العاهل السعودي سلمان بن عبد العزيز والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي

الأنباء المتداولة مؤخرًا بشأن زيارة بعض ضباط الجيش المصري للقاعدة العسكرية الروسية في محافظة طرطوس على الساحل السوري، فضلاً عما أثير بخصوص تزويد مصر للجيش النظامي السوري ببعض العتاد والذخائر، حتى وإن لم يتم التأكد منها بصورة كاملة، إلا أنها أثارت الكثير من اللغط والجدل حول الدور المصري الجديد في الملف السوري من جانب، وانعكاس هذا الدور الجديد على العلاقة مع دول التحالف العربي بقيادة المملكة العربية السعودية من جانب آخر.

التكتل ذو الأضلاع الثلاثة (مصر - روسيا - إيران) بدأت ملامحه تتكشف بصورة واضحة حين ضغطت طهران وموسكو على المجتمع الدولي لدعوة القاهرة لحضور اجتماع لوزان لبحث الأزمة السورية، ما يعني أن هناك خطًا واحدًا يربط تلك الأحدث بعضها البعض، خاصة بعد تأييد مصر للقرار الروسي بمجلس الأمن الدولي، ما يضع العديد من علامات الاستفهام حول مستقبل هذا التحالف الجديد ذو الصبغة الشيعية، ومكانة القاهرة بداخله، في مواجهة التحالف العربي ذي السمت السني.

القاهرة تغازل موسكو

دخلت العلاقات بين مصر وروسيا منعطفًا مهمًا من القوة والتناغم عقب تولي عبد الفتاح السيسي مقاليد الأمور، تجسدت في الزيارات المتبادلة بين الجانبين، فضلاً عن الاتفاقيات المبرمة خاصة فيما يتعلق بمجال الطاقة ومفاعل الضبعة النووي، إلا أن هذه العلاقات تعرضت لهزة عنيفة عقب سقوط الطائرة الروسية في سيناء نهاية أكتوبر العام الماضي، حيث أوقفت موسكو رحلاتها وأنشطتها السياحية لمصر، ما مثّل ضربة قاسية للسياحة والاقتصاد المصري منذ ذلك الوقت، وبالرغم من الجهود الدبلوماسية التي تبذلها القاهرة لإثناء موسكو عن قرارها إلا أن ذلك لم يحرك ساكنًا في القرار الروسي.

وفي الوقت الذي تمارس فيه موسكو تعنتها، تسعى القاهرة بكل ما لديها لمغازلتها بصورة ملحوظة، تمثلت في الاستجابة لإملاءاتها المتعلقة بآليات تأمين المطارات، فضلاً عن التراجع عن قرار وقف استيراد القمح الروسي، وأخيرًا التصويت لصالح موسكو في مجلس الأمن فيما يتعلق بقرارها حيال حل الأزمة السورية.

في الوقت الذي تمارس فيه موسكو تعنتها، تسعى القاهرة بكل ما لديها لمغازلتها بصورة ملحوظة

التصميم المصري على الوقوف في نفس الخندق الروسي كان بدعم إيراني ملحوظ، في محاولة من الأخيرة لبناء تحالف جديد قادر على مجابهة التحالف العربي في المنطقة بما يساعد على تحقيق الأهداف الإيرانية الروسية في المنطقة، والاستفادة من الدور المحوري للقاهرة ومكانتها الاستراتيجية إقليميًا ودوليًا.

طهران تخطب ود القاهرة

وفي المقابل يلاحظ أن طهران في أكثر من موقف أكدت على دور مصر الرائد في المنطقة، إيمانًا منها بقيمة هذا الدور وإمكانية الاستفادة منه بصورة كبيرة حال التحالف معه، وهو ما سعت إليه إيران طيلة الفترات الماضية، بالرغم من الضغط الخليجي لإحداث فجوة بين القاهرة وطهران خلال العقود الماضية.

التردد المصري حيال الأزمة اليمنية، فضلاً عن الرفض الكامل للثورة السورية، وضع أرضية مشتركة للتفاهم بين مصر وإيران، تجسدت في عدة لقاءات جمعت بين مسؤولين من الدولتين، كان أبرزها اللقاء الذي وصفته الصحافة الإيرانية بـ"التاريخي" الذي جمع وزير الخارجية المصري سامح شكري ونظيره الإيراني محمد جواد ظريف في نيويوك، على هامش أعمال الجمعية العامة لـ"الأمم المتحدة".

