الصورة: مدينة الفلوجة، محافظة الأنبار العراقية

على إثر قيام القوات الأمنية العراقية، يوم 30 كانون الأول / ديسمبر 2013، باقتحام ساحة اعتصام الرمادي، وتفريق المعتصمين بالقوة، اندلعت مواجهات مفتوحة بين قوات الجيش والأجهزة الأمنية التي تساندها من جهة، ومسلحين من أبناء عشائر محافظة الأنبار من جهة أخرى. وعلى الرغم من التعتيم المفروض على هذه المواجهات، فإنه غدَا واضحًا، حقيقةً، المأزق الذي تواجهه القوات الحكومية في محيط أصبح معاديًا لها كليًّا. وقد دفع هذا الهجوم ببعض المراجع الدينية السنية، تحديدًا: الشيخ عبد الملك السعدي والشيخ رافع الرفاعي مفتي الديار العراقية، إلى إصدار بيانات شديدة اللهجة تتهم رئيس الحكومة نوري المالكي باتباع سياسات طائفية، وتدعو إلى التصدي للقوات المهاجمة. كما قدّم 44 برلمانيًّا عراقيًّا من السنّة استقالاتهم إلى رئيس مجلس النواب، وجاء في بيان الاستقالة الجماعية أنّ مواجهات الأنبار تمثل "حربًا بعيدةً عن الإرهاب، وهي بالتأكيد ليست حرب الجيش ضد الشعب، وليست حرب الشيعة ضد السنة، إنها حرب السلطة، حرب الامتيازات السياسية".

وقد تفاقم الموقف في محافظة الأنبار المنتفضة منذ نحو عام مع خمس محافظات عراقية أخرى (ديالى وصلاح الدين والموصل، وقطاع واسع من كركوك، فضلًا عن العاصمة بغداد) للمطالبة بحقوقٍ سياسيةٍ وخدميةٍ ومعيشيةٍ. ويأتي في مقدمة مطالب المنتفضين وقف التمييز الطائفي الذي تتعرّض له المكونات السنية العراقية وإلغاء ما يعرف بالمادة "أربعة إرهاب" في القانون العراقي، التي يطلق عليها المحتجون تهكمًا اسم "أربعة سنّة"؛ للتعبير عن الشعور السائد بأنها تستهدف العرب السنة. كما يطالب المحتجون بإلغاء قانون المساءلة والعدالة الذي حلّ محلّ قانون اجتثاث البعث.

وعلى الرغم من أنّ مطالب المنتفضين كانت تشمل ما يعانيه العراقيون كافة من التهميش والفساد المالي والإداري وغياب الخدمات، فإنّ الحكومة أصرّت على أنها مطالب ذات أهداف طائفية (سنية) من أجل تحييد المكوّن الثاني من مكوّنات عرب العراق وهو المكوّن الشيعي، وذلك بتغذية مخاوفه وتهويلها من خلال الإيحاء بعودة "الهيمنة السنية" على الدولة التي يسعى لها حزب البعث وتنظيم القاعدة (على الرغم من التناقض والتنافر بينهما).

وقد تمكن المالكي نتيجة هذا الخطاب - مستفيدا من ممارسات القاعدة وتفجيراتها - من تعميق الهوة بين سنة العراق وشيعته. خاصة أنه (المالكي) في حاجة إلى عملية كبرى يستطيع من خلالها تقديم نفسه مرةً أخرى على أنه رجل العراق القوي، والمدافع الأول عن شيعة العراق أمام "الوهابيين / الإرهابيين / التكفيريين / البعثيين" (وقد أصبحت عنده هذه تسميات تطلق على أهل السنة من دون تمييز عمومًا). فهؤلاء، بحسب المالكي، يريدون "استعادة السلطة وإعادة إنتاج المقابر الجماعية". وكان اعتقال أحمد العلواني شخصيًّا السلَّم الذي أراده المالكي للوصول إلى فوز كبير ومن ثمَّة العودة بولاية ثالثة عن طريق تجييش الشيعة ومداعبة مشاعرهم، إن جرت الانتخابات في موعدها.

وهنا محاولة لفهم الوضع في الأنبار بالنظر إلى الأبعاد الاستراتيجية للأزمة خاصة علاقتها بالأحداث في سوريا

فسياق الأحداث تعود مقدماته إلى بداية الثورة السوريّة، عندما أخذت السلطة الحاكمة في بغداد تتحسّب من تداعيات الثورة على الوضع العراقي الداخلي؛ فأضفت عليها تفسيرًا طائفيًا كإجراء احترازي، وتوقعت أن تمتد تداعياتها إلى محافظات العراق الغربية الثلاث المجاورة لسورية، وهي الأنبار، ونينوى (الموصل)، وصلاح الدين، ثم تنتشر منها باتجاه ديالى وكركوك وبغداد وجوارها. وتوقعت السلطة الحاكمة وأحزابها السياسية أن تنشأ وحدة "سنية" الطابع بين محافظات العراق الغربية والوسطى وبين الثورة السوريّة. وقد صرّح باقر صولاغ، أحد قياديي التحالف الوطني العراقي (الشيعي)، بأنّ القتال سينتقل إلى أسوار بغداد لو أتيح للثورة السوريّة أن تنتصر.

