لم يكن انهيار الدولار أمام الجنيه المصري أمس وأول أمس من قبيل المصادفة، أو العشوائية، كما طرح البعض، وبالرغم من الجدل الذي سببه هذا الانهيار غير المتوقع من 18 جنيهًا للدولار إلى ما يقرب من 11 جنيهًا، إلا أن قرار البنك المركزي المصري هذا الصباح بتحرير سعر صرف الجنيه يفسر حقيقة ما حدث خلال اليومين الماضيين.

قرار تعويم الجنيه كما يطلق إعلاميًا على تحرير سعر الصرف هدف استراتيجي للحكومة المصرية كونه أحد أبرز شروط صندوق النقد الدولي للحصول على القرض المزمع والمقدر قيمته 12 مليار دولار، لذا ما حدث من غموض خلال اليومين الماضيين والحرب النفسية التي مورست على الدولار قد أتت ثمارها بشكل كبير، وهو ما تجسد في ارتفاع قيمة الجنيه بقفزات هائلة في ساعات معدودة.

حملة إعلامية ناجحة

المتابع لمواقع التواصل الاجتماعي خلال اليومين الماضيين، يجد أن السوق السوداء تعرضت لحملة إعلامية قوية سواء من خلال لجان إلكترونية أو من خلال تصريحات الغرفة التجارية، كان لها تأثير قوي في تراجع سعر الدولار أمام الجنيه في السوق.

كما أن المبادرة التي أطلقها اتحاد الغرف التجارية بشأن وقف الاستيراد بالدولار لمدة أسبوعين، فضلاً عن الامتناع عن استيراد السلع الكمالية لعدة أشهر، كان لها أثر بالغ في إرباك السوق السوداء، وهو ما تجسد في تجميد حركة البيع والشراء داخل المصارف، لتصل إلى مادون الـ 1% من متوسط البيع، وسط حالة من الغموض حول مستقبل الدولار، وهو ما ترتب عليه تراجع حاد في سعره غير مرتبط بالحركة العملية للبيع والشراء.

وفي سياق الحملة الإعلامية التي مورست على الدولار بنجاح، طالب هشام عكاشة رئيس البنك الأهلي المصري، المواطنين وعملاء البنوك بعدم المضاربة في الدولار خلال هذه الفترة، قائلاً: "السوق السوداء هشة"، محذرًا المواطنين من المضاربة والتلاعب في الدولار، مضيفًا أن مصرفه رصد ارتفاعًا ملحوظًا في محاولات للتخلص من الدولار عن طريق السحب من الودائع الدولارية للتخلص من العملة الأمريكية بعد أن شهدت انهيارًا ملحوظًا اليوم على مدار الـ48 ساعة الماضية، مشيرًا إلى أن هناك إقبال ملحوظ رصدته شبكة فروع البنك على مستوى الجمهورية لشراء الشهادات الادخارية بالجنيه المصري.

الغموض الذي أصاب السوق السوداء للعملة في مصر لم يدم طويلاً، حيث جاء قرار البنك المركزي بتحرير سعر الصرف ليميط اللثام ويكشف النقاب عما حدث خلال اليومين الماضيين

أما عضو مجلس إدارة شركة ماسترز لتداول الأوراق المالية، محمد عبد الحكيم، ففي تصريحات له أشار إلى أن هناك حالة من الإحجام عن الشراء في السوق السوداء، وذلك بعد وصول السعر إلى تلك المستويات المبالغ فيها والذي بلغ 18جنيهًا للدولار، في الوقت الذي وصل فيه المشترون إلى حالة من التشبع الشرائي، تبعه رغبة في جني الأرباح، ساهمت في صنع كرة جليدية من العروض ظلت تتضخم سريعًا مدفوعة بحالة ذعر من المضاربين الأفراد خوفًا من الخسارة. 

ثم جاءت الشائعات لتلقي حالة من الذعر في نفوس المضاربين فضلاً عن المواطنين ما أدى إلى لجوئهم إلى البيع بأي سعر، ما زاد من المعروض من الدولارات في الوقت الذي أحجم فيه البعض على الشراء خشية المفاجآت التي قد تحملها الساعات القادمة ما أدى إلى هذا التراجع الهائل في سعر العملة الصعبة أمام العملة المحلية.