ومن ثم بات التقارب المصري الإيراني واقعًا لا يمكن إنكاره، حيث تم تعيين رئيس جديد لمكتب رعاية المصالح المصرية في إيران وهو السفير ياسر عثمان، الذي تسلم مهامه مؤخرًا في البعثة المصرية بطهران، وكان في استقباله المساعد الخاص لرئيس البرلمان الإيراني، والمساعد السابق لوزير الخارجية الإيرانية حسين أمير عبد اللهيان، والذي وصف العلاقات المصرية الإيرانية بأنها وطيدة على الرغم من التحديات التي واجهتها خلال السنوات الأخيرة، مضيفًا أن مصر وإيران بلدان كبيران ومهمان، وبإمكانهما من خلال التعاون الإقليمي المشترك، القيام بدور بناء للحد من التوتر في المنطقة، والمساعدة في معالجة مشاكل العالم الإسلامي.

التردد المصري حيال الأزمة اليمنية، فضلاً عن الرفض الكامل للثورة السورية، وضع أرضية مشتركة للتفاهم بين مصر وإيران، تجسدت في عدة لقاءات جمعت بين مسؤولين من الدولتين

المثير للتساؤل هنا ثناء المساعد السابق لوزير الخارجية الإيرانية على موقف القاهرة تجاه الأزمة السورية، ومحاربة تنظيم "داعش"، قائلاً: "مواقف مصر تجاه الأزمة السورية ومحاربة الدولة الإسلامية، مفيدة وبناءة"، فيما أكد الرئيس الجديد لمكتب رعاية المصالح المصرية في طهران، على مكانة إيران في المنطقة، مضيفًا أن تعزيز المشاورات بين مسؤولي البلدين، سيسهم في تحسين أوضاع المنطقة، لافتًا إلى إمكانية التعاون بين القاهرة وطهران.

ومن ثم ونتاج لهذه الخطوات الحثيثة نحو تعزيز التعاون بين البلدين، دافعت طهران عن الدور المصري في الملف السوري، مطالبة بأن تكون طرفًا أساسيًا في عملية التفاوض والحوار بشأن مستقبل سوريا، وهو ما تجسد في ضغطها على واشنطن والرياض لحضور ممثل عن القاهرة ضمن اجتماع لوزان الأخير بالرغم من عدم دعوتها للمشاركة فيه.

وزير الخارجية المصري ونظيره الإيراني

الانسلاخ من التحالف العربي

بالرغم من التأييد المصري السابق للتحالف العربي بقيادة المملكة العربية السعودية سياسيًا، ودعمها لتوجهاته في العديد من الملفات الإقليمية، إلا أن تغيرات جوهرية شابت القرار المصري في الفترة الأخيرة، البعض ربطها بقلة الدعم المقدم من دول الخليج والذي تراجع بصورة ملحوظة في الأشهر الأخيرة، والآخر أرجعها إلى إعادة تقييم القاهرة لسياساتها الخارجية بما يتناسب مع المعطيات الجديدة والتي تشير إلى بزوغ طهران وموسكو كقوتين محوريتين في المنطقة.

العديد من الممارسات السياسية والأمنية التي قام بها مسئولون مصريون خلال الفترة الأخيرة، كان لها مفعول السحر في توسعة الهوة بين القاهرة ودول التحالف، كما تسببت في شرخ كبير في العلاقات المصرية الخليجية خاصة السعودية.

  • أولاً: استقبال وفد البوليساريو واستفزاز السعودية

الاستقبال المصري لوفد جبهة "البوليساريو" بقيادة خطري إدوه رئيس البرلمان الصحراوي للمشاركة في المؤتمر البرلماني العربي الإفريقي، الذي عقد في شرم الشيخ بمناسبة الاحتفال بمرور 150 سنة على أول برلمان مصري بمشاركة وفود برلمانية تمثل 47 دولة عربية وإفريقية، ألهب الأجواء بين القاهرة والرباط، لا سيما بعد الحفاوة التي استقبل بها الوفد حسبما أشارت الأوساط المغربية.

