في جولة دبلوماسية جديدة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من مدينة حلب السورية، والتي تعاني من حصار روسي سوري، حولها إلى مدينة أشباح، وسط صمت دولي، وتقاعس عربي، خلّف آلاف الشهداء وعشرات الآلاف من الجرحى والمصابين، في جريمة صُنفت كونها من أبشع جرائم الحرب في العصر الحديث، يلتقي عدد من دبلوماسيي أمريكا وروسيا وإيران والسعودية وقطر في مدينة لوزان السويسرية السبت المقبل، لمناقشة سبل وقف القتال في المدينة الدامية.

يأتي هذا اللقاء بعد أسبوع واحد فقط من إعلان واشنطن تعليق محادثاتها مع موسكو بهذا الشأن، ليضع العديد من علامات الاستفهام حول ما يمكن أن يتمخض عن هذا الاجتماع، لا سيما بعد استمرار ومواصلة القصف الروسي لمناطق تجمع المعارضة السوية شرق مدينة حلب، فهل ينجح هذا اللقاء في إيجاد مخرج للأزمة؟

لوزان.. وعودة أمريكا لحلبة الصراع

من الواضح أن قرار تعليق أمريكا لمباحثاتها مع روسيا بشأن الوضع في سوريا كان قرارًا متسرعًا وخاطئًا، وهو الذي فطنت إليه الإدارة الأمريكية بعد ساعات قليلة من الإعلان عنه، حيث بادر وزير الخارجية الأمريكي جون كيري بالاتصال بنظيره الروسي، للتأكيد على استمرار التشاور بين الجانبين للحيلولة دون تفاقم الوضع في سوريا، وهو ما اعتبره محللون تراجعًا واضحًا في الموقف الأمريكي.

وبعد أسبوع واحد فقط من قرار تعليق المباحثات، ها هي واشنطن تستعيد دورها التفاوضي من جديد حيال الأزمة السورية، لكن هذه المرة باستراتيجية جديدة، تعتمد على تجميع دبلوماسيين من الدول الأطراف في الأزمة، في محاولة للجلوس على مائدة واحدة وطرح كافة المسائل الجدلية العالقة في محاولة لتقريب وجهات النظر للخروج بنتيجة إيجابية وقرار موحد ينقذ عشرات الآلاف من السوريين من القتل والتشريد.

الاجتماع المزمع عقده السبت المقبل في لوزان السويسرية، من المتوقع أن يشارك فيه، كل من روسيا وإيران ممثلان عن الموقف المؤيد لنظام بشار الأسد، والسعودية وقطر بصفتهما المعارضان لاستمرار بشار وحكمه، فضلًا عن تركيا العضو في حلف الأطلسي، والتي تقوم بدور الوسيط فيما بين طرفي النزاع في الوقت الأخير، بعدما كان طرفًا مشاركًا داعمًا للإطاحة ببشار ونظامه، ثم الولايات المتحدة راعية الاجتماع والمنسق العام له.

بعد أسبوع واحد فقط من قرار تعليق المباحثات، ها هي واشنطن تستعيد دورها التفاوضي من جديد حيال الأزمة السورية، لكن هذه المرة بإستراتيجية جديدة، تعتمد على تجميع دبلوماسيين من الدول الأطراف في الأزمة

صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية نقلت عن المتحدث باسم الخارجية الأمريكية جون كيربي، قوله، إن اللقاء يهدف لوقف الأعمال العدائية في كل سوريا، وتحديدًا في حلب، وأيضًا السماح بدخول المساعدات الغذائية الإنسانية، مشيرًا إلى أن هذا اللقاء يمكن أن يقود لاستئناف المحادثات السياسية، مبينًا أن جون كيري سوف يغادر بعد لوزان إلى لندن، لإطلاع وزراء الخارجية في أوروبا على طبيعة ما جرى في لوزان.

حلب وقد تحولت إلى مدينة أشباح جراء القصف الروسي

ليست الأولى.. ولن تكون الأخيرة

التجمع الدبلوماسي بلوزان ليس الأول من نوعه الذي عُقد لبحث آليات الخروج من المأزق السوري، فقد سبقه سلسلة طويلة من اللقاءات والتجمعات، بعضها ثنائي، والآخر إقليمي، والثالث دولي.

