1912-1990

لم يخطر يومًا للبدو الصوماليين، وهم يملؤن أوعيتهم من ذلك الزيت اللزج، الذي يخرج من باطن أرضهم، ليعالجوا به إبلهم من الجرب، أو وهم يمرّون بأراضي أشعلتها الصواقع، أن تلك المادة اللزجة والنفّاذة الرائحة، ستحرّك العالم من حولهم، بل وستحدد مصائر الشعوب، ومسار الأحداث الكبرى على سطح البسيطة.
وقد يكون شعورهم المتوارث والراسخ بعدم الثقة بالرجل الأوروبي، واستماتتهم في الحدّ من تحرّكه على أرضهم، تحت طائلة التهديد المباشر لحياته، فور أن يغادر المدن الساحلية، هو ما جعلهم لا يعيرون أي اهتمام، لما ساقه المغامرون الغربيون، من وجود دلائل دامغة على ثروات معدنية وغيرها، في الأرض الصومالية منذ البداية، وصولًا إلى ما قبل الحرب العالمية الأولى، وتحديدًا سنة 1912م، حين أعلنت سلطة المحمية البريطانية في الصومال، عن اكتشاف تسربّات طبيعية زيتية “نزّ” من تركيب صخري، ليس بعيدًا عن (بربرة) عاصمة المحمية آن ذاك.

إلّا أن اندلاع الحرب العالمية الأولى، أجّل أيّ نية بريطانية للبدء بخطوات الاستكشاف، خاصة أن الصوماليين في المناطق المستقلة، قد كانوا طرفًا مباشرًا في الحرب، كحلفاء للدولة العثمانية والألمان والنمساويين، يقودهم في ذلك السيد (محمد عبدالله حسن)، إلّا أنه سرعان ما بدأت أعمال الحفر وانتشال العينات للتحليل، فصدر تقرير حول حقل المذكور بمارس من سنة 1918م، وفي سنة 1920م انتهت الحرب الصومالية ضد التحالف الغربي “بريطانيا وإيطاليا والحبشة بدعم فرنسي”، بهزيمة الثورة الصومالية ومقتل قائدها.

ومع تأكد الدلائل على وجود خامي النفظ والغاز، في مناطق متعددة شمال البلاد وجنوبها وشرقها وغربها، بدأت أعمال البحث والاستكشاف، وتتسارع وتيرة التنافس الإيطالي-البريطاني، على تحقيق السبق في ذلك المجال، فيرفع الباحث الجيولوجي الإيطالي (جويسيبي ستيفاني) تقريره للحكومة الإيطالية سنة 1925، ويخرج المجلس الوطني للبحوث في إيطاليا تقريرًا مرفقًا بخريطة جيولوجية للمستعمرة الإيطالية في الصومال بعد ذلك بثمان سنوات، و يصدر مكتب قرطاسية جلالته ـ الملك جورج الخامس ـ سنة 1935، كتابًا للباحث الجيولوجي البريطاني (ماكفادين  W. A. Macfadyen) تحت عنوان جيولوجيا ومستحاثات الصومال البريطاني Geology and Palaeontology of British Somaliland، ويحتدم التنافس الإيطالي البريطاني رغم الحرب العالمية الثانية، بل ويمتد إلى ما بعدها، فيقدم (ميغليوريني C.I. Migliorini) لشركة (أجيب للمناجم) الإيطالية (AGIP Mineraria ) دراسات عن الإقليم الصومالي في إثيوبيا سنة 1946، و يصدر الإنجليزي (ديكسي Dixey) في كينيا، تقريرًا حول التركيب الجيولوجي لشمال شرق كينيا ـ الأقليم الصومالي ـ ونهر جوبا  The Jurassic succession of NE Kenya and the Juba River ـ the Jubaland ـ.

