مشكلة النفايات المستمرة في لبنان ترمز إلى المأزق السياسي الذي تعيشه البلاد منذ عامين

الاقتصاد اللبناني أشبه بمن يمر بحالة غيبوبة، فقد الإحساس والسيطرة بكل القطاعات الاقتصادية، بل إنه فقد أبسط مقومات الإدارة المحلية وهي النظافة وحل أزمة النفايات في البلاد، حيث لا تزال مشكلة القمامة عالقة لتدلل على الوضع المهين الذي وصل إليه لبنان واقتصادها، والاقتصاد وإن كان لا يزال قائمًا إلا أنه يمر بمراحل فيما لو بقي هكذا ستودي به للتهلكة لا محالة، فليست أزمة النفايات إلا انعكاسًا لأزمات أكبر تمثل الأزمة السياسية والاقتصادية والاجتماعية وحتى الأمنية.

بعض الخبراء وصفوا هذه المرحلة بأنها الأدق منذ استقلال لبنان، فمجمل المؤشرات الاقتصادية تتراجع لتؤذن بانهيار كبير على حد وصفه، ضاعفت تلك المؤشرات من حدة المؤشرات الاجتماعية مثل اتساع دائرة الفقر وتراجع مستوى المعيشة والبطالة والفساد والهجرة وغيرها.

اقتصاد متهاو

أول المؤشرات التي تشير إلى ضعف الاقتصاد اللبناني، العجز الكبير في ميزان المدفوعات الذي بلغ مطلع العام الماضي نحو مليار وربع المليار دولار، ويضاف إليه تراجع حركة الصادرات والتجارة الخارجية وحركة البناء وركود في الاقتصاد، حيث لم تحقق معدلات النمو 2% في السنتيين الماضيتين في أفضل الأحوال، حيث إن الاقتصاد اللبناني منذ الاستقلال يعتمد على معدل النمو لتمويل العجز المالي في الموازنة.

ويعد تنامي الدين العام الإجمالي البالغ قرابة 65 مليار دولار من أخطر الأمور التي تواجه الاقتصاد اللبناني اليوم والدين لا يقاس بحجمه فقط إنما بثقل خدمته، وحال الاقتصاد اللبناني على وضعه هذا غير مؤهل لخدمة الدين العام.

وصل الدين الإجمالي العام في لبنان إلى حدود خطيرة بلغ 65 مليار دولار

فالدين يحتاج إلى توافر عناصر للحد من تناميه والقيام بخدمته ومن أهمها حسن إدارة الدين ومعالجة مستويات الفوائد المترتبة على الدين ومعالجة الوضع الاقتصادي العام وإعادة الثقة إلى مناخ الاستثمار العام في البلاد، وهذه كلها معطلة في لبنان.

تراجع حركة العقار في لبنان بسبب الأزمة التي تمر بها البلاد

ومن جملة المؤشرات الضعيفة في الاقتصاد اللبناني، الاستثمارات الأجنبية والرساميل الأجنبية القادمة من الخارج وخصوصًا من الخليج ومن المغتربين اللبنانيين، فالمغترب اللبناني بسبب ما يمر به لبنان لم يعد ينجذب لشراء العقارات ما ساهم في انخفاض الطلب على البيوت والعقارات وزيادة العرض فانكفأت شركات العقار عن البناء وانخفضت المبيعات كثيرًا وبالتالي تزايدت البطالة في القطاع؛ مما شكل النقطة الأساسية في الركود الاقتصادي بحسب أحد الخبراء.

كما شكلت انخفاضات الصادرات الزراعية والصناعية ضربة قوية للاقتصاد جراء إغلاق المعابر اللبنانية السورية والعكس، بسبب الأزمة السورية ما زاد من تكلفة التصدير من لبنان، في حين كانت الأزمة السياسية في البلاد هي المؤثر الأقوى على الاقتصاد، فالمأزق السياسي الحاصل في البلاد بين الأطراف المتصارعة أبقى البلاد بلا رئيس منذ قرابة سنتين ومنع الحكومة من اتخاذ قرارات حاسمة في العديد من القضايا، ما أدى إلى نفور المستثمر الأجنبي والمحلي عن الاستثمار وامتناع اللبنانيين عن الإنفاق وتوقفت المشاريع الكبيرة وقلصت العديد من فروعها وأعمالها وخفضت من عدد العاملين عندها.