وعلى مدار خمس سنوات تقريبًا عقد ما يزيد عن ستة لقاءات دولية، كان أبرزها مؤتمر جنيف في نسخه الثلاثة، إضافة إلى جلسات مجلس الأمن المتكررة والتي فشلت بسبب استخدام حق الفيتو من الجانب الروسي، فضلاً عن اللقاءات الجانبية التي عقد بين الولايات المتحدة وروسيا، أو بين روسيا وتركيا، أو بين تركيا والولايات المتحدة، أو بين السعودية وقطر وتركيا، أو اللقاءات الرباعية بين روسيا وأمريكا وتركيا والسعودية في فيينا وغيرها، ومن ثم باتت مثل هذه اللقاءات عبئًا على كاهل السوريين، حيث أفقدتهم الأمل في مثل هذه اللقاءات التي لا يجني السوريون من ورائها سوى مزيد من القتل والدمار والحصار.

من اجتماعات مؤتمر جنيف 3

غياب بريطانيا وفرنسا

من التساؤلات التي فرضت نفسها بقوة على مائدة النقاش والتباحث بشأن لقاء لوزان هو غياب فرنسا وبريطانيا عنه بالرغم من الدور المحوري لهما في الأزمة منذ بدايتها بصفتهما يمثلان الجانب الأوروبي.

هذا الغياب فرض عدد من علامات الاستفهام لا سيما بعد ارتفاع منسوب التوتر في العلاقات بين روسيا وفرنسا في الأونة الأخيرة وهو ما تجسد في التراشق الإعلامي وتبادل الاتهامات بين الجانبين خلال اجتماع مجلس الأمن الدولي مؤخرًا، وهو ما أعتبره البعض تصعيدًا من نوع خاص قد يقود المنطقة إلى حرب عالمية ثالثة.

الخبراء والمحللون عزوا استبعاد أو غياب لندن وباريس عن لقاء لوزان بأنها خطوة لتجنب الصدام المحتمل بين الأطراف المعنية، مما يسهم في إفشال اللقاء مبكرًا، لا سيما وأن الدول المشاركة في الاجتماع لديها مرونة نسبية في التحاور والنقاش لا سيما الجانب السعودي والقطري، والذي انخفض سقف مطالبه من الإطاحة ببشار الأسد في عملية عسكرية، وتقديمه للمحاكمة، إلى الإطاحة به في عملية سياسية، أو إخراجه من المشهد بصورة مرحلية، وهو تقريبًا نفس الموقف التركي، مما يجعل  فرص الحوار والنقاش وتبادل وجهات النظر أكثر.

أما على الجانب الفرنسي البريطاني فالأمر مختلف نسبيًا، وهو ما دفع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى إلغاء زيارته التي كانت مقررة لباريس في الأول من أكتوبر، بسبب الموقف من سوريا، حيث لا تراجع عن الإطاحة بنظام الأسد بأي صورة، وهو ما أكدته مصادر دبلوماسية من أن لندن وباريس تتزعمان جهودًا بالاتحاد الأوروبي، لفرض المزيد من العقوبات على نظام الأسد وأتباعه، ردًا على الجرائم الوحشية بحق حلب، مشيرين إلى احتمال إضافة مواطنين روس إلى القائمة.

ونقلت وكالة رويترز عن دبلوماسيين أوروبيين، أن العقوبات تهدف إلى الضغط على الأسد باستهداف المزيد من المستفيدين من حكومته، بوسائل منها تجميد أصول زوجات شخصيات بارزة، وربما المساعدة في الدفع باتجاه انتقال سياسي في مرحلة لاحقة.

أما على الجانب الفرنسي البريطاني فالأمر مختلف نسبيًا، وهو مادفع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى إلغاء زيارته التي كانت مقررة لباريس في الأول من أكتوبر، بسبب الموقف من سوريا، حيث لا تراجع عن الإطاحة بنظام الأسد بأي صورة

وقالت مصادر بالحكومة الألمانية، للوكالة، إن برلين منفتحة على  توسيع قائمة الاتحاد الأوروبي الحالية التي تضم السوريين الممنوعين من السفر إلى أوروبا، أو الوصول إلى أموال في بنوك الدول الأعضاء، ونقلت الوكالة عن ثلاثة دبلوماسيين أن معظم حكومات الاتحاد الأوروبي الثماني والعشرين تتحرك باتجاه تأييد المزيد من العقوبات.

