السعودية... رؤية 2030

في الوقت الذي يراود الخليج موجة من الأحلام تحت مسمى "رؤية 2030" أو غيرها من الرؤى البعيدة عن الواقع الذي يعيشه مجلس التعاون الخليجي في الفترة الحالية، يتفاقم العجز بشكل مقلق جدًا، وهو عجز لم تتعود هذه الدول على التعامل معه، الأمر الذي ظهر إما في حزمة من الإجراءات التقشفية أو مجموعة من القروض أو عن طريق السحب من الاحتياطي، وكلها طرق لم تجد حتى الآن ولن تتحقق حلم التنوع الاقتصادي المأمول.

وقبل الحديث عن الواقع، فمن المعلوم أن دول مجلس التعاون الخليجي تسعى لتحويل اقتصادياتها من اقتصاديات قائمة على سلعة واحدة "النفط"، إلى اقتصاديات قائمة على التنوع والقوة، وذلك من خلال إعادة هيكلة الاقتصاد ورفع مستوى مساهمة القطاعات الاقتصادية البديلة في الناتج المحلي، وتحسين كفاءة وفاعلية هذه القطاعات وبخاصة قطاع الصناعات التحويلية.

وبنظرة سريعة على الوضع الحالي نجد أن الأوضاع الاقتصادية للمنطقة بصفه عامة لا تعبر عن أي ملامح للتنوع الاقتصادي الذي تتحدث عنه التقرير صاحبة الرؤى الاقتصادية الوردية، ولا شك أن الجميع يتمنى أن يحدث التنوع بشكل أو بآخر، ولكن الاقتصاد لا يتغير بالتمني ولكن بالعمل الواقعي، والواقع يقول بحسب تقرير صادر عن شركة "كامكو" الكويتية، إن عجز موازنات دول مجلس التعاون الخليجي الست، قد يسجل أكثر من 153 مليار دولار أمريكي في العام 2016.

وذلك بارتفاع  نحو 34 مليار دولار أمريكي، عن العجز المسجل في العام الماضي، والذي بلغ 119 مليار دولار أمريكي، التقرير توقع  استمرار عجز الموازنات على المدى القريب، وأن يتخطى أكثر من 100 مليار دولار أمريكي حتى العام 2021، إضافة إلى تدهور ميزان الحساب الجاري لدول مجلس التعاون الخليجي إلى 6.6% من الناتج المحلي الإجمالي، مقارنة مع أقل من 4.5% العام الماضي.

ليس هذا فقط، فالتقرير توقع أن يتراجع الناتج المحلي الإجمالي لدول الخليج بنسبة 2.2% على أساس سنوي إلى 1.38 تريليون دولار أمريكي في العام الجاري، وهو مستوى أقل من مستويات الخمس سنوات السابقة، ربما يرى البعض أن التقرير به نظرة تشاؤمية، ولكن في الواقع  قد تكون توقعات التقرير متفائلة إلى حد كبير، فالواقع أكثر عجزًا عن ذلك، فقد توقعت وكالة فيتش للتصنيف الائتماني أن يصل إجمالي العجز في موازنات دول الخليج في 2015-2016 إلى 265 مليار دولار.

في الحقيقة لا أظن أن الخليج استوعب صدمة انهيار أسعار النفط حتى الآن، فمجلس التعاون الذي ينتج حاليًا ما يقارب من 18 مليون برميل نفط يوميًا، استيقظ على تراجع الإيرادات النفطية الإجمالية من نحو 735 مليار دولار في  2013، إلى نحو 443 مليار دولار في 2015، وذلك بعدما فقد النفط أكثر من 65% من قيمته، ورغم أن الإيرادات النفطية المسجلة في 2015 والتي تعتبر الأدنى منذ 2010، لكن التوقعات تقول إن 2016، قد تصل بإيرادات الخليج إلى نحو 365 مليار دولار، بحسب تقديرات النقد الدولي.

النفط لايزال عصب الاقتصاد في الخليج

وبعيدًا عن متاهة هذه الأرقام، لم تؤت التدابير التي يراها البعض طموحة ثمارها حتى الآن، بل كانت نتائجها غاية في السلبية على المواطن الخليجي الذي يتحمل الفاتورة وحده، سواء بالإجراءات التقشفيّة والضريبية وخفض الدعم على المواد الأساسية كالمحروقات والمياه والكهرباء والطاقة وغيرها، بالإضافة إلى تخفيض الإنفاق الحكومي بنحو عشرات المليارات من 615 مليار دولار إلى 519 مليار دولار في العام الحالى كما هو متوقع.

ولكن هل يعتبر التقشف تنوعًا اقتصاديًا؟!

في الحقيقة هذا السؤال في غاية الأهمية وهو لا يحتاج فلسفة في الإجابة، بالطبع التقشف ليس له علاقة بالتنوع الاقتصادي، ولكن الأمر يتوقف على التنوع الذي تفهمه الحكومات العربية وهو تنوع مصادر دخل الحكومة وليس الدولة، وفي هذه الحالة يمكن أن يدخل التقشف ضمن أصناف التنوع، وللأسف الدول العربية لا يهمها الازدهار الاقتصادي بقدر ما يشغلها المظهر الاقتصادي وهو ذلك الذي يتعلق بالتصنيف الائتماني وتقارير المؤسسات الدولية التي لا تثمن ولا تغني من جوع، وهذه هي الأزمة التي نعيشها الآن.

التقشف لا يعتبر تنوعًا اقتصاديًا أو ليس هو النوع الذي يحتاجه الخليج وفقط، ولكن التقشف طلب المؤسسات الدولية وعلى رأسها النقد الدولي، والاستجابة تعني المدح والثناء من هذه المؤسسات، والرفض يعني التوقعات والنظرات السلبية وهي ما تخشاه الحكومات العربية أكثر مما تخشى على مواطنيها من الفقر والتقشف.

في الحقيقة لم يلجأ الخليج للتقشف فقط فبحسب تقارير المؤسسات المالية يحتاج مجلس التعاون الى إصدار سندات بنحو 70 مليار دولار في الفترة المقبلة على شكل ديون سيادية للحكومات مقارنة بمتوسط سنوي عند 25 مليار دولار خلال العقد الماضي، كما أنه لجأ أيضًا إلى السحب من الاحتياطات المالية الاستراتيجية التي هي من حق الأجيال القادمة، ولعل أبرز مثال هو الاحتياطات السعودية التي تراجعت من 800 مليار دولار الى نحو 445 مليار دولار في الآونة الأخيرة.

للأسف هذه هي فلسفة التنوع الاقتصادي في القاموس العربي، أما التنوع الناجم عن الصناعة والتجارة والتكنولوجيا مازال حتى الآن مجرد أحلام لم تدخل طور التطبيق، ولكنها أحلام ممكنة التحقيق، إذا أرادت الحكومات العربية ذلك.