ترجمة وتحرير نون بوست

إن قرار الإعلان عن وقف إطلاق النار، بصفة مؤقتة، في سوريا يعتبر خطوة إيجابية تستحق الترحيب. ولكن لا يجب أن يحجب هذا الترحيب التطورات الخطيرة والجديدة المتمثلة في ظهور محور عسكري روسي إيراني؛ الأمر الذي  يمكن أن يزعزع آمال تحقيق الاستقرار في الشرق الأوسط، ويسمح لروسيا من تحقيق طموحاتها العالمية مستقبلا.

كما أن ملاحظتنا لاتساع التعاون الروسي-الإيراني بدأت منذ الشهر الماضي، عندما استخدمت روسيا قاعدة جوية إيرانية لقصف أهداف عسكرية في سوريا. ورفض مسؤولون أمريكيون هذا الحدث المفاجئ والتكتيكي، في حين صرح  مسؤولون إيرانيون بأن التعامل مع روسيا سيكون في إطار "عملية مكافحة الإرهاب ولن يكون إلا في مناسبة واحدة". 

ولكن، في تعليق له على هذا التعاون، أشار المتحدث الرسمي  باسم وزارة الخارجية الإيرانية أن عبارة "في الوقت الراهن" اقترنت بإعلانه عن "انتهاء هذه العملية" المشتركة، تاركا المجال بوضوح إلى إمكانية تكرار فرص التعاون العسكري بين البلدين.

في الواقع،  تكونت علاقات التعاون الروسي الإيراني سريعا، وذلك لالتقاء المصالح بين الروس الذين  يتنافسون مع الغرب لفرض نفوذ استراتيجي على جميع أنحاء الشرق الأوسط، والمتشددين الإيرانيين الذين يسعون إلى الهيمنة على السياسة المحلية والإقليمية.

في العقود الأخيرة، كانت تمتلك أمريكا فقط، وبعض حلفائها، ترخيصا مطلقا لاستخدام قاعدة عسكرية في إحدى بلدان الشرق الأوسط لمهاجمة أهداف في بلد آخر. إلا أن روسيا صارت تمتلك، اليوم، نفس هذا الامتياز.  وقد سرب بعض القادة الإيرانيون أن القيام بمناورات بحرية إيرانية روسية مشتركة واستخدام روسيا لقواعد بحرية الإيرانية في الخليج العربي، قد يتواصل في المستقبل.

وبالإضافة إلى ذلك، فإن إمكانية نشأة حرب باردة جديدة بين الولايات المتحدة وروسيا، بعيدة كل البعد عن الواقع. وبالرغم من ذلك، فإن أمريكا لديها مصلحة في تنافس روسيا وإيران مع الغرب. فإذا أخذ هذا التحالف شكل جبهة عسكرية مشتركة، فإنه من المرجح أن يضمن، تحول السياسات الإيرانية وتصبح أكثر تعقيدا. كما أنه من الممكن أن يسيطر هذا البلد على السلطة في الشرق الأوسط. أما روسيا المتسلطة، فستنطلق في تحقيق حلمها في استعادة إمبراطورياتها الممتدة على طول حدودها.

 وجدير بالذكر أن روسيا وإيران يتقاسمان شعورا بالاستياء، تجاه إمكانية عرقلة أمريكا لطموحاتهما التوسعية. ولهذا السبب قدمت القوتان الدعم لبعضهما البعض. وتجدر الإشارة إلى أن تعاونهما يعود إلى سنة 1991، أي إلى انهيار الاتحاد السوفياتي، حين تشاركا في إدارة آسيا الوسطى والقوقاز. وخلال هذا الصيف، قام زعيما البلدين بزيارة باكو، عاصمة أذربيجان جنبا إلى جنب، مبينين وحدة تأثيرهما في القوقاز.

وخلال الحرب السورية، تبادلت الدولتان المعلومات الاستخباراتية والتخطيط العسكري المنسق. وكانت روسيا قد زودت إيران بصواريخ سطح-جو متطورة. وقبل فترة وجيزة من تدخل روسيا في سوريا، قبل عام تقريبا، أدى الجنرال قاسم سليماني، قائد قوات الحرس الثوري الإيراني، زيارة إلى موسكو. 

