في يوليو عام 2009، شهدت قرية "كفر البربري" التابعة لمركز ميت غمر بمحافظة الدقهلية، مصادمات بين مسلمين ومسيحيين، بعد أن شهدت القرية أحداث شغب عقب مقتل شاب مسلم على يد آخر مسيحي بسبب الخلاف على حساب "البقالة"، وفرضت قوات الأمن حظرًا للتجول على أهالي القرية، فيما شهد طريق ميت غمر - ميت القرشي، حالة من النفور الأمني، وتحولت القرى المجاورة لمسرح الحادث - ومنها قريتي -، إلى ثكنات عسكرية، ولأول مرة، نسمع عن اسم مدير الأمن الذي تواجد فورًا في مكان الحادث، وشهدت قريتنا، زيارة لمحافظ الدقهلية، أتذكر أنه حينها، كان اللواء سمير سلام.

عام 2012، أقام التحالف الديمقراطي للانتخابات البرلمانية "تحالف جماعة الإخوان وبعض القوى"، مؤتمرًا شعبيًا جماهيريًا في مدينة ميت غمر، بعد فوز قائمته بالانتخابات في دائرتي ميت غمر وأجا، ولأول مرة شاهدت مؤتمرًا لجماعة الإخوان يُفتتح بالقرآن الكريم، وتتوسطه كلمتين لاثنين من رعاة الكنيستين الإنجيلية والكاثوليكية، التقطت صورة لي مع أحدهم في نهاية المؤتمر، ولا أعلم حتى الآن سبب طلبي لالتقاط هذه الصورة، وأتذكر حينها، أنه كان أحد دعايا الإخوان لأنفسهم في هذه الانتخابات، أن أول مسيحي يدخل برلمان الثورة، دخل على قائمة الاخوان هو أمين إسكندر.

في يوليو عام 2014 طلب عبد الفتاح السيسي، من المصريين النزول لتفويضه، لمحاربة الإرهاب "المحتمل" عشية جمعة التفويض، ارتكبت قوات الجيش والبلطجية المدعومون من السلطة، مجرزةً، عرفت بمجزرة المنصة، بالقرب من ميدان رابعة، قُتل على إثرها أكثر من 82 شهيدًا على الأقل.

مثّل هذا اليوم نقطةً فاصلة، بين طوائف الشعب بعضه ببعضه، ونشرت وسائل إعلام النظام، أغنية "أنتوا شعب وإحنا شعب"، للإعلان عن التفريق بين فصيل شعبي كبير، هم الإسلاميين، وباقي الطوائف المصرية، وأصبحت الطائفية أو التنكيل على أساس الهوية والانتماء هي السمة التي أصبح عليها النظام منذ هذا التاريخ.

قبل ذلك، كان المصريون دائمي التأكيد على وحدة هذا الشعب وتماسكه، وحكايات الهلال والصليب وأن المصريين دائمًا، هم واحد، لا فُرقة بينهم ولا اختلاف، إلا أن عبد الفتاح السيسي بدعوته هذه وانتهاجه هذا النهج، قسّم المصريين إلى طوائف، يستحلون دماء بعضهم البعض، وأضحت سياسة تسليم الأهالي سمة للمصريين، ولا يقدر أحد في مواصلة عامة أو في شارع عام، أن يهمس ببنت شفه معارضة للنظام، لأن الأهالي سيقومون بتسليمه للأمن، وأصبح الجار لا يأمن على نفسه من جيرانه، الذين نسوا العيش والملح والعِشرة وكل هذا الكلام.

تملّكتني هذه القناعة، حينما خرجت عصر يوم مذبحة الفض من ميدان رابعة، وسمعت الزغاريد تطلق من نوافذ شقق مدينة نصر، فرحًا بقتلنا وسفك دمائنا، رغم أننا لم نرتكب أي جريمة، رغم أننا لم نُقدم على إيذاء أيٍ من هؤلاء الذين فرحوا وشمتوا في قتلنا وسحلنا، كانت المباركات بقتلنا تملأ عيون الشعب المصري، الذي توحّش مع دعوات شيطنتنا التي تبناها زبانية الإعلام السيساوي، بالتأكيد، بإيعازٍ من مُشغّليهم، حتى وصل الأمر إلى أن التحريض على قتلنا يملأ شاشات التلفزة ويتسابق أحمد موسى ورفاقه في التحريض علينا لتذهب هيبة الدماء والقتل من نفوس المصريين.

