ترجمة وتحرير نون بوست

هذا الموضوع كتابة مشتركة بين راسل غولد وبيل سبندل وسمر سعيد

إن شركة "صدارة" للكيميائيات عبارة عن مشروع مشترك بين شركة الزيت العربية السعودية "أرامكو" وشركة "داو كيميكال"، ويحتوي هذا المشروع على وحدات تخزين كبيرة تقوم بتصنيع أكسيد البروبيلين، ويحتوي المشروع أيضًا على أبراج كجزء من منشأة تصنِّع البخار الذي يتم استعماله في العديد من وحدات المعالجة.

أما شركة الزيت العربية السعودية "أرامكو"، فتعدّ من أكبر منتجي النفط في العالم، وقد حافظت على تلك المكانة لمدة عقود، وتطمح هذه الشركة لأن تكون مجمعًا جديدًا للبتروكيماويات، وقد بدأت أرامكو مؤخرًا في التركيز على ضخ كميات كبيرة من النفط، شأنها شأن شركات "جون دايفسونروكفلر"، ويأتي ذلك في إطار سعي الشركة لتوسيع أنشطتها البتروكيماوية لكي تكون شركة طاقة متكاملة على غرار "إكسون موبيل".

على بعد آلاف الأميال وعلى مقربة من المدينة السعودية، الجبيل، التي تقع على الخليج العربي، يعمل جيش كامل من العمال على إنهاء إنشاء مجمع "صدارة" للبتروكيماويات الذي بلغت تكلفته 20 مليار دولار، والذي هو عبارة عن مشروع مشترك بين "داو كيميكال" و"أرامكو"، وتستخدم شركة "صدارة" مادة الإيثيان التي تنتجها شركة أرامكو، وذلك بغاية إنتاج مادة البوتادين الذي سيتم شحنها بعد ذلك إلى جميع أنحاء العالم، بما في ذلك هولندا.

تعتبر آرلاكسيوو بمثابة جسر بين طموح أرامكو لبناء إمبراطورية بتروكيمياويات وخطة تنويع الاقتصاد السعودي

وتجدر الإشارة إلى أن أرامكو إحدى أكبر الشركات القوية في العالم، والتي تتميز بمستوى عالٍ من السرية، وتخضع هذه الشركة حاليًا إلى عديد من الإجراءات على إثر تراجع إيداعاتها كنتيجة لانخفاض أسعار النفط، وهذه الإجراءات ليست إلا جزء من خطة طويلة المدى لتنويع الاقتصاد السعودي، وهي خطة تم وضعها من قبل ولي ولي العهد الذي يطمح لجعل المملكة أكبر من كونها مجرد دولة بترولية، ومن خلال دفع شركة أرامكو لتوفير مزيد من فرص العمل ولتحقيق إيرادات غير مرتبطة بالنفط، تسعى الشركة إلى توفير التمويل اللازم للمساعدة في تنفيذ "رؤية" الأمير، أما الهدف الاستراتيجي لأرامكو فيتلخص في خلق شبكة عالمية من محطات التكرير ومحطات البتروكيماويات التي تسمح للمملكة العربية بتحويل أصولها إلى مئات من المنتجات عالية القيمة في حياتنا العصرية، بداية من العلكة وصولاً إلى قطع غيار السيارات.

ولاستخراج رؤوس أموال من النفط قبل أن يتم استخراجه من أعماق الأرض، تعتزم شركة أرامكو اعتماد مناورة جديدة تتمثل في "عرض عام أولي" سنة 2018، والذي من شأنه أن يصبح الأكبر في العالم، كما أن أرامكو كانت قد أكدت أنها لا زالت تملك 261.6 مليار برميل نفط لم يتم ضخه بعد، أي ما يقارب 20 ضعف ما تملكه شركة إكسون موبيل.

وقد أدى تراجع أسعار النفط إلى عجز في ميزانية المملكة، على الرغم من أنها تُعدّ أكبر مصدر للنفط الخام في العالم، لذلك، قررت المملكة الانفتاح أكثر على الأسواق والمستثمرين الأجانب، وفي هذا السياق، قال وزير النفط السعودي ورئيس مجلس إدارة شركة أرامكو خالد الفالح في مؤتمر صحفي مع عدد من الصحفيين هذا العام إنه "سيتم تعزيز جهود شركة أرامكو، لتصبح قادرة على الوصول إلى العالمية بطرق عديدة".

