كم مرة جلست فيها تتأمل ما أحدثته التقنية الحديثة في حياتنا من تغييرات جذرية؟ لو عاد بنا الزمن عشر سنوات إلى الماضي لما كان للهواتف الذكية وجود في حياتنا، لم تكن لتستطيع متابعة آخر الأخبار أو مواقع التواصل الاجتماعي في أثناء سفرك على الطريق، لما كنت بنقرة زر تستطيع القيام بعمل مكالمة فيديو لأي شخص من أي مكان في العالم.

نعم لقد أحدثت التقنية طفرة كبيرة في حياتنا اليومية لا نستطيع إنكارها ولكن هل من مزيد؟

بدأ الحديث في الآونة الأخيرة يتزايد عن إنترنت الأشياء على أنه المستقبل القريب للتقنية في حياتنا على مدار العشر سنوات القادمة، وعن مدى الطفرة التي سيؤثر بها مباشرة في حياتنا اليومية.

لا يوجد لإنترنت الأشياء تعريف محدد وواضح حتى الآن، ولكن باختصار تستطيع توصيفه بأنه امتلاك كل الأشياء في حياتنا القدرة على التواصل مع بعضها البعض أو مع شبكة الإنترنت لأداء وظائف محددة خاصة بها أو نقل البيانات بين بعضها البعض من خلال بعض المستشعرات الخاصة المرتبطة بها.

وبالفعل بدأت هذه التقنية بالظهور الآن من خلال ساعات اليد الذكية وأجهزة التلفاز الذكية وغيرها ولكن هذه فقط البداية.

وبحسب التقارير المتتابعة من المجلات الاقتصادية المختلفة، فقد ازداد في الآونة الأخيرة تمويل الشركات الناشئة والمشاريع الصغيرة المهتمة بتطوير إنترنت الأشياء في مختلف المجالات.

ويتوقع أن يفوق حجم سوق إنترنت الأشياء بحلول عام 2020 سوق الهواتف المحمولة وسوق أجهزة الحاسب الآلي!

وهذا ببساطة لضخامة عدد الأجهزة المعتمدة على إنترنت الأشياء، حيث يتوقع أن تتحول حياتنا كلها في المستقبل إلى حياة ذكية مرتبطة ببعضها بشكل أو بآخر.

دعني أوضح لك مثالاً بسيطًا لما هو متواجد الآن على أرض الواقع وتستطيع بالفعل شراءه والاستفادة منه كخطوة أولية بسيطة على طريق إنترنت الأشياء.

على سبيل المثال لا الحصر نجد جهاز الأم الحنون وهو جهاز يساعد الأم خصيصًا في متابعة أعمالها المنزلية ومتطلباتها كأم في ظل عصرنا الحالي الذي يتطلب فيه عمل المرأة أكثر من أي وقت مضى للمساهمة في أداء دورها المنوط بها في المجتمع.

فعندما تستيقظ من نومك يقوم الجهاز بتحسس حركتك وتسجيل ميعاد استيقاظك من النوم، وهذا لمراقبة تأثيره على حالتك الصحية التي يراقبها عن كثب ويعد لك تقريرًا يوميًا بها، ثم تتوجه لعمل كوب من القهوة، حيث يعلم الجهاز نوع القهوة المفضل لديك ويقوم بتجهيزها لك بمجرد استيقاظك ويسجل كمية القهوة اللي تناولتها كذلك.

ويذكرك الجهاز بغسل أسنانك كذلك من خلال الفرشاة الذكية ويقوم بحساب وقت غسيل الأسنان ومدى كفاءة تنظيف أسنانك ويبلغك بذلك أيضًا.

ويقوم الجهاز كذلك من خلال المستشعرات الخاصة به بحساب عدد الخطوات اليومية التي قمت بعملها لمراقبة تأثيرها على معدل حرق الدهون لديك وتأثيرها على حالتك الصحية.

وكذلك يقوم الجهاز بمتابعة تناولك لأقراص الدواء الخاصة بك لتذكيرك في حالة نسيانك لها.