وبحلول الخمسينيات يحاول الإنجليز استثمار الهزيمة التي منيت بها إيطاليا، و مقاومة المساعي الأمريكية الحثيثة للحلول محلّها ـ أي بريطانيا ـ،  في مناطق نفوذها التقليدي، يبذل البريطانيون جهودًا كبيرة، في التنقيب والاستكشاف النفطي، متوازيًا ذلك بمحاولات إيطالية خجولة لمجاراة ذلك المسعى، فيتم تأسيس شركة صوماليلاند للتنقيب عن النفط المحدودة البريطانية The Somaliland Oil Exploration Company Ltd، ويصدر  الباحثان أزارولي Azzaroli A و ميرلا Merla G الخريطة الجيولوجية للصومال وإثيوبيا، وتقوم شركة سنكليرSinclair بحفر بئرين تجريبيين جنوب البلاد.

مع بدء العقد السادس من القرن العشرين، يستقل إقليمان صوماليان (البريطاني والإيطالي)، من أصل الأقاليم الخمسة للبلاد، فيتحدان وذلك في 01/07/1960م، وندخل مرحلة جديدة أكثر نشاطًا في مجال الاستكشاف النفطي، إذ تكتمل أعمال الباحثين أزارولي Azzaroli A. و ميرلا Merla G  بإنجاز الخريطة الجيولوجية لشبه الجزيرة الصومالية، ويتم تأسيس شركة (سنكلير الصومال Sinclair Somali Corporation -)، التي تبدأ بأعمال حفر لبضعة عشر بئرًا استكشافية، وتدخل شركة (غلف Gulf ) مجال العمل أيضًا، ويتوالى صدور التقارير المبشّرة بمخزونات نفطية كبيرة.

يدخل الصينيون سنة 1972على خط المنافسة باكرًا، فيصدر فريق الباحثين من الصين الشعبية، تقريرًا عن الصومال تحت عنوان ( المسح الجيولوجي حول الفحم و النفط)، ويصدر الغرب – ممثلًا بإيطاليا – هو الآخر تقريرًا عن (التطور الجيولوجي بجنوب غرب الصومال)، ويجني الصومال ثمار انضمامه إلى منظمة جامعة الدول العربية، فتتسع أفاق التعاون مع الدول الأعضاء، ويتم إنشاء مصفاة للنفط (مصفاة جزيرة)، بالشراكة مع العراق، وتبدأ الصومال بتكرير الخام العراقي، وتصدير فائض الوقود لدول الجوار،حسب الاتفاق الثنائي.

لكن سرعان ما تندلع الحرب بين الصومال وإثيوبيا سنة 1977، نتيجة لتوسع الدعم الصومالي لجبهة تحرير غرب الصومال “أوغادين”، وتدخّل الجيش الصومالي بشكل مباشر في الأعمال الحربية خلف الحدود،  وتسفر الحرب عن هزيمة الصومال على يد دول حلف (وارسو) يقودها الاتحاد السوفييتي، ويتم إجلاء الخبراء الروس، وتصفية الوجود العسكري السوفييتي، وإحلال الأمريكان محلّهم في القاعدة البحرية في الساحل الشمالي بـ(بربرة) .

ومع التغيّر الدراماتيكي في الموقف الصومالي من السياسة الدولية، فكان تحول النظام الصومالي إلى حليف لأمريكا، رغم ما كان يدعيه من تمسّك مبدئي بنهجه “الاشتراكي العلمي”، ما قاد إلى تطورين رئيسيين، أولها تزايد وتيرة أعمال التنقيب، من قِبل شركات غربية، لتطول قائمة الشركات المتعاقدة، لإجراء أعمال البحث والاستكشاف، وتنشيط الأعمال في البلاد التي تم تقسيمها إلى قطاعات تنقيب (Blocks )، غطّت مجمل برّها والرصيف القاري التابع له، أما التطّور الثاني فقد كان فقدان النظام الحاكم، الدعم الذي كان يلقاه من المعسكر الشرقي، خاصة أن الدعم الأمريكي لم يكن بزخم سابقه الاشتراكي، وهو ما عجّل بتآكل قوّة النّظام، وازدياد المعارضة له، بعد تكشّف فشله في إدارة البلاد سياسيًا واقتصاديًا، وتصاعد أعمال القمع والملاحقة للمعارضين، بل واعتماد سياسات التنكيل الجماعي بفئات عريضة من المجتمع.

