انتهت في العاصمة القطرية الدوحة وقائع ندوة دراسية نظمها مركز الجزيرة للدراسات بعنوان "التحولات في الحركات الإسلامية"، وكانت قد عُقدت جلساتها على مدار يومين (24-25 سبتمبر)، وشهدت حضورا مهما لقيادات الحركة الإسلامية في المنطقة وأيضا باحثين ومتابعين لها، ومتابعة هذه الجلسات تظهر أن هناك تشكّلا جديدا يحدث في أفكار قطاعات واسعة من قيادات الحركات الإسلامية، وبطبيعة الحال شغلت جماعة الإخوان المسلمين الجانب الأكبر في النقاش باعتبارها الحركة الأهم، وشغلت مصر النقاش الأكبر باعتبار وزنها في محيط المنطقة وما مثّله إخفاق الثورة بها.

كانت كلمة السيد خالد مشعل أحد صور التطور الذي يحدث، إذ تحدث بجرأة عن أخطاء الحركة التي يتولى رئاسة مكتبها السياسي، وركز على خطئهم في تعاملهم مع الانقسام السياسي وظنهم أنهم قادرون على الاستئثار بالسلطة عقب انتخابات 2006، وأخيرا بإعلانه أنه سيكون رئيسا سابقا للمكتب السياسي في الانتخابات القادمة، كما صار هنية رئيسا سابقا للوزراء لحل الأزمة السياسية هناك، إذ لا يصح أن يدعوا غيرهم لعدم الاستئثار بالسلطة وهم يستأثرون بها داخليا أو وطنيا.

بشكل عام كانت هناك فكرتان أساسيتان تم تكرارهما بصورة واضحة، إحداهما فك الارتباط مع التنظيم الدولي للإخوان التي بدأت بعض الحركات الإسلامية فيه فعليا أو أخرى ترغب في الانفصال عن الجماعة الأم في مصر عقب الانتكاسة الحاصلة للثورة المصرية، فلا ترتبط في بلدها بالحالة المصرية، وأيضا نتيجة الانقسام الحاد الحادث بين قيادتها، والفكرة الثانية تعلقت بالتمييز الوظيفي بين العملين الحزبي والدعوي، وهو ما أشار إليه أحد المتحدثين بأن الكُلّيات تجمّع ولا تفرّق، لذا حدث التلاقي بين الحركات الإسلامية المرتبطة بالإخوان المسلمين، ولكن لما انتقلوا إلى التفاصيل حدث التمايز، وهذا التمايز أصبح على مستوى الارتباط العضوي من جهة، والفصل الوظيفي من جهة أخرى، وهو أمر سبقت فيه الحركة الإسلامية بالمغرب بعقدين تقريبا، وأصبح محل تقدير الآن من أغلب الحركات الإسلامية المرتبطة بمدرسة الإخوان بشكل خاص، وربما يكون هذا التوجه أحد أفضل ما يمكن أن تصطلح عليه الحركات الإسلامية الرسمية أو الشعبية، نظرا لتنوع الوظيفتين وحاجة كل منهما للتخصص في مجال الحركة.

ونتج عن ذلك الارتباط غير المحمود تضررعنيف في علاقة المجتمع بالدعاة والدين أيضا في الدول التي أخفقت الحركة الإسلامية في تقديم نجاحات اقتصادية بها من جهة، والتورط في سلوكيات غير أخلاقية من جهة أخرى كممارسات بعض أعضاء حزب النور السلفي، وموقف الحزب من السلطة المصرية الحالية، بخلاف موقف الجماعة الحاكمة قبل الانقلاب ومعها باقي الكتل الإسلامية فيما سمي حينها "بالهيئة الشرعية للحقوق والإصلاح" الذي كان داعما للاستقطاب السياسي والمجتمعي.

إن الاستقطاب الذي ساهمت فيه الحركة الإسلامية مع غيرها من القوى السياسية كشف جانب انعدام المسؤلية لدى قياداتها في إدارة المشهد قبل الانقلاب، ثم استمر انعدام المسؤلية أيضا عقب الانقلاب، مما حدا بأحد الحضور ليقول: أنا أفدي الشرعية بدمي لو كنت فردا، أما إذا كنت مسؤلا فلا بد من التحرك بمسؤلية لأحافظ على حركتي وإنقاذ ما يمكن إنقاذه من التجربة الديمقراطية وبما يراعي كذلك الظرف الدولي والإقليمي.