هذا الغموض الذي أصاب السوق السوداء للعملة في مصر لم يدم طويلاً، حيث جاء قرار البنك المركزي بتحرير سعر الصرف ليميط اللثام ويكشف النقاب عما حدث خلال اليومين الماضيين، وهو ما أكده أحمد الوكيل رئيس اتحاد الغرف التجارية في تصريحات عدة، من أن هذا الوقت هو الظرف المناسب لقرار التعويم ليجيب بمفرده عن عديد من التساؤلات التي فرضت نفسها مؤخرًا.

التعويم.. ماذا يعني؟

بداية فإن التعويم قرار تلجأ إليه الدول الغارقة في مستنقع أزمات اقتصادية طاحنة، أو تكون هناك مقدمات لأزمة مالية كبيرة قد تدفع الدولة إلى الإفلاس، مثل ما حدث في تايلاند عام 1997 كبداية للأزمة المالية الآسيوية الشهيرة آنذاك.

مصطلح التعويم يعني أن يرفع البنك المركزي يده عن تداول العملة بشكل كامل، ليتركها في السوق تتحرك وفق قانون العرض والطلب دون تدخل منه، بعد فشله في إحكام السيطرة عليها.

في مصر كان الظهور الأول لمصطلح تعويم الجنيه في يناير 2003، عندما أعلن رئيس الوزراء حينها عاطف عبيد تعويم الجنيه المصري، بعدها ارتفع سعر الدولار بنسبة اقتربت من 50% حيث ارتفع سعر صرف الدولار مقابل الجنيه من 3.70 جنيهًا إلى 5.35 جنيهًا، لكن التأصيل الحقيقي للتعويم كان في عهد الرئيس الراحل أنورالسادات، عندما سمح بعودة البطاقات الاستيرادية للقطاع الخاص، وبدء حقبة الاقتراض من الغرب، التي تحولت بعد ذلك لما يسمى بـ"ديون نادى باريس"، لكن مع عدم قدرة السادات على تحرير الموازنة العامة "سنة 1977" وعدم استمرار تدفق استثمارات الخليج والضعف الاقتصادي العام في الثمانينات حدثت أزمات الدولار مرة أخرى، وتحرك الدولار رسميًا من 1.25 جنيهًا إلى حوالي 2.5، مما أدى لإفلاس كثيرين، حيث كان القطاع الخاص المصري يقترض بالدولار من البنوك ويعمل بالجنيه.

التعويم المدار

هناك نوعان للتعويم، لكل منهما استخدام وهدف وزمن محدد، الأول: التعويم الحر ويعني ترك سعر صرف العملة يتغير بحرية مع الزمن بحسب السوق، ولا يكون للبنك المركزي أي تأثير عليه مطلقًا، بل يقتصر تدخله - المركزي - على التأثير فى سرعة تغير سعر الصرف، وليس الحد من ذلك التغير.

بحسب الخبراء وشركات الاستشارات المالية فإن قرار البنك المركزي المصري بتعويم الجنيه سيكون تعويمًا مدارًا، بحيث يترك البنك الجنيه في السوق يتحدد سعره وفق العرض والطلب لكنه في الوقت نفسه سيتدخل وقت الضرورة لإحكام السيطرة عليه

أما النوع الثاني: التعويم المدار، ويعني ترك سعر الصرف يتحدد حسب العرض والطلب في السوق أيضا، لكن الاختلاف بينه وبين التعويم الحر يتمثل في حجم تدخل البنك المركزي في التأثير علي العملة، ففي التعويم المدار يكون تدخل المركزي كلما دعت الحاجة إلى تعديل السعر مقابل بقية العملات، وذلك استجابة لمجموعة من المؤشرات مثل مقدار الفجوة بين العرض والطلب في سوق الصرف، ومستويات أسعار الصرف الفورية والآجلة، والتطورات في أسواق سعر الصرف الموازية.

