الناس هذه الأيام يقضون ٧٠٠ مليار دقيقة شهريا على فيسبوك!

هذا الرقم كان قد أُعلن في بحث نُشر قبل أكثر من عام عندما كان عدد مستخدمي فيسبوك حوالي ٧٥٠ مليون شخص، أما الآن فقد بلغ عدد مستخدمي فيسبوك أكثر من مليار و١٩٠ مليون شخص في آخر إحصائية نُشرت في سبتمبر الماضي.

ربما ليس مبالغة القول بأن مستخدمي فيسبوك يقضون أكثر من تريليون دقيقة شهريا متصفحين حساباتهم وصفحات أصدقائهم على الشبكة الاجتماعية الأكبر

لكن هل يخرج الناس بشيء ما -حقيقي- بعد كل ذلك الوقت الذي يقضونه في استخدام الشبكات الاجتماعية؟

الإجابة القصيرة: نعم

الإجابة الطويلة: إن الشبكات الاجتماعية غيرت بشدة من طريقة تعلمنا ومن نظرتنا للأخبار وكيف نحصل عليها، بل وغيرت أيضا من نظرة صناع المعرفة والأخبار، لتدرك ذلك يمكنك أن تعلم أن دائرة المعارف البريطانية أوقفت إصدار نسختها المطبوعة بعد ٢٤٤ عاما من الإصدار المستمر لتعتمد فقط على النسخة الإلكترونية، وأن العديد من الصحف قررت إغلاق أو تقليص محتواها المطبوع مقابل المحتوى المنشور على الانترنت، كما أن نصف الأمريكيين على الأقل يحصلون على الأخبار من على الشبكات الاجتماعية ثلاث مرات على الأقل أسبوعيا.

العديد من الأخبار صيغت بشكل مختلف تماما بعد أن أُدمج فيها عامل الشبكات الاجتماعية، الثورات، وتحديدا في مصر وتونس اعتمدت بشكل رئيسي على الشبكات الاجتماعية، بل إن الانقلاب العسكري في مصر الآن يبدو فزعا للغاية من دمية تخاطب الناس بلغة “غير معتادة” على الإنترنت. 

عندما نقول إن نظرتنا للأخبار تغيرت، فإن هذا يعني أننا لم نعد فقط متلقين سلبيين، بل إن تفاعلنا قد يخلق الخبر نفسه.

على مستوى الأخبار التي تحتل العناوين دوما، صار متلقي الأخبار مستعدا للمشاركة فيها، في مايو ٢٠١١، عندما كتب شخص باكستاني يُدعى صهيب على حسابه على تويتر أنه منزعج للغاية من طائرة هليكوبتر تطير علي ارتفاع منخفض، لم يكن يعلم أنه كان يتحدث عن عملية اغتيال أسامة بن لادن. 

لقد صارت مشاركته في الحدث حدثا في حد ذاتها!

قبل ذلك بعدة أشهر استطاع خبر تعذيب شاب حتى الموت في مصر أن يكون شعارا لصفحة سياسية معارضة قبل أن ينتقل إلى الشارع في تظاهرات دورية ثم في ثورة عارمة.

في ديسمبر الماضي، قامت موظفة أمريكية بكتابة تغريدة على حسابها على تويتر قبل أن تقلع بالطائرة من لندن إلى جنوب إفريقيا، تقول “أنا متجهة إلى إفريقيا، أتمنى ألا أصاب بالإيدز. أنا أمزح، لن أصاب به لأني بيضاء” 

هذه التغريدة حصلت على تفاعل غير مسبوق، وقبل أن تحط طائرة الموظفة الأمريكية في جوهانسبرج، كانت قد فُصلت من عملها، وذُكرت في عدد من أكبر الصحف العالمية، وتحدث عن عنصريتها عشرات الآلاف من مستخدمي الإنترنت حول العالم، بل وصار اسمها “الهاشتاج” الذي تكرر في عدة ساعات أكثر من ١٠٠ ألف مرة

منظمات التوعية ضد الإيدز استخدمت هذه التغريدة للترويج لأنشطتها، بل إن إحدى الشركات التي تقدم خدمة الاتصال بالانترنت على الطائرات استغلت ذلك الحدث وقالت “لذلك ينبغي عليك أن تسافر على طائرات تقدم الانترنت للمسافرين قبل أن تكتب تغريدة غبية” 

قبل عدة أسابيع تحولت مطالبات بعض الشباب من كوسوفو بإضافة دولتهم على فيسبوك إلى حقيقة بعدما قبل فيسبوك إضافة الدولة الوليدة التي لم تعترف بها دول عديدة في العالم بعد. هذا في حد ذاته يُعد خبرا مستقلا، لكنه أيضا يعبر عن أهمية الشبكات في صياغة تعريف الشخص لنفسه.

في أكتوبر الماضي توفي ضابط أمريكي متقاعد، لم يكن لديه أصدقاء ولا أهل، وعندما علم الناس بالخبر، انتشر على الانترنت والشبكات الاجتماعية بشكل فيروسي، وفي ١١ نوفمبر تجمع أكثر من ٣٠٠ شخص لحضور جنازته.

فلسفة الشبكات الاجتماعية التي تعتمد على الفردانية أثرت في سلوك الناس حول العالم، فطريقة التقاط الصور Selfie والتي تعني أن يلتقط الشخص صورته لنفسه، صارت من العلامات التي ميزت العام الماضي، لا سيما بعد الصورة التي انتشرت للرئيس الأمريكي باراك أوباما ورئيس الوزراء البريطاني بالإضافة لرئيسة وزراء الدنمارك. 

بل إن بابا الفاتيكان نفسه اشترك في صورة من هذا النوع مع عدد من المراهقين.

إن نظرتنا للأخبار لم تعد كما كانت، بل إن الشبكات الاجتماعية أثرت في رؤيتنا لأنفسنا، وإدراك الناس لقوتها وقوة الشبكة أصبح شيئا بديهيا لا يمكن إغفاله.