الخطوة المصرية فسّرها البعض بأنها استفزاز للرياض في المقام الأول، خاصة بعد الدعم المغربي للتحالف العربي

لم يكن استقبال الوفد الصحراوي وحده هو المعضلة التي أصابت العلاقات بين القاهرة والرباط بشرخ كبير، لكن اللقاءات التي عقدت على هامش المؤتمر وبعدها مع بعض أعضاء البرلمان المصري، فضلاً عن عدد من المسؤولين والدبلوماسيين أثارت حفيظة القيادة المغربية، وهو ما اعتبرته مواصلة القاهرة لنهجها المعهود في "استفزاز" المملكة المغربية.

الخطوة المصرية فسّرها البعض بأنها استفزاز للرياض في المقام الأول، خاصة بعد الدعم المغربي للتحالف العربي، حيث بعث العاهل المغربي جيشه للقتال مع السعودية في اليمن ضمن قوات عربية أخرى شاركت في عاصفة الحزم، وبعد هذا أعلن انضمامه إلى الحلف السني الذي تقوده السعودية ضد داعش وإيران، وبعد هذا شارك في المناورات العسكرية المسماة رعد الشمال، وقبل هذا بعث قواته العسكرية والأمنية إلى الإمارات لتعزيز أمنها، كما أن ساعة علاقته بإيران مضبوطة على توقيت خليجي، لذا كان على دول الخليج أن ترد الجميل، وهو ما كان بالفعل، حيث الإعلان عن تكتل خليجي مغربي لدعم القضية الصحراوية المغربية.

  • ثانيًا: التعاون الأمني الاستخباراتي مع دمشق

حسبما تناولت بعض المصادر الإعلامية الإيرانية الموالية للنظام السوري، فإن مجموعة من ضباط الجيش المصري زاروا القاعدة العسكرية الروسية في محافظة طرطوس على الساحل السوري، وقالت هذه المصادر إن بعض الضباط المصريين قاموا بجولة عسكرية عبر طائرات النظام المروحية على عدة جبهات عسكرية تتبع للثوار في عدة مناطق لم تأت على ذكر أسمائها، وزعمت هذه المصادر نفسها أن هؤلاء العسكريين يتبعون للجيش المصري الميداني الثاني الذي يوجد مقرّه الرئيسي في الضفة الغربية من قناة السويس.

وبالرغم من عدم التيقن من صحة هذه المصادر، إلا أن ما يرجحها تلك الزيارة التي قام بها اللواء علي مملوك رئيس مكتب الأمن القومي السوري إلى القاهرة، حيث التقى خلالها بقيادات سياسية وأمنية مصرية، وتباحثوا في سبل التعاون الأمني الاستخباراتي.

  • ثالثًا: تأييد القرار الروسي

ثم جاء التأييد المصري للقرار الروسي بمجلس الأمن الدولي، الخاص بمستقبل الأزمة السورية، ليكشف النقاب عن حجم التقارب السياسي بين القاهرة وموسكو وطهران من جانب، وزيادة الهوة مع الخليج من جانب آخر، وهو ما ألقى بظلاله على العلاقات المصرية السعودية في الآونة الأخيرة، والتي تعرضت لهزة عنيفة جراء هذا الموقف، وهو ما تجسد في التراشق الإعلامي بين الجانبين، فضلاً عن انخراط بعض السياسيين في هذا المضمار من التراشق، وليس سخرية الوزير السعودي إياد مدني، رئيس منظمة المؤتمر الإسلامي، من الرئيس المصري ببعيد، ما اضطره لتقديم استقالته بعدها فورًا جراء ما تبعها من توتر الأجواء بين البلدين بصورة غير مسبوقة.

  • رابعًا: استقبال وفد من الحوثيين

تميز الموقف المصري من الملف اليمني بالتناقض الواضح، فما بين دعم القاهرة للشرعية في اليمن المتمثلة في الرئيس هادي، إلى سحب سفيرها من صنعاء لكنها لا تسمي سفيرًا في عدن كما فعلت دول الخليج، ها هي القاهرة تستقبل وفدًا من الحوثيين للتباحث حول الوضع في اليمن!! بهذه المواقف التي فسرها خبراء على أنها متناقضة، كان موقف مصر من الأحداث اليمنية.