ويُفهم من ذلك أنه ثمة تحسّب كبير لدى الحكومة العراقية من انتصار الثورة السوريّة، وحذر أكبر من احتمال انتقالها إلى العراق، وما يترتب على ذلك من تداعيات إستراتيجية كبيرة على وضع إيران الإقليمي، وإمكانية انقطاع الرابط الجيوبولتيكي الحيوي الذي يربط "الرأس" الإيراني بامتدادات مصالحه الأمنية وغيرها في سورية ولبنان. وفي هذا الإطار، تشكّل الأنبار الحلقة الأضعف في هذا الرابط الطبيعي الذي أنشأته إيران مستفيدة من ظروف الاحتلال الأميركي، وسيطرة الأحزاب التي تدين لها بالولاء على مقاليد الأمور في العراق، وتجمع بين تحالفها مع إيران والتحالف مع الولايات المتحدة.

لقد كان خط الاتصال البريّ بين العراق وسورية الذي تمر عبره الإمدادات من إيران لنظام بشار الأسد مهددًا من قبل فصائل المعارضة السوريّة بسبب القتال الدائر في مناطق شرق سورية، لكنّ هذا الطريق لم يعد آمنًا مطلقًا منذ اندلاع انتفاضة الأنبار في كانون الأول/ ديسمبر 2012؛ إذ تصدى الثائرون في الأنبار مرات عديدة لأرتال عسكرية كانت تهدف إلى اختراق طريق المرور السريع الدولي متجهة صوب منطقة الحدود مع سورية، لأنّ تلك الطريق جرى قطعها قبل وصولها الفلوجة، وكذلك في الرمادي .

وفي العموم تعاني سيطرة الحكومة على الطرق الخارجية اختلالات كبيرة نتيجة مرور معظمها في مناطق تقطنها أغلبية معارضة؛ فمحافظة ديالى – مثلًا - الواقعة إلى الشرق من بغداد تسيطر على خط المواصلات الإستراتيجي الذي يربط العراق بإيران. ومن هنا، نجد سعي الحكومة للسيطرة على هذه المحافظة بالوسائل كافة، بما فيها التهجير على أساس طائفي عند المفاصل الحيوية على هذه الطريق، وبخاصة في منطقة المقدادية ذات الأغلبية السنية، والتي تبعد 50 كيلومترًا فقط عن خط الحدود الدولي مع إيران. أطلقت الحكومة في هذه المنطقة يد الميليشيات لتنفيذ التهجير الطائفي في محاولة لإحكام السيطرة على الطريق الدولي التي تربط العراق بإيران فور خروجها من سلسلة جبال حمرين التي تقع إلى الشرق من المقدادية. ويصح الشيء نفسه على الطريق التي تربط بغداد بالموصل؛ إذ إنها تخترق مناطق تقطنها عشائر (سنية)، بالإضافة إلى الطريقين اللتين تربطان بغداد بالبصرة عبر محوري الفرات ودجلة، فهما تخترقان مناطق تقطنها أغلبية سنية على امتداد مسافة 50 كيلومترًا من بغداد.

يمثل احتمال قطع الطرق الخارجية تهديدًا إستراتيجيًا لقدرة الحكومة الحالية على فرض سلطتها في أنحاء العراق. وقد شكلت الأنبار تحدٍ كبيرٍ في هذا السياق خاصة بعد الانتفاضة؛ إذ جرى قطع الطريق الدولية على فترات. كما جرى قطعها مجددًا كرد فعل على التدخل العسكري الأخير لقوات رئيس الوزراء نوري المالكي من مداخل الفلوجة الشرقية (60 كيلومترًا إلى الغرب من بغداد).

ويجد المالكي في تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام "داعش" ظهيرًا كبيرًا في محاولاته تقسيم الصف العشائري في المنطقة؛ إذ شكّل دخول التنظيم في الأزمة ومحاولة استغلالها ضربةً كبيرةً للانتفاضة الشعبية في الأنبار.

يبقى القول أنه على الرغم من أنّ المالكي تمكّن بالتعاون مع بعض حلفائه في محافظة الأنبار من إخلاء ساحات الاعتصام، فإنّ الأزمة لا تبدو أنها في طريقها إلى الحلّ، بل إلى مزيد من التعقيد؛ إذ إنّ دخول "داعش" في الأزمة، وفي المدن تحديدًا، سيشكِّل مبررًا لحلفاء المالكي وفي مقدمتهم الحزب الإسلامي والصحوات السابقة لطلب النجدة من الحكومة، ما سينقل الأزمة من استقطابها الثنائي الراهن (أهالي الأنبار مقابل حكومة المالكي) إلى أزمة متعددة الأبعاد أطرافها: المالكي وحلفاؤه المحليون، وداعش، والمنتفضون، وعموم أهالي الأنبار الذين يتخوفون من انتقال القتال إلى داخل المدن. إنّ عودة المالكي عن قراره سحب الجيش، وإعادة زجه من جديد داخل المدن، وتدّخل داعش في الصراع الدائر بين الحكومة وأهالي الأنبار، يشكّل مزيجًا متفجرًا تزداد خطورته مع اقتراب موعد الانتخابات البرلمانية. 

المصدر: المركز العربي للأبحاث والدراسات السياسية (١) (٢)