ليس مثل أوقات الأزمات والمحن فرصة لإطالة النظر في الماضي، لا بهدف الركون إليه، وإنما لأخذ العبرة والانطلاق نحو أفاق المستقبل، فتلاشي أخطاء الماضي يجىء بدقة النظر إليها، وإن يكن الله تعالى لم يأذن لحركات إسلامية في دولنا العربية بتحقيق المأمول منها، وإن تعثرت حتى حين، فإن الآمال ما تزال معلقة، وحبّات القلوب ما تفتر ترتفع بالدعاء إلى رب العزة تعالى، كي يجبر التقصير، في مقبل الأيام، ويُقيل العثرات، ويأخذ بيد المُخلصين إلى عمارة الأرض، كي يكونوا جديرين بأن يكونوا من زمرة عباد الله الصالحين الذين تتنزل عليهم الرحمات، ويُورثهم رب العزة الأرض يتبأون منها حيث يشاؤون.

وإنّ كاتب هذه الكلمات لعلى ثقة من موعود الله بالتمكين لعباده المُخلصين، ولو بعد حين، ولكن أكثر ما يؤلمه في الأمر، من آسف، أن فترة زمنية ستمر حتى يتحقق موعوده تعالى، لتقصير من قبل الفئة المُناط بها الأخذ بيد الأمة نحو صلاح الدنيا والدين، ولعل في نظرات ومراجعات في واقع طرف من حركات إسلامية..ما يأخذ بقلوب قبل سواعد نحو تقريب المسافة والهوة لتوفير بعض من وقت نحو ما يرتجيه الجمع من الشرفاء المُخلصين لخلاص الأمة العربية الإسلامية، ولو تدريجياً، ومن ثم الأخذ بيد العالم نحو الرفعة والسلام الحقيقيين، وإن اختلفت أسماء وتفاصيل حركات، فإن أمراض وأدواء النفس البشرية واحدة، وإن تباعدت الطرق والمسافات، وإن سُبل السلامة والغنيمة والأمان في ديننا الحنيف كذلك .. فلعل الله يُفرج كرب الأمة بكلمة نافعة ..بتوفيقه تعالى!

فقه ماقبل التمكين

أتى الإسلام ليجد نفوساً صبغتها الحياة بصبغة فيها النقي، وفيها غيره، وجاء الأنبياء والمرسلون منذ آلاف السنين ليجدوا نفوساً اعتادت على الحياة على نحو يحقق لها غاياتها، ويوردها موارد السلامة المُبتغاة، وفق وجهة نظر صاحبها، وأحياناً أهواؤه دون رادع من خُلق أو قانون، وكل إنسان كان يتحرك وفق منظومة ملكاته الشخصية وإمكاناته، ومكانته ومنزلته في المجتمع، وما ورثه من صفات، فهذب الإسلام النفوس وفق تعاليمه السامية ورباها، وكل الأديان منذ مفتتح البشرية كانت تدعو إلى الإسلام، وتبعية الإنسان الكاملة إلى رب العزة، وبالتالي عمارة الكون.

وكان الحل دائماً لدى صحيح هدي وتعاليم السماء أن تُعاد صياغة النفس البشرية، وفق ما يُرضي الله، فتزال الحشائش الضارة من قلب حديقة كل إنسان، وتشذب المعاني الأصيلة، والأخلاق الأقرب إلى الرفيعة، فتصبح النفس في حوار ممتد مع رب العزة، ولكن حركات إسلامية سادت لبعض الوقت في الفترة الماضية في مجتمعاتنا لم تفطن إلى أنها تخالف سنناً لله كونية، لما تتغاضى عن عيوب ليست بالسهلة ولا باليسرة أو الهينة لدى أفراد بارزين احتوتهم في القلب منها.

هنا صارت المعادلة أقرب إلى المقلوبة، فمع وجود الأنقياء، وإن يكن الأمر حدث بنوع من السهو أو النسيان، أو التفلت البشري من مجاملة هنا، ومحاباة هناك، إلا أن الذين تم التغاضي عنهم من أفراد تم انتظامهم في الصف حتى علو وبلغوا مكانة واضحة السيادة، في حركة هنا وهناك على امتداد وطننا العربي، ومايزال في قلب البعض منهم حب الدنيا، لم تتم معالجته، بحال من الأحوال؛ هذا في نفسه حب المال لم يزال متربعاً، حتى أنه في أقرب فرصة ممكنة يحاول الاستيلاء على الملايين من أموال ليست له، وتدفع "حركة" مما تملك لتعويض ما أخذ، ثم تقبل عودته بعد حين دون محاسبة.

فيما فرد آخر يحب السيادة في جانب ما ليس بالسهل ولا اليسير أو الهين، فيعزز اتجاهاً يدفع بصف الحركة كله في آتون المواجهة الحادة، مُصرَّاً على رأيه، ومستأثراً به، مُنفذاً إياه على الآلاف قائداً لها إلى ما يراه صحيحاً، وإن خالف سنناً لله كونية تُخبر وتُنبأ بأن السيادة والرفعة في الأرض يلزمها إعداد شديد للخُلق ومن قبل الدين، وأيضاً بقية أدوات التمكين من حسن الكفاءة والخبرة، بل جودة العمل.