ولم تبدأ شمس الثمانينيات من القرن العشرين بالغروب، حتى بزغت بوادر مرحلة الصراع المسلّح، الذي سيكون السمة العامة للأحداث في البلاد، على مدار أكثر من عقدين لاحقين، فتنفجر الأوضاع بأحداث (برعو) 1988، مسببة صدمة كبيرة للنظام، ومستزنفة لموارد الدولة الشحيحة، بعد انخراطه ـ أي النظام ـ دون هوادة في قمع التمرّد، الذي قادته (الحركة الوطنية الصومالية ـ SNM)، وتتركز القوة العسكرية للنظام في الشمال الغربي للبلاد، محدثة موجة نزوح جماعي، لم يشهد التاريخ الصومالي مثيلًا لها، نحو الإقليم الصومالي في إثيوبيا، مما جعل المنطقة ساحة حرب مفتوحة، تستهلك كل قدرات البلاد، بل وتطال أعمال التجنيد الإجباري و”الخطف” الاعتباطي للذكور، مواطنين كينيين قدموا للتبضّع في البلدات الحدودية الصومالية،  ومبدّدًا ذلك كل جهود الجنرال الكهل لإحكام قبضته الحديدية، بما يسّر لاحقًا سقوط النظام بهجوم واسع، شنته قوات تحالف الحركات المعارضة المسلحة جنوبًا والممثلة بـ(USC,SSDF) وغيرها، بقيادة عبدالله يوسف الرئيس الأسبق، والجنرال محمد فارَح عيديد ـ على التوالي ـ ، على مركز الحكم في عاصمة البلاد (مقديشو) بعد ثلاث سنوات، ليفّر الجنرال محمد سياد بري إلى كينيا المجاورة، ومنها إلى حيث وافاه الأجل بعد سنوات قصيرة في لاغوس – نيجيريا.

في خضم ذلك لم تغب شركات التنقيب الغربية، عن رصد ما هو حاصل في البلاد، من تفسّخ للنظام وما صارت إليه الأمور في تلك الفترة العصيبة، فتشير تقارير شركة (شيفرون) الأمريكية في الصومال المرفوعة إلى الشركة الأم، إلى أن القوات الحكومية تفتعل التفجيرات في مواقع التنقيب، بدلًا من حمايتها، بغرض الحصول على دعم من الحكومة المركزية، العاجزة عن سداد الرواتب، في حين أن قوات المتمردين ترسل باستمرار رسائل تطمين للشركات العاملة، عبر زيارات سرية لمواقع التنقيب، باعتبار أن النفط ثروة وطنية، يجب الحفاظ عليها وعلى الأعمال المتعلقة بها، وتقديم الضمانات بعد المساس بالمعدات أوالعاملين الأجانب، وأن الهدف النهائي هو عدم تمكين النظام من الاستمرار، ومنعه وضع يده على تلك الثروة.

ومع التدهور السريع والمأساوي للأوضاع، اضطرت شركات التنقيب الأجنبية كلها، إلى إعلان توقّف الأعمال بـ(القوة القاهرة/ force majeure) سنة 1990م، وعلى الرغم من ترحيل معظم الشركات، لكوادرها الفنية الأجنبية والوطنية العاملة في البلاد، إلّا أن شركة (كونوكو/ Conoco) الأمريكية أبقت لنفسها وجودًا ملحوظًا في مقرّها الرئيسي، وهو ما كان له أثر كبير فيما هو قادم من أحداث في جنوب البلاد والعاصمة تحديدًا