ومن الشواهد التي تؤكد مواصلة الحضور البريطاني الفرنسي على الساحة السورية، ما أعلنت عنه الخارجية الأمريكية أمس الأربعاء من أن اجتماعًا دوليًا ثانيًا سيعقد يوم الأحد في لندن لبحث النزاع الدامي في سوريا، بعد يوم من محادثات يجريها وزير الخارجية جون كيري مع وزير خارجية روسيا سيرغي لافروف في سويسرا بحضور دبلوماسيين من المنطقة.

وقال المتحدث باسم الخارجية إن جون كيري سيشارك في الاجتماعين لمناقشة "مقاربة متعددة الأطراف لحل النزاع في سوريا بما في ذلك وقف مستمر لأعمال العنف واستئناف توزيع المساعدات الإنسانية".

مجلس الأمن أثناء التصويت على القرارين الفرنسي والروسي بشأن سوريا

هل ينجح اللقاء في إيجاد مخرج للأزمة؟

في قراءة سريعة لمواقف الدول المشاركة في إجتماع لوزان يمكن القول إن احتمالات الخروج بنتيجة إيجابية ضعيفة للغاية، وسقف أحلام البعض من أن هذا الاجتماع قادر على تحقيق اختراق في الأزمة السورية لا بد وأن يكون منخفضًا بنسبة كبيرة.

فإيران التي ستشارك في اللقاء دعمت - وما زالت - بشار الأسد ونظامه بكل قوة واستماتة، حيث وفرت له العتاد العسكري والنفطي والمالي بصورة لم توفرها لحزب الله في مواجهة الكيان الصهيوني، كما أن موقفها حيال الأزمة يوصف بالمتعنت حيث لا تراجع عن دعم الأسد مهما كلفها الأمر.

وروسيا التي وجدت في دعمها للنظام السوري الحالي فرصة للظهور مجددًا على الساحة الدولية بعد غياب دام طويلاً، وفرض كلمتها في مواجهة القطب الأوحد والخصم الشرس لها أمريكا، لا يمكنها بأية حال أن تتراجع عن هذا الموقف، لاسيما وإن كان المفاوض لها والمعارض في نفس الوقت هي أمريكا صاحبة قرار العقوبات المفروضة على موسكو بسبب أزمتها مع أوكرانيا، ما دفع موسكو لرد الصاع لغريمها التقليدي.

ومما يعزي تضاؤل فرص نجاح هذا التجمع الدبلوماسي أيضًا، مواصلة القوات الروسية قصفها لمناطق شرقي حلب، واستهداف المدارس والمجمعات الطبية، فضلاً عن قوافل الإغاثة الدولية، بالرغم من الإعلان عن نيتها المشاركة في هذا الاجتماع ومع ذلك لم توقف قصفها المستمر ليل نهار على مناطق تجمعات المعارضة والمدنيين في حلب.

روسيا التي وجدت في دعمها للنظام السوري الحالي فرصة للظهور مجددا على الساحة الدولية بعد غياب دام طويلا، لا يمكنها بأية حال أن تتراجع عن هذا الموقف

كذلك لم تحترم روسيا أو إيران أي اتفاقيات بشأن الهدنة في سوريا، ففي الوقت الذي يعلن فيه الجميع وقف القتال في حلب، وإعطاء المحاصرين هدنة للتنقل والتحرك، نجد الطائرات الروسية تغرد منفرة في سماء سوريا بوابل من الصواريخ القانوني منها والمحرم، دون أدنى احترام للمعاهدات والاتفاقيات المبرمة.

ومن هنا يمكن القول أن إيران وروسيا، وهما أبزر الداعمين لنظام الأسد، لا يبدو أنهما على استعداد لتقديم أي تنازل، فهما يسعيان وبكل قوة إلى إجبار المعارضة شرقي حلب على الاستسلام، وتحقيق مكاسب عسكرية ميدانية على أرض المعركة، تساعد في تقوية موقف بشار الأسد ونظامه، ومن ثم يكون النقاش والحوار من منطلق القوة وليس الضعف كما كان في فترات سابقة.

وأيًا كان من روّج للإعلام حول تبنيه الدعوة لعقد لجتماع لوزان، سواء كانت روسيا أو أمريكا، وفي ظل هذه الأجواء الملبدة، هل من الممكن أن يخرج هذا اللقاء بنتائج مرضية للشعب السوري؟ أم أنها ستكون رقمًا في قائمة اللقاءات والاجتماعات الدبلوماسية الدولية لبحث الأزمة السورية دون التوصل إلى نتيجة واحدة؟