وفي نفس المنظومة لدينا بعضاً من أخطاء بالغة الأهمية في مسيرة حركات سائرة إلى الله، فإن قال قائل بإنها من آفات المجتمعات التي نشأت في محيطها بل قلبها، كان الرد بأن ما يقبله غير السائرين على الدرب إلى الله لا ينبغي بحال من الأحوال ان يكون لدى مريديّ عمارة الأرض وإعادة حضارة العدل إلى ربوعها.

ومن هذا تضاعف الخطأ إلى ما هو أبشع وأفظع، من عدم التدقيق في اختيار أعضاء جدد في الصف وترقيتهم، من آسف، بخاصة في أوقات اليُّسر، والتسرع ظناً أن الهدف المأمول صار قريباً وشيكاً، دون إعداد كافٍ بتربية النفس القديمة، ومن ثمً الجديدة اللاحقة على الجماعة، أو التلويح حين فشل الأخيرة بإعادة صاحبها إلى خط البداية، أو توقيع عقوبة مناسبة عليه، تتناسب مع جلال وعلو الهدف السائرة الحركة كلها إليه، بل كانت الأمور تستوي وتنتظم ويتم  الدفع بجدد إلى الأمام على ما بنفوسهم من قصور وعدم تدقيق كاف، وفي النهاية اتجهت الأمور نحو المأساوية والانقسام، واختلاط صاحب الحق بغيره في داخل الحركات نفسها، مما يسر العدو ويؤلم الحبيب والصديق من آسف.

وعلى الدرب نفسه كان من الأخطاء الخاص بالمجاملة، فإن من الحركات الإسلامية مّنْ ظنوا أن رب العزة تعالى ليس بخاذلهم، ولا بالمتخلي عنهم، لأنهم يعبدونه على نحو يرونه "حسناً"، فيما غيرهم متمادٍ في المعاصي والكبائر، ومنها خيانة الأوطان، وفي الوقت الذي يستعين الطرف الآخر المُمسك بالسلطة بالغرب مستقوياً به على بني جلدته، وهو خطيئة بالغة الفداحة، ولكن كان يلزمها شىء غير قليل من التروي والتمهل في معالجتها.

ظن كثير من الحركيين في الحركات الإسلامية أن مجرد سيرهم في الطريق إلى رب العزة تعالى، وإصلاح أخطاء وخطايا غيرهم سيجعل من معيّة الله حليفاً وظلاً لهم على مدى الأيام، وإن قصروا في الإعداد، وتعجلوا في رفعة أنفسهم مع عدم امتلاكهم الأدوات، بل صدروا أنفسهم في مقدمة الصفوف دون علم كافِ بكيفية إدارة الأمور، وهو من آسف شديد ما تبينه وعرفه جيداً العدو الداخلي والخارجي لهم، فاستقواء الفسدة من نخب الأوطان الحركية والسياسية بالقوى الخارجية، أمدهم بحبل من النفوذ الجهنمي، وتخلي حركيو الإسلاميين عن الأخذ بالأسباب الكافي للمواجهة البالغة التعقيد جعلهم في مرمى نيران الجمع من الناحيتين (داخلياً وخارجياً) في لحظات المواجهة التي كانت أكثر من قاسية، في عالم لا يعترف اليوم من الأساس بآليات حراك انتقالي، وإن كان عبر  الديمقراطية التي اخترع الغرب نفسه آلياتها، إن لم يكن من وراء الأمر حصافة وإحكام للعقل مع قوة وحسن تصرف، وتوقع لحدة المواجهة!

بقي أن حركات إسلامية على امتداد أرضنا العربية تواجه مواقف تحتاج إلى مراجعة، وإلى التحام يُخرج وينفض غير المخلصين من بين الصفوف، وفي نفس الوقت تجعل الحركة كلها أكثر قدرة على الإنصات والانتباه إلى كلمات مريدين الخير لها من المُنظرين، فإن اتجاهاً غالباً لدى البعض بعدم الاعتراف إلا بالحركيين..يقصي قدرات غير محدود لمفكرين وأدباء بخاصة من ذويّ القدرة مع إلمام الآخرين بالصورة على نحو كاف لمحاولة تجنب تكرار أخطاء، وقد كان الرسول، صلى الله عليه وسلم، يجعل مكانة مناسبة للصحابي "حسان بن ثابت"، الشاعر على النحو المعروف، ولمبادرات صحابة كرام، مع الفارق أشاروا عليه فوافقهم، صلى الله عليه وسلم.

إن حركات تمضي إلى الله مطالبة بمراجعة آلياتها بدقة وعلى رأسها حسن انتقاء وعلاج أفرادها، وعدم إحسان الظن بقدراتها والارتكان والتواكل، ما لم تأخذ بنصيبها من اسباب النصرة، وانتظار المعونة من الله فيما بعد، مع إتاحة المجال لذويّ القدرات، ولو كانت نظرية، للإدلاء بدلوهم في الأمور، نسأل الله أن يعين الجميع، وأن يحفظ حركة "حماس" بصيص الضوء العربي على خط المواجهة مع العدو، ورائدة الحركات الإسلامية على امتداد حدود من المحيط إلى الخليج..نحو النجاح اليوم، ولعل عيوننا تكتحل عما قريب بمثيلات لها على طريقها!