هل جهزت الحكومة المصرية لما بعد تعويم الجنيه بحيث تتخذ إجراءت مالية واجتماعية تخفف من حدة الصدمة التي سيتعرض لها الاقتصاد والمواطن المصري بعد البدء في العمل بسعر صرف حر تبعًا لما يحدده السوق من عرض وطلب؟! سؤال يدور في عقول المصريين في هذه الأيام العصيبة التي تمر على الاقتصاد المصري. 

سواء خططت الحكومة لتنعكس حركة التعويم برمتها إلى أمر إيجابي يتحول إلى فائدة للاقتصاد يخرجه مما هو فيه، أم أنها تركت المواطن يتحمل وحده تبعات الحركة، وتخلف أثرًا رجعيًا على طبقات المجتمع المصري، فإن الفائدة التي سيجنيها الاقتصاد المصري تتوقف على مدى قدرة البنك المركزي المصري على تلبية احتياجات السوق الدولارية للمصانع ومستوردي السلع الأساسية والمواد الخام والسلع والوسيطة، بالإضافة لتحرك المركزي نحو زيادة احتياطاته من النقد الأجنبي من قطاعات السياحة والصادرات والتحويلات المالية والاستثمارات، وكل ما سبق يشهد تدهورًا لا يمكن للحكومة الاعتماد عليه.

أيسر الحلول بالنسبة للحكومة

كان أمام الحكومة المصرية حلول عديدة برأي خبراء لحل المشاكل التي يعاني منها الاقتصاد المصري إلا أنها آثرت اختيار الحل الليبرالي الذي مهده لها صندوق النقد الدولي مقابل حصول الحكومة على قرض 12 مليار دولار على مدى 3 سنوات تعمل من خلاله على سداد عجز الموازنة وعجز ميزان المدفوعات بالإضافة لاستحقاقات أخرى.

وقد آثرت الحكومة الالتزام بسياسات الصندوق وأول تلك السياسات تعويم قيمة الجنيه المصري ليفقد من قيمته حوالي 100% من 8.88 إلى 16 جنيهًا، علمًا أن العيب ليس في سياسة التعويم بحد ذاتها والتي تعد أداة مالية مثمرة إذا كان لدى الدولة ما تصدره وتنافس به في الأسواق العالمية، ولكن في وضع مصر فإنها تستورد ما يقرب من 80% من حاجاتها الأسياسية من الخارج أضف لتدهور الزراعة والسياحة والصناعة المحلية بالإضافة لإيرادات قناة السويس.

ويشير أحد المراقبين أن الهدف غير المعلن للحكومة لتعويم الجنيه يكمن في إعادة تقييم الأصول المحلية من مصانع وشركات وبنوك وأراضي وغيرها لتصبح مغرية للمستثمر الأجنبي الذي سيعمد لشرائها بالعملة الأجنبية، فشراء مصنع ما كان يكلف مليون دولار مثلا! لن يكلفه بعد تخفيض قيمة الجنيه نصف المبلغ، وهذا قد يسهم بتهافت المستثمرون الأجانب فعلًا إلى شراء الأصول التي تنوي الحكومة المصرية طرحها للبيع من مصانع وشركات وبنوك سواء بشكل جزئي أو كلي استكمالًا لبرنامج الإصلاح الذي وعدت به صندوق النقد، ليظهر الهدف الآخر للتعويم وهو بيع الأصول لسداد العجز المالي.

زمرة كبيرة من الاقتصاديين ممن ينادون بإعادة السلع لقيمتها الحقيقية وأن الشيء يجب ألا يستحق قيمة أكثر مما يمكن أن يمنحه الشخص لها، فالجنيه المصري قيمته في السوق السوداء بـ18 جنيهًا لكل دولار بينما قيمته الحكومة المصري بـ8.88 جنيهًا لكل دولار، وهذا برأي تلك الزمرة لم يعد يعمل، وأن الاستمرار بهذه السياسة سيؤدي إلى استنزاف الحكومة لاحتياطاتها وإفقار الشعب أكثر مما هو فقير، إلا أن ترك السعر للسوق الحرة ليقوم بتحديده حسب العرض والطلب سيؤدي إلى وجود سعر مقاصة لسوق العملة وهذا سيعمل على القضاء على السوق السوداء وعودة الاستقرار للأسواق وبالتالي عودة الثقة بالاقتصاد واجتذاب الاستثمارات وعودة الحياة لعجلة الاقتصاد.

بعيدًا عن هذا السيناريو يذكر التاريخ التجرية الماليزية التي رفضت تبني برنامج صندوق النقد الدولي بعد تأثرها بأزمة دول شرق آسيا (النمو الخمسة) في العام 1197 وأظهرت النتائج أن ماليزيا التي صممت لنفسها سياسة مالية خاصة بها بعيدًا عن صندوق النقد أفرزت نتائج إيجابية كبيرة أكثر من الدول الأخرى التي تبنت سياسات الصندوق في ذلك الوقت، والخلاصة أن ماليزيا أنجزت اقتصادًا منفتحًا يتماشى مع ما تريده الأسواق بشكل كبير وتمكنت من تخفيض نسبة الفقر ورفع معدلات النمو الاقتصادي بشكل مطرد وتوفير فرص عمل وقللت من التفاوت في الدخل وحافظت على الطبقة المتوسطة في المجتمع.

أما وقد سلمت الحكومة المصرية رقبتها لسياسات صندوق الدولي فإن الأيام المقبلة كفيلة بمضاعفة سوء الأرقام الاقتصادية والاجتماعية، فنسبة الفقر في مصر بلغت على ذمة الجهاز المركزي للإحصاء 27.5% في نهايو يوليو/ تموز الماضي وهي أعلى نسبة منذ عام 2000 وارتفع معدل التضخم العام السنوي إلى 16.4% في أغسطس/آ ب الماضي وهو أعلى معدل له منذ عام 2008.

ومن المتوقع أن ترتفع نسبة التضخم إلى 25% في الفترة المقبلة بعد تطبيق الخطوة التالية من السياسة المالية وهي خفض الدعم على الوقود، أما معدلات العجز في الموازنة فبلغت 319 مليار جنيه أي 100% من إجمالي الناتج المحلي الإجمالي ووصل عبء الفائدة على الدين العام إلى 300 مليار جنيه سنويًا.  

كما أن الحكومة ستكون مضطرة للاستمرار في التخلي عن سياسة الدعم وخصوصًا على البنزين وهي المادة المسؤولة عن جزء كبير من عجز الموازنة، كما ستعتمد في الفترة المقبلة على تقليص الإنفاق العام وجمع عائدات ضريبية أكثر.

والنتيجة لكل هذه السياسات المالية في الفترة المقبلة مزيد من الفقراء والعاطلين عن العمل ومزيد من الفساد ومزيد من التبعية للخارج وخصخصة للقطاعات وبيع الأصول للمستثمرين الأجانب، وكل هذا في سبيل موازنة الميزانية وإرضاء صندوق النقد الدولي.