002 عن هجمات 11 سبتمبر، قيل إن بها معلومات أمن قومي، وزعم نواب كونجرس أنها تتضمن الربط بين المملكة و11 سبتمبر، بشكل رسمي.

وقد كشف جيم كريندلر أحد محامي ضحايا 11 سبتمبر، أن الهدف هو الحصول على تعويضات ضخمة، برغم أن نواب اطلعوا على الوثائق، قالوا إنها لا تحسم شيئًا بشأن الاتهامات المزعومة الموجهة للسعودية.

وعندما تم الكشف عن الوثائق وثبتت براءة السعودية رسميًا منها، عادوا لنشر ما قالوا إنه 80 ألف وثيقة موجودة لدي مكتب التحقيقات الفيدرالي، عبر موقع "ديلي بيست" الأمريكي، يتعلق أغلبها بما سمي بـ "قضية ساراسواتا".

وهي مدينة على شاطئ فلوريدا كان يقيم في أحد منازلها طالب سعودي "عبد العزيز" وزوجته، سافرا على عجل عقب التفجيرات، وحاول نفس الفريق الأمريكي (نواب كونجرس + محامون) الادعاء بعلاقة لهم مع "محمد عطا"، برغم نفي مكتب التحقيقات الفيدرالي ذلك.

وقد زعم فريق من المحامين والصحفيين الاستقصائيين، أنهم وجدوا ما يقولون إنه "أدلة دامغة" بأن المتهم في هجمات 11 سبتمبر "عطا" زار هذه الأسرة السعودية قبل أن يقود 19 رجلاً للقيام بقتل 3000 شخص، كما يقولون، ويزعمون أن سجلات الهاتف تؤكد اتصالات بين المنزل وأعضاء شاركوا في مؤامرة 11/9.

وفي 12 يونيو/ حزيران 2016 ظهر مدير المخابرات المركزية الأمريكية جون برينان الأحد ليعلن فجأة قرب نشر الـ 28 صفحة سرية من تقرير الكونجرس الأمريكي عن هجمات 11 سبتمبر/ أيلول 2001 ويؤكد أنها "تبرئ السعودية من أي مسؤولية عن هذه الهجمات".

وقال برينان لـ "قناة العربية" التي تملكها السعودية، إن "الجميع سيرى الأدلة بأن الحكومة السعودية لا علاقة لها بالهجمات، وعدم وجود أي ارتباط للحكومة السعودية كدولة أو مؤسسة أو حتى مسؤولين سعوديين كبار باعتداءات الحادي عشر من سبتمبر".

لم تنشر الصفحات الـ 28 نصًا، وكل ما نشر عنها جاء على لسان نواب كونجرس متطرفين وحمل تكهنات أكثر منه حقائق، وبقيت الـ 28 صفحة، سريه لأسباب أمنية تخص الأمن الأمريكي أكثر منها تخص السعودية.

ولكن سماح الكونجرس بقانون جديد يسمح بمقاضاة السعودية، قد يقبله أو يرفضه أوباما، وقد يوافق عليه الرئيس الأمريكي المقبل، ضمن تعهداته الانتخابية لضمان الفوز، يجعل مخاطر هذا القانون تتعدي الابتزاز وطلب التعويضات، إذ يجعل أصول المملكة تحت رحمة القضاء الأمريكي واحتمال الحصول على تأكيدات على الأقل بأن الرياض لن تسحب أصولها أو تلعب بها سياسيًا ضد مصالح واشنطن.

الظواهري يهدد بـ 11 سبتمبر جديد

وتزامن قرار الكونجرس مع تهديد زعيم تنظيم القاعدة أيمن الظواهري في شريط فيديو نشرته حسابات تابعة للتنظيم الجهادي على مواقع التواصل الاجتماعي، الجمعة 9 سبتمبر/ أيلول 2016، الولايات المتحدة بتكرار أحداث 11 سبتمبر/ أيلول "آلاف المرات"، طالما استمرت جرائم أمريكا.

وهو ما يثير تساؤلات: هل هو بيان روتيني تصادف صدوره مع قرار الكونجرس أم أنه مرتب بالتزامن مع قرار الكونجرس لمزيد من الضغط الأمريكي على الرياض.

وفي كل الأحوال فتزامن قرار الكونجرس وبيان الظواهري، أحدث الضرر المطلوب وشجع صحف ونشطاء أمريكان على المطالبة بتمرير البيت الأبيض للقانون ورفع قضايا تعويضات، ما يشكل ضغطًا سياسيًا على المملكة.

وقال الظواهري في شريط فيديو استمر حوالي 20 دقيقة ونشر "بمناسبة مرور 15 سنة على غزوات الحادي عشر من سبتمبر" كما قالوا: "رسالتنا إلى الأمريكان واضحة كالشمس قاطعة كحد السيف"، مضيفًا: "طالما استمرت جرائمكم، ستتكرر أحداث الحادي عشر من سبتمبر آلاف المرات"".

وأشار أن اعتداءات 11 سبتمبر 2001 جاءت نتيجة لجرائم الأمريكيين ضد المسلمين في فلسطين وأفغانستان والعراق والشام ومالي والصومال واليمن والمغرب ومصر، وكذا ذل الأفارقة في الولايات المتحدة، وعدم نيل السود حقوقهم لأن القانون في يد أغلبية البيض.

ويبقي السؤال: هل جاء قرار الكونجرس للضغط على السعودية بعد صك البراءة الأمريكي الرسمي للسعودية بشأن عدم تورطها في 11 سبتمبر؟ أم أنه جاء لضمان مزيد من الضغوط علي المملكة التي هددت بـ "عقيدة سلمان" ردًا على "عقيدة أوباما"؟.

فمن الواضح أن التفاهمات الأمريكية السعودية الأخيرة، وتبرئة إدارة أوباما للرياض من 11 سبتمبر، برغم استمرار الخلافات العميقة، جاءت لتفادي ما أطلق عليه محلل سعودي "عقيدة سلمان" التي أطلقها سعوديون للرد على عقيدة أوباما وتقضي اعتماد السعودية والخليج على أنفسهم، والتخلي عن الحماية الأمريكية، والتي من تداعياتها المتوقعة عدم رعاية الخليج للمصالح الأمريكية في المنطقة، وربما التحول للتحالف مع الروس.

ومن الواضح أيضًا أن قرار الكونجرس جاء في أعقاب هذه التفاهمات السعودية الأمريكية بتجاوز آثار فترة اوباما الضارة على علاقات البلدين، على اعتبار أن المصالح المشتركة هي ما سيبقي لا الرؤساء، والتطمينات السعودية لواشنطن أنها لن تتخذ خطوات تضر الاقتصاد الأمريكي خصوصًا فيما يتعلق بأصولها وأموالها في أمريكا، كي يكون ضمانة أكبر لعدم سحب السعودية أصولها من أمريكا بأي حال من الأحوال ورهنها هناك.

المصدر: إيوان 24