وأيضًا يمكن وضع المستشعرات الخاصة بالجهاز في شنطة أطفالك المدرسية لإخبارك بميعاد عودتهم للمنزل وأنت في الخارج عن طريق الإنترنت.

كما يمكن للجهاز قياس درجة حرارة المنزل والرطوبة من خلال المستشعرات الخاصة به ويمكنه التواصل تلقائيًا مع جهاز التكييف في منزلك لتشغيله أو إطفائه تبعًا لدرجات الحرارة والرطوبة بالمنزل لإعطائك أفضل نتيجة دون تدخل منك.

وعندما تكون في السوبر ماركت ونسيت هل هناك ما يكفي من البيض في المنزل اليوم للعشاء، يقوم الجهاز بإخبارك بمكونات الطعام المتبقي بالثلاجة بالاستعانة بمستشعرات أخرى لمساعدتك على شراء المكونات التي تحتاجها.

لكم أن تتخيلوا أن هذا الجهاز موجود بالفعل الآن ويمكنكم شراءه وتجربته، وهذا فقط بداية تجريبية لثورة التقنية القادمة المتمثلة في عالم إنترنت الأشياء.

وما زال لتطبيقات إنترنت الأشياء في الحياة دروبًا لا تنتهي ويتم تسخيرها لخدمة البشرية وتيسير حياتها وتحقيق أقصى إنتاجية ممكنة من مختلف المجالات، فعلى سبيل المثال قامت بالفعل العديد من مزارع الأبقار في الخارج بتثبيت مستشعرات ذكية على كل بقرة لمتابعة حالتها الصحية لتحقيق الاستفادة القصوى من إنتاجياتها للألبان ومتابعة إصابتها والأوبئة المنتشرة لحمايتها منها.

وقامت شركات أخرى بتطوير مصابيح ذكية يتم التحكم بها من خلال هاتفك المحمول والتحكم في شدة الإضاءة بها ولون الإضاءة المنبعث منها كذلك!

ولا يغيب عنا التطور الهائل في عالم السيارات الذكية وذاتية القيادة التي أصبحت تتطور بشكل ملحوظ ويتوقع أن تكون هي السائدة في المستقبل القريب مع انخفاض أسعارها وتوافرها واعتمادها من قبل حكومات الدول المختلفة.

وكما أنه لكل تقنية إيجابيات فبالتأكيد سوف تجد لها بعض السلبيات، وتكمن سلبيات هذه التقنية في اعتمادها على معلومات مرسلة من قبل مستشعرات خاصة مرتبطة بالأجهزة المختلفة ودقة هذه المستشعرات تتفاوت من جهاز لآخر، وكذلك تعتمد على بعض المؤثرات المحيطة بها، فلا يجب أن نأخذ قرارات مصيرية بشكل كامل اعتمادًا فقط على نتيجة هذه المستشعرات، فهي تحتمل نسبة من الخطأ يجب أخذه بعين الاعتبار.

كذلك كلما ازدادت البيانات التقنية المعتمدة على الحوسبة السحابية وشبكة الإنترنت ازدادت فرصة تعرضها للاختراق من قبل مجهولين قد يستطيعوا التحكم في حياتنا وإفسادها من خلال اختراق أنظمة البيوت الذكية المرتبطة بإنترنت الأشياء في المستقبل.

ولكن نأمل أن يتطور قطاع تأمين المعلومات تطورًا يتماشى مع بقية القطاعات كي نتخطى مثل هذه العقبات واستحداث تقنيات مؤمنة بشكل يصعب اختراقها من قبل المخربين.

لقد قامت التقنية بتسهيل الكثير من أمور حياتنا المختلفة بلا شك، وأصبح لا يمكننا بشكل أو بآخر الاستغناء عنها في شتى مجالات حياتنا ويتبقى لنا فقط استخدامها الاستخدام الصحيح وتسخيرها لخدمتنا وراحتنا بما يساهم في تطوير مجتمعاتنا للأفضل.