وخلال العامين الماضيين، أعلنت أطراف أميركية وعربية بان الحرس الثوري الإيراني قام بتجميع مقاتلين شيعة ينتمون إلى فصائل مختلفة؛ من أعضاء حزب الله اللبناني ومتطوعين من العراق وإيران وأفغانستان، لتكوين قوة من عشرات الآلاف الناشطين في سوريا. وقد اكتسب هؤلاء المقاتلون خبرات في ساحات المعركة تحت قيادة الحرس الثوري، وقد يساهمون في مواصلة النزاع على الأراضي السورية باعتبارها رصيدا إقليميا متاحا لأي محور روسي إيراني جديد.

لمواجهة هذا المحور، عملت الولايات المتحدة على زيادة مبيعات الأسلحة الأمريكية للمنافسين الإقليميين لإيران، وخاصة إلى المملكة العربية السعودية. إلا أنه ترتبت عن هذا القرار، نتائج عكسية تمثلت في إعطاء المتشددين في إيران سببا آخر لتعزيز العلاقات العسكرية مع روسيا.

ومن ناحية أخرى، لم يكن تصعيد التنافس على التفوق العسكري، سوى أحد السياسات الإستراتيجية. فبعيدا عن الفوز في سوريا، فإن معركة روسيا لمساندة الرئيس السوري، بشار الأسد، تبدو في صورة حرب فاشلة. وبالتالي مثلت هذه الحرب المتواصلة دون انتصار واضح لأي طرف، لا لإيران ولا لروسيا، فرصة لهما لتحقيق نمو  اقتصادي واندماج عالمي تسعا كلاهما إلى الوصول إليه منذ سنوات.

وفضلا عن ذلك، يمنح هذا اللغز امتيازا للسياسة الأمريكية. فإن الحرس الثوري وغيره من المتشددين لا يمثل الأصوات الوحيدة في إيران. كما راهن الرئيس حسن روحاني ووزير خارجيته، محمد جواد ظريف، على تطوير علاقات جديدة مع الغرب، ويبدو أن تحالفا عسكريا روسيا-إيرانيا ضيقا، يمكن أن يعرقل هذا المشروع. 

وعلاوة عن ذلك، فإن الأصوات الإيرانية المعتدلة قلقة من التقارب الأخير مع روسيا، لأنها على علم بالعدوان الامبريالي الروسي الذي هدد الأراضي الإيرانية في القرن التاسع عشر، وفي القرن العشرين أيضا. ويمكن أن تتحول هذه المسألة إلى موضوع خلاف أو حتى مواجهات بين المتشددين والمعتدلين الإيرانيين.

ولحسن الحظ، لازالت المباراة في بدايتها. أولا، يجب على الولايات المتحدة التحرك بشكل أكثر فعالية لإنهاء الحرب في سوريا. وفي هذا الإطار، يمكن أن يكون وقف إطلاق النار مفيدا؛ في حال إصرار الدبلوماسيين الأميركيين على استغلال هذه الهدنة لفتح مناقشات جادة تهدف للوصول إلى تسوية سياسية. 

كما يتوجب عليهم أيضا الضغط على إيران وجيرانها العرب للحد من خصوماتهم الإقليمية، علما وأن هذه التوترات هي التي دفعت إيران إلى التوجه نحو روسيا. وبعيدا عن ذلك، يمكن أن تتحقق هذه الأهداف إذا اقتنع الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، بأن المشاركة في حرب، يبدو أنها ستكون طويلة المدى، وبأن تصعيد التوتر مع الغرب سوف يُبقي هذا البلد بعيدا عن الهدف الذي يتطلع إليه؛ وهو إعادة بناء  اقتصاد متعدد الأبعاد.

وبالمثل، لرفض منطق التعاون مع موسكو، يتعين على  السياسيين الإيرانيين  المعتدلين، الكشف عن النتائج الاقتصادية للاتفاق النووي الذي وقع العام الماضي للرأي العام الإيراني. لذا، يجب على أمريكا توفير مكاسب اقتصادية ملموسة في مقابل التزام إيراني حازم بعدم تحويل أراضيه إلى قواعد أو منافذ  عسكرية متاحة لروسيا.

ودبلوماسيا، وفي إطار ملف النزاع السوري، فإنه يتعين على أمريكا الوفاء بوعودها الاقتصادية بخصوص الاتفاق النووي، كي تعزز موقف أولئك الذين يرون مستقبل إيران مع الغرب، وليس مع الكرملين.

المصدر: نيويورك تايمز