يحتوي لبنان على العدد الأكبر من اللاجئين السوريين بالنسبة لحجمه مقارنة بكل الدول المستقبلة للاجئين حول العالم، فلا توجد دولة تستقبل مثل هذا العدد في العالم كله مقارنة بمساحتها الجغرافية الصغيرة، ومواردها الاقتصادية المحدودة، وهذا ما جعل الأصوات المعارضة لتواجد مثل هذا العدد من اللاجئين على الأراضي اللبنانية ترتفع، مشيرة إلى أنه إن لم يتم تقديم الدعم لهذا البلد من أجل استيعاب تلك الأعداد المهولة من اللاجئين، سينهار لبنان قريبًا.

لم يكن لبنان البلد الأكثر استقرارًا ليستقبل الهاربين من الحرب الأهلية السورية، فهو البلد الذي عانى من حرب طائفية دموية دامت منذ عام 1975 وحتى عام 1990، لذا يعتبر تدفق اللاجئين السوريين على لبنان بمثابة تهديد ديموغرافي يراه اللبنانيون، حيث يجده اللبنانيون مهددًا للتوازن الديمغرافي الهش بالفعل في لبنان بين الشيعة والسنة والدروز والمسيحيين، ليجدوا أنفسهم مستعدين لاحتواء عنف متصاعد من سوريا في الجوار.

وجد اللبنانيون أنفسهم في مواجهة دعم عدد كبير من اللاجئين يوازي عدد سكان لبنان الأصليين، بالإضافة إلى تعليم ما يقرب من الـ 400 ألف طفل في مدارس اللاجئين، وهو العدد الذي يفوق بكثير عدد الطلاب اللبنانين أنفسهم في المدارس الحكومية، ورغم وعود الأمم المتحدة بتقديم المليارات من الدولارات دعمًا للحكومة اللبنانية في مواجهة أزمة اللاجئين، إلا أنه وحتى الآن لم تقدم الأمم المتحدة إلا ربع المبالغ الموعودة، ولا تجد المفوضية السامية للاجئين حلًا وسطًا بين قلة الدعم والأعداد المتزايدة من اللاجئين.

لم يتوقف الأمر على التهديدات التي يراها اللبنانيون متمثلة في البنية الأساسية للدولة، أو التعليم، أو الاستقرار الديموغرافي، بل امتدت أزمة اللاجئين لتطول الاقتصاد اللبناني برمته، ففي شهر مارس الماضي، دخلت الحرب السورية عامها السادس على التوالي.

بدأ تدفق اللاجئين على لبنان في عام 2011، ومنذ ذلك الحين، تشير تقارير وزارة المالية والشؤون الاقتصادية اللبنانية بانخفاض معدلات الميزانية العامة بما يعادل 3500 مليون دولار، وذلك بنهاية العام الماضي.

وبحسب تقرير دولي تناول أداء الفنادق ذات فئة الأربع والخمس نجوم في منطقة الشرق الأوسط لعام 2014، تبيّن أن مدينة بيروت حازت على ثالث أدنى نسبة إشغال فنادق بين عواصم المنطقة، وذلك بعد تراجع بنسبة 17.99  في المئة وهو متوسط تعرفة الغرفة؛ وانخفاض في الإيرادات المحقّقة عن كل غرفة بنسبة 24.9 في المئة.

لا يشير معدل النمو الاقتصادي بالتفاؤل هو الآخر، حيث أشار صندوق النقد الدولي في تقاريره السنوية من العام الماضي إلى انخفاض يعادل 0.5% من معدل النمو الاقتصادي في عام 2015، ذلك بالإضافة إلى تقارير البنك الدولي بارتفاع معدلات البطالة في لبنان، نتيجة استبدال العمالة اللبنانية بالعمالة السورية التي تقبل بأجر أقل والعمل لساعات أطول.

على الرغم من الأرقام السلبية السابقة، إلا أن قطاع السياحة كان من أكثر القطاعات التي تأثرت سلبًا من تواجد الأعداد الكبيرة من اللاجئين في لبنان، والذي بلغ حوالي 1.6 مليون لاجئ سوري، وهو أيضًا ما يزيد عن ربع عدد سكان لبنان تقريبًا.

قامت العديد من المحلات في المناطق السياحية بالإغلاق بعد أن أعلنت إفلاسها، كان ذلك في العاصمة بيروت، وبعض من المدن الساحلية التي اعتادت على جذب السياح قبل الأزمة السورية، ولم يكن ذلك إلا بعد تفاقم الأزمة، بطلب دول الخليج من رعاياها عدم الزيارة السياحية للبنان بعد الأزمة السورية.