الاستقرار السياسي والأمني في لبنان يشكل أحد أركان النشاط الاقتصادي فيه وانعدامه يقلص من ذلك النشاط حتى ينعدم، فالمبيعات العقارية تراجعت في العام الماضي إلى نحو 15% في حين أن هذا القطاع كان ينمو سنويًا بنسبة 22%.

منذ العام 2006 لا توجد موازنة عامة في لبنان وهذا يعني أن النفقات والإيرادات تتم وفق تقديرات وحسابات غير دقيقة، يقدر الدين العام الداخلي بنحو 42.5 مليار دولار، أما الدين الخارجي فيناهز 27 مليار دولار وكلا الدينين يزدادان سنويًا، حيث بلغت نسبة الدين العام الإجمالي على الناتج المحلي الإجمالي الـ 127%، علمًا أن الناتج المحلي يبلغ قرابة 50 مليار دولار.

مؤسسة الكهرباء تسجل عجزًا سنويًا وصل إلى حدود ملياري دولار، بينما كانت المؤسسة في الماضي تحقق أرباحًا وعجز مؤسسة الكهرباء يتجه ليشكل نحو 50% من عجز الموازنة العامة.

اللاجئون السوريون في لبنان

منذ اندلاع الأزمة السورية هرب نحو ثلث مواطني سوريا منها جراء الحرب باتجاه البلدان المحيطة بها، حيث تشير البيانات أن ما يقرب من 4 مليون لاجئ لجأوا في كل من الأردن وتركيا ولبنان بينما يقدر عدد النازحين داخل البلاد بنحو 6.5 مليون شخص.

في لبنان تجاوز عدد اللاجئين السوريين حاجز المليون شخص، حيث تقدر الحكومة اللبنانية عددهم بمليون ونصف لاجئ، وعليه فإن لبنان أصبحت البلد الأكثر كثافة في العالم من حيث عدد اللاجئين مقارنة بعدد سكانه، حيث شكل اللاجئون ربع عدد السكان في لبنان البالغ 4.5 مليون نسمة.

أكثر من 250 ألف طفل سوري محروم من التعليم في لبنان

يعاني اللاجئون في لبنان من مشاكل كثيرة لم تستطع الدولة اللبنانية حلها حتى الآن، حيث يعيش اللاجئون في مساكن مهترئة وقديمة أو في مخيمات لا تقي ساكنيها برد الشتاء ولا حر الصيف، فضلاً عن نقص إمدادات المواد الغذائية والمساعدات الإغاثية.

ومن يعيش خارج المخيمات يكتوي بغلاء المعيشة وقلة العمل، فيضطر الأولاد لترك مدارسهم للمساعدة في إعالة أهاليهم، حيث تشير التقارير أن عدد الأطفال المسربين من المدارس يبلغ ربع مليون طفل يعيشون وكبرون في لبنان بدون تعليم، يكافحون الحياة مع أهاليهم لتأمين لقمة العيش لا أكثر، علمًا أن هؤلاء الأطفال لا يستطيعون التعايش مع اللبنانين ضمن هذه الظروف الصعبة ولا يشاركون في الاقتصاد اللبناني، ودائمًا يتذرع لبنان بالحاجة إلى مساعدات مالية أكثر للقيام بمسؤوليته اتجاه اللاجئين، وقد حصل لبنان على ما يقرب من 3.5 مليار دولار منذ العام 2012 كدعم من المانحين الدوليين لمساعدة اللاجئين السوريين.

ظروف اللاجئين المأساوية والتي لم تعر الدولة اللبنانية لها الكثير من الاهتمام - كما لم تعر للاستنزاف الحاصل في الاقتصاد اللبناني - دفعت بالكثير منهم لتحمل أعباء ومخاطر الهجرة إلى أوروبا بحثًا عن موطن آمن لهم ولأولادهم، حيث تشير الإحصائيات أن ما يقرب من مليون سوري لجأ إلى الدول الأوروبية من مناطق لجوئهم في بلدان جوار سوريا، بسبب انعدام أي مستقبل لهم في دول جوار سوريا وخاصة لبنان.