وبحسب الخبراء وشركات الاستشارات المالية فإن قرار البنك المركزي المصري بتعويم الجنيه سيكون تعويمًا مدارًا، بحيث يترك البنك الجنيه في السوق يتحدد سعره وفق العرض والطلب لكنه في الوقت نفسه سيتدخل وقت الضرورة لإحكام السيطرة عليه، خوفًا مما قد يترتب على حرية تركه في السوق، خاصة في ظل الغموض وفقدان الثقة في العملة المحلية.

العجيب في الأمر أنه في الوقت الذي نجحت فيه الحملة الإعلامية في تراجع سعر الدولار أمام الجنيه ليسجل حسبما نُشر 11 جنيهًا، نجد أن البنك المركزي في الساعات الأولى لقرار التعويم قد حرر سعر صرف الدولار ليصل إلى 13جنيهًا، وهو ما وضع علامات استفهام عدة.

شروط التعويم.. هل تحققت؟

لجوء البنك المركزي لتعويم الجنيه يتطلب شرطين أساسيين وإلا ستدخل الدولة في نفق مظلم من التضخم والانهيار الاقتصادي، حسبما أشار فخري الفقي، مستشار صندوق النقد الدولي السابق، الأول: وجود قدر كافٍ من الاحتياطي النقدي لتلبية احتياجات المستثمرين والمواطنين وهو ما قدره الفقي بما يقرب من 25 مليار دولار في خزينة البنك، علمًا بأن الاحتياطي النقدي الحالي في مصر حوالي 15.5 مليارات دولار، ما يعني أن البنك بحاجة إلى 9.5 مليارات دولار.

الفقي أشار إلى أن الحكومة المصرية نجحت في تطبيق كل شروط صندوق النقد والمتمثلة في تطبيق ضريبة القيمة المضافة، وإقرار قانون الخدمة المدنية، وزيادة أسعار الكهرباء، وهو ما تمخض عنه توفير 4 مليارات دولار آخريين ليُصبح لدى البنك المركزي 19.5 مليارات دولار، إضافة إلى تخصيص نصف مليار دولار من قبل البنك المركزي للتنمية ليصبح الإجمالي 20 مليار دولار، ما يعني أن الحكومة بحاجة إلى 5 مليارات دولار إضافية قبل المخاطرة باتخاذ قرار تحرير سعر الصرف.

أما الشرط الثاني فيتمثل في رفع سعر الفائدة في البنوك، وهو ما قام به البنك المركزي أكثر من مرة، مضيفًا: "لا بد أن نجعل الشعب أكثر ادخارًا وأقل استهلاكًا وهذا الشرط مرتبط برفع الفائدة إلى 18%".

توقع بنك "بلتون فاينانشال" للاستشارات المالية أن يرتفع احتياطي مصر من النقد الأجنبي إلى ما بين 25 و32 مليار دولار بحلول 6 نوفمبر الجاري مع حصول القاهرة على ما بين مليار وملياري دولار من الصين، وحصيلة طرح سندات دولارية بما يتراوح بين 3 و5 مليارات دولار في السوق الدولية، بالإضافة إلى احتمالية استلام الشريحة الأولى من قرض صندوق النقد الدولي.

رفع الأسعار والتضخم أبرز المخاطر

قرار تحرير سعر الصرف دون وضع الخطط والسيناريوهات المتعلقة بكيفية التعامل مع ما يمكن أن يترتب عليه كفيل بأن يغرق الدولة في مستنقع من التضخم، وهو ما أشار إليه العديد من خبراء الاقتصاد والمحللين الماليين، إذ إن القرار في حد ذاته يمثل تهديدًا واضحًا للحياة المعيشية للمواطن، ما يعني أن أي خطأ في إحكام السيطرة على الجنيه بعد تحرير سعر صرفه كفيلة بأن تدخل الملايين من المصريين تحت مستوى خط الفقر.