مجموعة من السائحين الخليجيين في لبنان قبل بداية الأزمة 

يعتمد قطاع السياحة اللبناني على الخليجي بشكل عام، والسعودي بشكل خاص، وبذلك اختلفت السياحة كليًا مع غياب السائح الخليجي، فعلى الرغم من تحول السائحين من أهالي أصحاب البترول إلى السائحين من شمال إفريقيا، مثل مصر، والمغرب، بالإضافة إلى السائحين من دول الجوار كالأردن والعراق، إلا أن القدرة الشرائية للسائح الخليجي لا تقارن بالقدرة الشرائية لأي سائح عربي آخر.

مخطط من وزارة السياحة اللبنانية يوضح عدد السائحين القادمين للبنان قبل وبعد أزمة اللاجئين

يشكل قطاع السياحة 8% من الناتج المحلي، إلا أنه انخفضت هذه النسبة إلى النصف بعد غياب السائح الخليجي لفترات طويلة، بالإضافة إلى تراجع في أعداد السائحين الأجانب نظرًا لقلقهم من الأوضاع الأمنية غير المستقرة في لبنان بعد أزمة اللاجئين.

على الرغم من ارتفاع أسعار السياحة الداخلية بالنسبة للبنانيين، إلا أنهم لا يؤجلون تعويض النقص في السياحة الخارجية، فيقومون بالتنقل كذلك بين المدن اللبنانية ومحاولة تعويض الفارق الضخم الذي أحدثه غياب السائح الخليجي، بالإضافة إلى الأثرياء من السوريين، الذين اتخذوا لبنان مقرًا لهم قبل الحرب، ومن اتخذها منهم ملجأ له ولأعماله بعد هروبه من سوريا، فيقوم هؤلاء بدور محوري في تعويض السياحة اللبنانية، فلديهم قدرة شرائية تكاد تعادل السائح الخليجي، ويقومون باستغلالها في مواسم المصايف في لبنان.

مخطط يوضح عام 2015 كعام انتعاشة طفيفة في قطاع السياحة من خلال السياحة الداخلية

جاء تقرير منذ شهرين على صحيفة بلومبرج في حوار مع وزير السياحة ميشيل فرعون، يقول فيه بأن لبنان يتمتع بالاستقرار الأمني الذي يتفق على وجوده كل الأحزاب، وذلك على الرغم من التهديدات التي يتعرضون إليها من قبل الإرهابيين، وهو ما تتعرض إليه الكثير من المدن الأوروبية كذلك، كما تابع باعترافه بأنهم لن يستقبلوا العديد من السائحين من دول الخليج، إلا أنهم يتوقعون استقبال العديد من السائحين العرب من شمال إفريقيا وكذلك من أوروبا.

شكل عام 2015 انتعاشة حقيقية ولو طفيفة في قطاع السياحة في لبنان رغم الأزمات التي مر بها لمدة أربع سنوات متتالية، فتجاوز عدد السائحين الأوروبيين لأول مرة عدد السائحين العرب في تاريخ السياحة اللبنانية، فكان أغلب السائحين قادمين من فرنسا، تليها ألمانيا، كما شهد تواجد ملحوظ للسائحين الأتراك في ذلك العام، كما كان للعرب حضور واضح باحتلالهم المرتبة الثانية في الجنسية الأكثر زيارة للبنان، إلا أن هذه المرة تباينت الأرقام ما بين دول عربية غير دول الخليج، حيث أثبتت تقارير وزارة السياحة تواجد ملحوظ للمصريين والأردنين بشكل خاص.

مخطط من وزارة السياحة يوضح توزيع السائحين القادمين للبنان عام 2015 بحسب الجنسيات

لطالما اعتاد السوريون قبل الحرب الذهاب في العطلات الأسبوعية للتسوق من المحلات التجارية في لبنان، وعلى الرغم من اتهام أزمة اللاجئين المستمرة من الجانب اللبناني بالتأثير سلبًا على قطاع السياحة، إلا أن المخطط التالي يوضح توزيع نسب الإنفاق والقدرة الشرائية لكل جنسية من جنسيات السائحين القادمين إلى لبنان في عام 2015، ليأخذ السوريون المرتبة الأولى في التصنيف، فبعد غياب السائح الخليجي، استطاع الثري السوري المقيم في لبنان تعويض العجز ولو قليلًا بقدرته الشرائية، التي تتجه غالًا نحو الملابس أو المجوهرات.

يتنبأ مجلس السياحة العالمي بمستقبل مزدهر للسياحة اللبنانية في السنوات المقبلة رغم ما مرت به من كساد في الفترات الماضية، وهو بدوره ما سينعكس على الجانب الاقتصادي والسياسي من البلاد، وسيدعم الاستقرار الأمني، وكذلك الاستقرار الديموغرافي، كما يتنبأ المجلس بازدهار قريب من قطاع السياحة على قطاع الاقتصاد، بحله لمشكلة البطالة، لازلت تلك التنبؤات غير أكيدة، فيمكن للوضع أن يتغير بين يوم وليلة في لبنان بسبب ارتباطها الكبير بالأزمة السورية، بالإضافة إلى علاقتها المضطربة مع دول الخليج.