لكن الشركة رفضت التحدث عن مساعيها بشكل مدقق، بل واصلت الإشارة إلى خطابات مثل تلك التي أدلى بها الرئيس التنفيذي لشركة أرامكو أمين ناصر في شهر أيلول/ سبتمبر الماضي، حيث أكد ناصر أسباب اهتمام الشركة بالتركيز على الصناعات البتروكيماوية، وقال "رائدات منطقة الخليج من البتروكيماويات لم تتعدّ سوى 2.5%، وأقل من 10% من فرص العمل في نفس المجال، وأضاف قائلاً "نظرًا لما يزخر به الخليج من نفط وغاز، إضافة إلى قربنا الجغرافي من أسواق رئيسية مثل أوروبا وآسيا، يجب العمل على تعزيز هذين العاملين لكي نستفيد منهم أكثر فأكثر".

في الواقع، يتم تجهيز شركة أرامكو لمستقبل قد يبلغ فيه النفط الخام ذروته ويصبح فيه امتلاك الاحتياطي من النفط أمرًا غير مهم، وحتى وإن ارتفع معدل استعمال السيارات الكهربائية واستخدام الوقود البديل، فإنه من المرجح أن يبقى الطلب على البتروكيماويات في ارتفاع مستمر، ومن خلال تطوير الشركة لمزيد من الصناعات الكيميائية، فإنها ستكون قادرة على خلق مزيد من فرص الشغل ومزيد من الإيرادات للمملكة التي اضطرت مؤخرًا إلى إصدار 17.5 مليار دولار في شكل سندات، وذلك في محاولة لدعم مواردها المالية.

لشركة أرامكو جذور في شركة "تكساكو" وشركة "ستاندارد أويل" في كاليفورنيا، والتي شكلت شراكة ساعدت في إيجاد عدد كبير من مصادر النفط في شبه الجزيرة العربية

ومن المرجح أن عملية تجديد شركة أرامكو كشركة عامة تستثمر في إنتاج البنزين والديزل والمواد الكيميائية المتخصصة قد يعني تخلي المملكة العربية عن دورها كرئيس فعلي لمنظمة البلدان المصدرة للبترول، فتاريخيًا، تمكنت المملكة، من خلال شركة أرامكو، من زيادة الإنتاج عند ارتفاع الأسعار وتقييد العرض إذا ما تراجعت الأسعار، وللتمكن من ذلك، أبقت شركة أرامكو على الطاقة الإنتاجية الفائضة، الأمر الذي أغضب بعض الشركاء.

ومن غير الواضح كم هو حجم التغييرات الذي ستنفذ في شركة أرامكو وفي الاقتصاد السعودي ككل، فالحكومة السعودية تعتمد بشكل أساسي على النفط لتحقيق الإيرادات، ولئن تحدثت الحكومة عن حاجتها لتنويع مصادر الإيرادات، لكن لم يتم تحقيق أي تغيير، بالإضافة إلى أن استراتيجية الامتلاك المباشر لمزيد من المصانع البتروكيمياوية لخلق منافذ لمنتجات النفط الخام والمكرر، لطالما تم اتباعها من قبل كبار الشركات مثل "إكسون موبيل و"رويال داتش شل"، في هذا السياق، قال ماتياس زاشيرت، رئيس شركة لانكسيس، إحدى شركاء أرامكو، إن "أرامكو هي الأفضل في مجال النفط، وهم يريدون الآن التطور في مجال الكيمياء، لكن من غير الممكن أن تنشأ شركة كيميائية رائدة بين عشية وضحاها".

ويقول العديد من المستشارين المشاركين في عملية التخطيط للعرض العام الأولي إن الخطط الاقتصادية الجديدة معقدة للغاية وقد تتعدى سنة 2018 لتأتي أُكلها، كما أنه سيتم عرض 5% من أسهم الشركة للبيع، علمًا وأن قيمة أرامكو قُدّرت بما يتراوح بين 2 و3 تريليون دولار، لذلك، فإن الشركة قد تضطر إلى عرض الأسهم في عدة بورصات ومواجهة عدة قواعد مالية، الأمر الذي يعد تحديًا بالنسبة للبنوك، وفقًا للمستشارين وذلك لأن الشركة والمملكة مترابطان، لكن بطريقة غير علنية.

دور الأمير

قالت أرامكو إنها ستبدأ في الإفصاح عن بياناتها المالية في سنة 2017، لكن عملياتها وتركيبة مجلس إدارتها ستبقى محاطة بالسرية، وذلك لأن المجلس لا يحتوي على أي عنصر النسائي وفيه عدد قليل فقط من الأجانب.