تجاوز الإعلاميون أكثر من هذا، فخرج مصطفى بكري، قُبيل تظاهرات، انتفاضة الشباب المسلم، العام الماضي، ليطالب الجيش والشرطة بالتنحي عن مواجهة التظاهرات وإفساح المجال للشعب، ليقوم "بالواجب ويقطّع الإخوان بسنانه" فتحول الأمر إلى دعوات للاقتتال الشعبي، رأينا أثرها على يد البلطجية المأجورين والمواطنين الشرفاء، الذين تجاوزوا كُل معاني الشرف والمروءة ليقوموا بتسليم المتظاهرات أو من يظهر عليهن السمت الثوري، إلى الشرطة، والسبب، أنهن إخوان.

أيضًا، يستلزم ذلك المشهد، عمامةً لتبرير قتل هذه الفئة الخارجة، فيخرج علي جمعة، مفتي الديار المصرية السابق، ليقول للسيسي، "اضرب في المليان، ناس نتنة ريحتهم وحشة"، ويُرسل إلى المعسكرات، أسامة الأزهري وعمرو خالد، ليقنعوا المجندين، بحِلّية قتل المعارضين، باسم الوطن والواجب.

أحمد الزند، الذي تقلّد المنصب القضائي الأرفع في البلاد، وزيرًا للعدل، ظهر مع إعلامي النظام أحمد موسى، في إحدى الحلقات، في أعقاب إحدى العمليات المسلحة في سيناء، ليقول، إنه لن يكفيه في شهداء الجيش والشرطة، ربعمئة ألف من الإخوان، وليس الإخوان فقط، بل ومن سار مسارهم وجلس معهم وارتبط بعلاقات اجتماعية وأسرية مع الأسر الإخوانية، مطالبًا بمعاقبة الأسر التي يُتهم أبناؤها في قضايا سياسية، أي عدل هذا الذي تقلد منصبه أحمد الزند؟

هذا التحريض الإعلامي والديني واستحلال دم المعارضين، وعدم التورّع في الدماء، صبّ في خلق مناخٍ طائفي عدائي، ضد كُل ما هو إسلامي في المقام الأول، وضد كل ما هو معارض للنظام ولعبد الفتاح السيسي.

وبعيدًا عن القتل الممنهج والانتهاكات الحقوقية بحق المعارضين في مصر، فإن هذه، هي الجريمة الكُبرى لعبد الفتاح السيسي، جريمة إشعال نيران الفتنة بين الشعب، الذي لم يعرف الدماء والعنف من قبل، قام عبد الفتاح السيسي بقطع أواصر المجتمع، وأشعل في قلوب الآلاف ثأرًا من بني جلدتهم، فهذا سلّم جاره للأمن وهذا اعتدى عليه المواطنين الشرفاء، لأنه من الإخوان وهذه طُعنت في شرفها، بجهاد النكاح لأنها اعتصمت في رابعة، وهذا قيل عنه إرهابي، وغيره وغيره.

إحدى القصص التي تم تداولها بعد الانقلاب، أن أحد المنتمين للإخوان، أوقفه كمين للمواطنين الشرفاء والبلطجية، في إحدى المناطق الشعبية بعد الانقلاب، وحينما همّوا بتركه، لأنه لم تتبين إخوانيته، تعرّف عليه أحد المواطنين الشرفاء، وسلّمه للبلطجية، لأنه يعلمه جيدًا، لأن هذا الشخص، كان يسلّم والدة هذا المواطن الشريف، معونةً شهرية من الجماعة.

كم جريمة متشابهة وقعت بهذا الشكل؟ لديّ عشرات القصص المشابهة لهذه الواقعة، تحتاج لمقالاتٍ طويلة، لسردها، بعضها وقع معي شخصيًا، وبعضها الآخر حدث لأصدقاء لي.

فحتى بعد رحيل هذا النظام، من يقوم برأب هذا الصدع الذي وصل عمقه إلى قلوب الآلاف، كيف سيعيش المجتمع متجانسًا مرةً أخرى؟ كيف سيسود التآلف بين ملايين المصريين مرة أخرى؟ هل سيعود المصريون إلى التأكيد مرة أخرى، أنهم واحد؟

إن الثأر لم يعُد ثأرًا مع النظام فقط، بل أصبح ثأرًا شخصيًا، لآلاف المعتقلين وآلاف الأسر من أسر الشهداء، فهذه هي الجريمة الكُبرى لعبدالفتاح السيسي، وما وقع من جرائم أخرى، هي نتيجة وفرع لهذه الجريمة.