أول المخاطر الناجمة عن قرار البنك المركزي بتعويم الجنيه تتمثل في زيادة معدلات التضخم، والتي عانى منها الشعب كثيرًا طيلة الفترة الماضية بسبب قرارات الحكومة المتتالية برفع الدعم عن الكهرباء والمحروقات، كذلك تأثير رفع الفائدة - كأحد شروط صندوق النقد الدولي - على الدين العام، إضافة إلى أن تأثير رفع الفائدة سيؤثر سلبًا على الاستثمار، وذلك لأن المستثمر الذي يرغب في اقتراض أموال سيُفكر كثيرًا قبل هذه الخطوة، فضلاً عن تأثيره على البورصة، وذلك لأن المتعاملين في البورصة سيتجهون لبيع الأسهم وادخار أموالهم في البنوك لأنها آمنة، إضافة إلى الاستفادة من السعر المرتفع للفائدة.

زيادة معدلات التضخم والتأثير على البورصة والاستثمار أبرز مخاطر قرار التعويم

من جانبه قال عمرو الجوهري، عضو لجنة الشئون الاقتصادية بمجلس النواب إن تعويم الجنيه قرار خاطئ في ظل التضخم الاقتصادي وزيادة الأسعار، مؤكدًا أن الحل الأفضل الذي يجب أن تتجه إليه الحكومة للخروج من الأزمة الاقتصادية، يتمثل في تثبيت سعر الصرف وتعديل وإصدار التشريعات التي تُسهل عمل المستثمرين، والعمل على إيجاد الاستثمارات.

وأضاف: قرارات وتصريحات الحكومة بشأن تعويم الجنيه تعني أنها تلجأ للحل الأسهل دون معرفة عواقب القرار، خاصةً في ظل الأزمة الاقتصادية الراهنة، مشيرًا إلى أن قرار تعويم الجنيه هو قرار مشترك بين الحكومة والبنك المركزي معًا، لأنها خطة موحدة للاقتصاد المصري وتتطلب إدارة واعية.

تأخر التعويم و11/11

العديد من التقارير الأمنية والمخابراتية حذرت من أي قرار من شأنه استفزاز الشارع قبيل تظاهرات 11/11 المعروفة إعلاميًا باسم "انتفاضة الغلابة"، ومن ثم تأخر قرار تعويم الجنيه طيلة الفترة الماضية بالرغم من الضغوط الممارسة على الحكومة المصرية من قبل صندوق النقد الدولي بضرورة اتخاذ هذا القرار كشرط أساسي للحصول على القرض.

الحكومة رأت أن هذا التوقيت قد لا يتكرر مرة أخرى، حيث انهيار الدولار في السوق السوداء لصالح الجنيه، وهي الفرصة التي اعتبرها البعض "تاريخية" ومن ثم كان القرار

وبالرغم من هذه التحذيرات إلا أن القرار المفاجئ للبنك المركزي بتحرير سعر صرف الجنيه قد يكون له أثر بالغ في تأجيج مشاعر المواطنين نظرًا لما سيترتب على هذا القرار من زيادة جديدة في أسعار السلع والخدمات في الوقت الذي يئن فيه المواطن من حالته المعيشية.

الحكومة رأت أن هذا التوقيت قد لا يتكرر مرة أخرى، حيث انهيار الدولار في السوق السوداء لصالح الجنيه، وهي الفرصة التي اعتبرها البعض "تاريخية" ومن ثم كان القرار، خاصة وأن الدولة تعاني من شح في الاحتياطي الأجنبي لتمويل المشروعات المتوقفة، وتسديد فوائد الديون الخارجية والداخلية، ومحاولة تقليل العجز في الموازنة، وهو ما دفعها لاتخاذ قرار التعويم بالرغم مما يحمله من مخاطر.

بالرغم من إزالة الغموض عما حدث لسوق العملة السوداء خلال اليومين الماضيين من خلال قرار البنك المركزي بتحرير سعر صرف الجنيه، إلا أن السؤال لا يزال قائمًا: هل تدار السياسات النقدية بمثل هذه الحملات الإعلامية المؤقتة؟ وهل تنجح الحكومة في التعامل مع المخاطر الناجمة عن قرار التعويم؟ وهل تراجع الدولار أمام الجنيه تراجعًا ثابتًا أم مؤقتًا وتعود الأمور إلى ما كانت عليه مرة أخرى ولا يجني المواطن إلا انهيار جديد لعملته أمام العملات الأجنبية وزيادة في معدلات التضخم؟ هذا ما ستجيب عنه الساعات القادمة.