وكان الملك سلمان بن عبد العزيز قد أحدث تغييرات في تركيبة النخبة الحاكمة في المملكة، وذلك بغية منح ابنه، ولي ولي العهد محمد بن سلمان، مزيد من السلطة، وقد بدأ الأمير محمد في العمل على خطة تم وضعها من قبل شركة ماكينزي بغاية إنقاذ البلاد من اعتمادها الكلي على النفط، وفي شهر آذار/ مارس الماضي، اقترح الأمير إقامة عرض عام أولي ونقل العائدات لصندوق السيادة بغاية الاستثمار في القطاعات الأخرى.

وقد تبدو خطة ولي ولي العهد، البالغ من العمر 31 سنة، تحديًا للنظام القائم في السعودية، وقد يكون من الصعب إحداث أي تغيير، على حد قول عدد من المقربين من العائلة الحاكمة، كما أن منح المساهمين سيطرة جزئية على احتياطي النفط في السعودية قد يكون أمرًا صعبًا، نظرًا لأن سيطرة المملكة على تلك الأصول كانت لحظة حاسمة بالنسبة للسعودية.

وتجدر الإشارة إلى أن الأمير يعمل حاليًا مع الفالح ومع دائرة ضيقة من المستشارين، وذلك بهدف رسم مستقبل جديد لأرامكو وللاقتصاد السعودي ككل، وذلك وفقًا لمطلعين على المحادثات الدائرة حاليًا، وتتخذ هذه المجموعة عدة قرارات تتعلق بأرامكو.

وقد راجت أنباء عن أن أعضاء مجلس إدارة الشركة علموا بخطة العرض العام الأولي من وسائل الإعلام، ولم يتم إبلاغهم من قبل الفالح أو ناصر، وهو ما تحدث عنه أحد المسؤولين في الشركة قائلاً: "في بعض الأحيان، حتى الرئيس التنفيذي لا يكون على علم بالتغييرات التي تحدث"، وقد رفض كل من ناصر والفالح التعليق عن هذا الأمر كما رفض المتحدث باسم الأمير التحدث عن الموضوع.

في الواقع، فإن شركة أرامكو قادرة على إنتاج 5.4 مليون برميل في اليوم لفائدة الأسواق التي تعتبر من أهم عملاء المملكة، كالصين والولايات المتحدة وكوريا الجنوبية واليابان والمملكة نفسها، كما أن كلفة استخراج الشركة للنفط لا تزال الأقل في العالم، فالتكلفة لا تتعدى 6 دولارات للبرميل الواحد، مقارنة بحوالي 10 دولارات في ولاية تكساس مثلاً، وذلك وفقًا لوود ماكنزي، المستشار في مجال النفط.

من غير الواضح كم هو حجم التغييرات التي ستحدث في شركة أرامكو وفي الاقتصاد السعودي ككل

وكانت شركة أرامكو قد شاركت في شهر أيلول/ سبتمبر الماضي بمعرض في البحرين متعلق بتكرير النفط وبالصناعات البتروكيماوية، وهي مجالات تعتزم السعودية التوسع فيها، كما أدت هذه الفلسفة بأرامكو إلى قطع شراكة استراتيجية مع شركة "موتيفا" دامت عقدين والتي كانت تربط أرامكو بشركة "شال"، وقد شرعت شركة "موتيفا" في شراء النفط الخام من الولايات المتحدة، التي تعد في منافسة مع النفط السعودي.

وفي هذا السياق، قال المتحدث باسم "شال" راي فيشر، إن إنهاء مثل هذه الشراكة الطويلة والتي تميزت بعديد من الأصول يعد "عملية معقدة للغاية تنطوي على عديد من التعديلات التي يجب أن تتم قبل أن يتم إنهاء الاتفاقية بشكل نهائي"، هذا إضافة إلى أن انتهاء الشراكة سيساعد أرامكو على ترسيخ مكانتها في الولايات المتحدة، فبإمكانها شحن البنزين ووقود الطائرات والديزل إلى قواعد عسكرية في ولاية فرجينيا والمطارات في واشنطن العاصمة، وذلك عبر "بورت أرثر".

كما سيؤدي انتهاء هذه الشراكة إلى تحرر أرامكو من بعض القيود التي تفرضها الشراكة مع شركة "موتيفا"، مما سيمكنها من التوسع على الساحل الغربي الأمريكي، كما أن أرامكو تطمح لشراء مصفاة كبيرة تقع على ساحل الخليج الأمريكي أو ربما شراء حصة في مصفاة، وذلك وفقًا لمقربين من الشركة، أما الآن، فإن الشركة تتفاوض مع شركة النفط الوطنية الماليزية "بتروناس"، للعمل معًا على مشروع تكرير نفط وبتروكيمياويات بتكلفة تبلغ 21 مليارًا، وذلك وفقًا لتقرير نشرته صحيفة وول ستريت جورنال في شهر تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، إذ سيكون المشروع في إطار شراكة وسيكون بمثابة جسر آسيوي بالنسبة للشركة السعودية.