جنوح القاهرة عن الخط السعودي في اليمن، والتزامها الحياد، ربما تفهمه البعض على أنه رغبة مصرية في الحرص على الجارة الشقيقة، والحفاظ على أمن مضيق باب المندب، إلا أن استقبال القاهرة وفد من الحوثيين كان علامة استفهام غير مفهومة، وهو ما تسبب أيضًا في فجوة كبيرة مع السعودية.

اللواء علي مملوك رئيس مكتب الأمن القومي السوري

هل تخرج القاهرة من عباءتها السنية؟

مصر والسعودية هما قطبا الكتلة السنية في العالم الإسلامي، ولا يمكن لأي منصف أن ينكر ذلك، كما أنه لا يمكن في الوقت نفسه اتهام القاهرة بالانسلاخ من محيطها السني، إلا أن هناك عدة شواهد وضعت العديد من علامات الاستفهام حول توجهات القاهرة العقدية في الآونة الأخيرة.

فحين تزود القاهرة جيش بشار الأسد ذي المذهب الشيعي بالعتاد والذخيرة كما نقلت بعض وسائل الإعلام لمحاربة المعارضة السنة، وقتل المدنيين المسلمين من السوريين، أليس هذا محاربة للسنة وتقربًا للشيعة؟ 

حين تستقبل القاهرة وفدًا من الحوثيين الشيعة، ممن يقتلون أبناء شعبهم من السنة، أليس هذا دعمًا للشيعة على حساب السنة؟ 

حين تشارك مصر ممثلة في شيخ الأزهر أعلى مؤسسة دينية في البلاد، في مؤتمر عن أهل الجماعة بالشيشان برعاية إيران والتيارات الشيعية، ولا تدعى السعودية والجماعات ذوو التوجهات السنية، أليس هذا دعًما للشيعة على حساب السنة؟

حين تزود القاهرة جيش بشار الأسد ذو المذهب الشيعي بالعتاد والذخيرة كما نقلت بعض وسائل الإعلام لمحاربة المعارضة السنة، وقتل المدنيين المسلمين من السوريين، أليس هذا محاربة للسنة وتقربًا للشيعة؟ 

قد يقول البعض إن القاهرة تتحرك وفق رؤية سياسية بحتة بعيدًا عن أي توجهات دينية، وأن قبلتها الأولى هي المصلحة، فأينما وجدت كان القرار، لكن حين تتعارض هذه المصلحة مع المذهب الديني ألا يتطلب ذلك إعادة نظر، خاصة وأن الشعب المصري بطبعه شعب متدين محب للرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام، يحبون من يحبه، ويبغضون من يبغضه، ويقاتلون من يتجرأ عليه.

وفي النهاية فإن التقارب الإيراني والروسي لمصر، يضرب عدة عصافير بحجر واحد، فبعيد عن المصالح المصرية الممكن تحققها من وراء هذا التقارب، فإن هناك أهداف أخرى إيرانية وروسية أكثر أهمية وخطورة، أهمها تغطية أهداف السيطرة الإيرانية (التي أججت أوار النزاع الشيعي ـ السني) والروسية (التي تعزز نفوذها وتنقل معركتها من أوكرانيا وأوروبا الشرقية إلى سوريا وليبيا وتفتح جغرافيتها على البحر المتوسط)، فبانضمام مصر يتوسع قوس الأزمة العربية لتصبح صراعًا بين أغنى وأكبر دولتين سنّيتين (وبالتالي يخفّ الضغط على مشروع الهيمنة الطائفية الشيعية لإيران)، ويضمن الروس رواجًا لاستراتيجيتهم في المنطقة العربية.

ويبقى السؤال: هل يمكن القول أن التكتل الجديد ( مصر - روسيا - إيران) قادر على مواجهة التحالف العربي في الملفات المتنازع عليها؟ وما الحال لو وصل التصعيد بين السعودية وإيران إلى حد المواجهة المسلحة.. مع من سيكون القرار المصري؟