نُشر هذا المقال في جريدة واشنطن بوست الأمريكية للكاتب ديفيد إيجناتيوس

ترجمة وتحرير نون بوست

قبل أربع سنوات من الآن، بدا أن تنظيم القاعدة قد دُمر تماما في العراق. أما في الأسبوع الماضي فقد سيطر مسلحون من التنظيم على الفلوجة، المدينة التي قُتل فيها مئات الأمريكيين وجرح الآلاف عبر عقد من قتال الجهاديين، كيف حدث هذا التغيير الجذري؟؟

مثل كل شيء آخر بخصوص العراق، هذه قصة مأساوية ومربكة للغاية. لكن هناك نقطتين واضحتين للغاية: الأولى أن إدارة أوباما، في اندفاعها لمغادرة البلاد، سمحت للحكومة الشيعية الطائفية التي يقودها رئيس الوزراء نوري المالكي بالتراجع عن العديد من المكاسب التي تحققت ضد القاعدة. والثانية أن إيران شنت حملة سرية “رائعة” حولت المالكي والعراق إلى عملاء حقيقيين لإيران، وأثناء عملية التحويل تلك، دفعت إيران سُنة العراق إلى التطرف بعد تهميشهم.

“الشيء المأساوي هو أن انزلاق العراق إلى المحور الإيراني والعنف الأهلي لم يكن محتملا فحسب، لكنه كان متوقعا من قبل الخبراء في الشأن العراقي داخل الحكومة الأمريكية” يقول مسؤول أمريكي سابق ويكمل “الانهيار الحالي الذي يمر به العراق وتداعياته الخطيرة على مصالح الأمن القومي الأمريكي كان من الممكن تفاديها بشكل كامل”

لكن أكبر مدعاة للسخرية في الأمر أن العراقيين صوتوا في مارس من العام ٢٠١٠ من أجل الإطاحة بالمالكي لصالح إياد علاوي المقرب من أمريكا، لكن في المساومات التي تلت ذلك، انتهى الأمر إلى أن شكّل المالكي الحكومة الجديدة برعاية إيرانية، تم دعمها بشكل غريب من قبل الأمريكيين، إلى الحد الذي جعل جو بايدن “مهندس السياسة الأمريكية” إن صح التعبير يقول إن السياسة قد بدأت في العراق

حكومة المالكي في العراق لعبت نوعا من أنواع السياسة الانتقامية، لقد تراجعت الحكومة عن وعودها بدفع أموال للميليشيات السنية التي أنشأها الجنرال ديفيد بيتريوس (الصحوات) والتي تم حشدها في ٢٠٠٧ و ٢٠٠٨ لمحاربة تنظيم القاعدة في الفلوجة ومناطق أخرى من الأنبار. لقد عاد الكثير من السُنة في العراق إلى مخاوفهم الطائفية بسبب علمهم أن حكومة المالكي الشيعية هي مجرد أداة في يد إيران.

الحملة السرية لضم العراق إلى حظيرة إيران وجهها مسؤول فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني قاسم سليماني وشملت مجموعة من الشخصيات الشيعية المختلفة حول المالكي. هذه القدرة على ركوب العديد من الخيول في آن واحد هي ما تميز سياسة سليماني. 

لقد سحبت إيران أوراقها (عملائها) من طاولة مليئة بالميليشيات المسلحة في العراق. أبو مهدي المهندس والذي ساعد في التخطيط للهجوم على السفارة الأمريكية في الكويت في عام ١٩٨٣ يحرك الآن مجموعة متمردة مدعومة من الحرس الثوري الإيراني تُعرف باسم كتائب حزب الله. 

قيس الخزعلي اتهم بخطف وقتل مشاة البحرية الأمريكية في كربلاء في ٢٠٠٧ يدير جماعة متمردة كذلك متحالفة مع الحرس الثوري معروفة باسم عصائب الحق، الميليشيا الشيعية الثالثة في العراق تُعرف باسم كتائب اليوم الموعود وتديرها إيران كذلك. 

بالمناسبة، في حملة إيران في المنطقة، مقاتلون من تلك المجموعات الثلاث سُحبوا إلى سوريا لمقاتلة الثوار ودعم بشار الأسد هناك

إيران كانت قادرة خلال الفترة الماضية على استخدام العراق كنقطة انطلاق لعمليات دعم بشار الأسد والفضل يعود في ذلك جزئيا إلى هادي العامري وزير النقل العراقي الذي ترأس ميليشيا إيرانية أخرى في العراق سابقا وهي فيلق بدر

لقد اتسع الانقسام الطائفي بالعراق منذ أن غادرت الولايات المتحدة. ومع اندفاع الشيعة العراقيين تجاه إيران، جُذب السنة إلى مسارات الجهاديين خاصة مع ترنح سوريا في الحرب الأهلية. مقاتلو القاعدة ينتقلون بلا راحة عبر الحدود سهلة الاختراق، والعام الماضي أعلنت الدولة الإسلامية في العراق والشام عن نفسها في سوريا، وكان هذا مغناطيس لحوالي أكثر من ١٠٠٠٠ مقاتل أجنبي جهادي من ضمنهم العديد من حاملي جوازات سفر أوروبية

عودة القاعدة مرة أخرى إلى الأنبار كانت قوية للغاية، والرد كان عنيفا، مئات من مقاتلي العشائر الذين يتحركون في أكثر من ٧٥ سيارة مصفحة حاصروا الرمادي واستولوا على مقرات الشرطة ومحطات الوقود. الرمادي “طُهرت” من القاعدة تماما، أما تطهير الفلوجة فهو صعب للغاية. المالكي استجاب للنصيحة الأمريكية بعدم السماح للجيش العراقي بدخول المدينة، لئلا يستفز السُنة. وفي نفس الوقت، صوت البرلمان العراقي لوضع مقاتلي العشائر على قوائم الرواتب، لكن الحرب في سوريا التي بدأت لسحق تنظيم القاعدة لا يمكن التنبؤ بنتائجها على العراق.

الانتخابات العراقية الجديدة ستُجري في إبريل/نيسان المقبل، ومن علامات ذكاء طهران أنها بدأت في التلويح بأنها ترغب في التخلي عن المالكي والبحث عن عميل جديد. الولايات المتحدة تقوم بمحاولة ملء الفراغ وتقوم بتزويد المالكي بالمشورة وبالأسلحة، إلا أنه يجب القول أن إيران تلعب لعبة العراق بقدر كبير من القوة والسيطرة، التي لا قِبل للولايات المتحدة بها.