في المداخلة التي قمت بها ذكرت أن هناك أمرين ينبغي أخذهما في الحسبان عند التعامل مع الحركات الإسلامية أو التنظيمات بشكل عام، لنفهم المنطلقات التي تنشأ بها، أو التحولات التي تطرأ عليها، أولهما -وهو الأكثر تأثيرا- يتعلق بالمناخ المحيط بتشكّل الحركات أو البيئة المحيطة بظروف عملها، فالحالة المصرية مثلا نشأت حركتها في نهاية العشرينيات بأفكار سمحت بانخراط عشرات الآلاف من المصريين في جمعيتها قبل حلّها، وكان ذلك في مناخ ديمقراطي معتدل نسبيا، ثم تحولت تلك الأفكار عقب الاستبداد العسكري في يوليو 1952 والمحنة العنيفة من فكرة تسعى لنشر قيمها وتتوسع أفقيا، لأخرى تهتم بالتوسع الرأسي وتكثير الأنصار، وبعد الثورات تحولت إلى الرغبة في إحكام القبضة الإدارية على المجتمع وهذا حق للجميع لكنه ليس وظيفة تلك الحركات، ومن فكر يقبل الخلافات الفكرية والفقهية، إلى جنوح للتضييق على الاختيار الفقهي والأحادية الفكرية في الفروع وموازاتهابالأصول، ومن فكر يقبل التعدد المذهبي في الدين الواحد إلى آخر يرفض تلك التعددية المذهبية، وتجلّى ذلك في لقاءات البنا مع الشيخ القمي وحتى على المستوى الرسمي صدرت فتوى الشيخ شلتوت الشهيرة.

هذه التحولات حدثت في ظل مناخ الاستبداد واستعار الخلاف السياسي الذي يتدثر برداء الطائفية، والحق أن إيران دولة قومية متطرفة في قوميتها أكثر من كونها تهتم بالمذهب، والسعودية تخشى من النفوذ الإيراني فأذكت خلافها برداء الطائفية، ويصعب ضبط الأفكار مرة أخرى بعيدا عن مناخ النشأة الأولى أو مناخ ما بعد الربيع العربي في بدايته (أي مناخ ديمقراطي)، إذ شهدت الحالة المصرية قبول الجماعة الإسلامية بالانخراط في الدولة بعد صدام مسلح دام لسنوات طويلة، وكذلك دخلت الحركة السلفية في المنافسة السياسية بعد عُمُرٍ في تحريم السياسية والحزبية، ولو كانت التجربة الديمقراطية أخذت مداها وسقطت تلك القوى الإسلامية بالصندوق، لَحَدَثَ تطور آخر في مدركات الحركات الإسلامية، لكن العسكر أبى التطور وغضت الدول الغربية نظرها عن ذبح الديمقراطية.

العامل الثاني متعلق بالسلوك الذاتي للحركة الإسلامية وهو العامل الأهم باعتباره نابعا من الكيان المَعْنيّ، وهو يحتاج إلى أمرين إداريّيْن، وآخر فكري، فالأمران هما التمييز الوظيفي الذي تكرر ذِكْرُه، والآخر مأْسَسَة تلك الحركات بحيث لا تكون الهيئات تابعة لبعضها أو تهيمن الجهة التنفيذية على الجهة الرقابية والتشريعية، وأن يحدث فصل بين تلك الهيئات، ويُسمح بالتظلم من القرارت أمام جهة منفصلة عن جهات الاختصام إلى غير ذلك من صور المأسسة الحقيقية لا الصورية، كما كان يحدث بالانتخابات أو التصويت على قرارات بصورة غير نزيهة، ثم تتحدث الحركة عن كونها قراراتها تصدر بصورة ديمقراطية.

الأمر الفكري هو قبول التعددية، إذ أثبتت التجربة المريرة للحركة الإسلامية المصرية أن قبول الآخر الديني أو السياسي لم يكن أحد قناعاتها، وكذلك الأمر عند الأطراف الأخرى، فالكل يتحمل الوزر السياسي لما جرى في يوليو 2013، وقبول الآخر واستيعابه مفتاح البناء الديمقراطي، دون استبداد الأغلبية أو ابتزاز الأقليات للأغلبية أو الاحتماء بالدبابات.

ما فاتني ذكره في تلك المداخلة أن الحركة الإسلامية تحتاج الآن لتأسيس جديد يتجاوز الإدارة الحالية، ويسعى للاعتناء بالشأن الدعوي والتنموي بشكل أساسي، ولْيتحرك من شاء من أبناء التنظيمات الإسلامية لتأسيس أحزاب تنافس على السلطة وترتقي بمجتمعاتهم دون وجود اتصال بالحركة الدعوية رسمية كانت أو شعبية.

المصدر: عربي ٢١