هذا بالإضافة إلى أن شركة أرامكو تملك حصة في الشركة الصينية العملاقة "فوجيان" للتكرير والبتروكيماويات والتي تستورد النفط السعودي وتحوّله إلى بنزين وبلاستيك.

جذور أرامكو

لشركة أرامكو جذور في شركة "تكساكو" وشركة "ستاندارد أويل" بكاليفورنيا، والتي شكلت شراكة ساعدت في إيجاد عدد كبير من مصادر النفط في شبه الجزيرة العربية، ثم، وبداية من أوائل سبعينيات القرن الماضي، بدأت السعودية في شراء أسهم شركة "ستاندرد أويل" وبعد قرابة عشر سنوات، تمكنت أرامكو من شراء الشركة كلها وغيرت اسمها لتصبح "أرامكو".

وفي سنة 1991، بدأت شركة أرامكو بالبحث في الخارج وقامت لاحقًا بشراء حصة في مصفاة كوريا الجنوبية، وبدأت في تزويد المصفاة بالنفط الخام لمدة عقدين، ثم تمكنت أرامكو من شراء وبناء مصافي أخرى، ومع ذلك، فإن أرامكو لم تتعدّ كونها شركة مركزة على إنتاج النفط الخام، لكن أول تغيير ظهر سنة 2011 عندما وافقت كل من شركة أرامكو وداو كيميكال على إنشاء "صدارة"، التي تعد من أكبر المجمعات البتروكيماوية في العالم.

بعد توقيع الاتفاق، بدأ الفالح الرئيس التنفيذي لشركة أرامكو، بتوضيح رؤيته قائلاً: "صدارة ستصبح الشركة الرائدة في مجال الطاقة المتكاملة في العالم بحلول سنة 2020"، لكن مبيعات النفط في السعودية واجهت العديد من الضغوط بداية من سنة 2012 عندما تراجع الطلب على النفط وعندما أصبحت السعودية في منافسة مع نيجيريا وأنغوليا، كما أن عديد من الدول قررت الحد من استخدامها للوقود الأحفوري.

أدى تراجع أسعار النفط إلى عجز في ميزانية المملكة، على الرغم من أنها تُعدّ أكبر مصدر للنفط الخام في العالم،  لذلك، قررت المملكة الانفتاح أكثر على الأسواق والمستثمرين الأجانب

وبداية من سنة 2014، بدأت أسعار النفط بالتراجع، بالتالي، اقترح زاشرت، رئيس الشركة الكيميائية لانكسيس، شراكة أوروبية مع أرامكو، حيث قال متحدثًا عن هذه الشراكة: "أرامكو أدركت الأساس المنطقي والاستراتيجي القوي للصفقة، وقد تم التوقيع على الصفقة في وقت قياسي"، وعلى إثر هذه الصفقة، دفعت أرامكو حوالي 1.2 مليار دولار لفائدة لانكسيس، وامتلكت بالتالي 50% من أصول الشركة التي أصبح اسمها أرامكو، ويقع مقرها في هولندا، وبالتالي، انتقل ثلاثة مسؤولين تنفيذيين لأرامكو إلى هولندا للوقوف على أنشطة الشركة ومصانعها العشرين التي تقع في كل من أمريكا اللاتينية وأمريكا الشمالية وأوروبا وآسيا.

وقد بدأت "صدارة" العمل مع شركة المطاط الاصطناعي آرلاكسيوو، وستقوم بتزويدها بالمواد الأولية، وتعتبر آرلاكسيوو بمثابة جسر بين طموح أرامكو لبناء إمبراطورية بتروكيمياويات وخطة تنويع الاقتصاد السعودي، ويبقى الهدف هو أن يتم جذب الشركات التي ستستخدم منتجات صدارة وتستفيد من بنيتها التحتية.

وكان سفير الولايات المتحدة لدى المملكة العربية السعودية في عهد الرئيس جورج بوش، روبرت جودرون قد صرح أن التغييرات في شركة أرامكو تجهز المملكة للخروج من الماضي، وأضاف قائلاً: "قد يكون للسعودية ما يكفي من النفط لعصر النفط، إلا أن عصر النفط ربما أوشك على النهاية".

المصدر: وول ستريت جورنال