لم يكن أمام البنك المركزي في مصر أي خيارات سوى اتخاذ قرار بتعويم الجنيه وترك تحديد سعره لآليات السوق، أو اتخاذ قرارات طوعية متتالية بخفض سعر الصرف، وسبب ذلك أن خزائن البنك المركزي لم يعد فيها من العملة الأجنبية والذهب ما يكفي لإسناد العملة المحلية، ولا ما يكفي لتغطية الطلب المتزايد على الدولار، في الوقت الذي تراجعت فيه إيرادات العملة الصعبة بسبب العجز في الميزان التجاري وبسبب انهيار القطاع السياحي.

وكان من المفترض أن يهبط الجنيه فور تعويمه إلى مستويات أسوأ مما حدث، حيث كان المفترض أن يصبح الدولار عند مستويات الـ20 والـ22 جنيها، لكنه لم يتدهور إلى هذا المستوى بسبب أن "المركزي" ضخ أكثر من 100 مليون دولار في السوق المحلية صباح يوم التعويم وأمر البنوك المحلية ببيع هذه الدولارات لمن يطلبها شريطة عدم تحقيق أرباح فيها تزيد عن 10%، ما يعني أنه تدخل في السوق وفرض بيع الدولار بأسعار متدنية، وهذه عملية مضاربة قامت بها الحكومة للحد من انهيار العملة ووقف ارتفاع الدولار إلى مستويات قياسية. 

انهيار الجنيه سيؤدي إلى ارتفاع كبير في مستويات التضخم، وهذا يعني أن مصر ستكون أمام المزيد من الخلل في توزيع الثروات بين الناس

في اليوم الأول لتعويم الجنيه المصري انخفض سعر صرفه الرسمي أمام العملات الأجنبية بنحو 65%، وأسباب الهبوط أصبحت معروفة ومعلومة؛ فاحتياطي النقد الأجنبي في مصر هبط من 36 مليار دولار في يناير 2011 الى 16 مليار دولار قبل شهور، وحاليا يترنح حول الـ19 مليارا. أما المديونية الخارجية فارتفعت إلى أعلى مستوياتها في تاريخ مصر، حيث بلغت الشهر الماضي 55.7 مليار دولار. هذا فضلا عن انهيار القطاع السياحي الذي كان يضخ على الاقتصاد المصري ما بين 9 و11% من إيرادات النقد الأجنبي، وكذلك تعمّق العجز في الميزان التجاري بسبب تراجع الإنتاج في مصر وبالتالي تراجع الصادرات، مقابل زيادة في واردات البلاد بما في ذلك واردات السلاح التي تتم عبر صفقات بالدولار الأمريكي واليورو الأوروبي.

ليس مهما اليوم ما هي أسباب انهيار الجنيه المصري ما دامت معروفة لمن يقرأ ويتابع بيانات الاقتصاد المصري، لكنَّ المهم اليوم هو الإجابة على سؤال ما بعد التعويم، وهو: ما هي الأزمات التالية لانهيار الجنيه في مصر؟ وكيف سيتأثر المصريون بقرار التعويم؟

ليس من الصعب اليوم الاستنتاج بأن أموال المصريين تبخرت وتتبخر وهي في جيوبهم، فأموالهم فقدت أكثر من 65% من قيمتها خلال ساعات، ومن يملك ألف جنيه مصري -على سبيل المثال- فقد كانت تساوي (في السوق الرسمي) قبل التعويم 112 دولارا، أما يوم التعويم (3 نوفمبر 2016) فأصبحت تساوي 55 دولارا فقط!

آثار قرار تعويم الجنيه المصري، أو أزمات ما بعد التعويم، أو أزمات ما بعد انهيار سعر الصرف في مصر يمكن إجمالُها ببساطة في الأمور التالية:

أولا: انهيار الجنيه سيؤدي إلى ارتفاع كبير في مستويات التضخم، وهذا يعني أن مصر ستكون أمام المزيد من الخلل في توزيع الثروات بين الناس، لأن الأثرياء ورجال الأعمال الذين يدخرون أموالهم بالعملة الأجنبية ستزيد إمكاناتهم المالية، بينما سيزداد الفقراء فقرا، ويهوي أبناء الطبقة المتوسطة إلى ما دون خط الفقر، وتتآكل القدرة الشرائية للأموال التي في أيدي البسطاء.

ثانيا: ارتفاع جنوني في الأسعار، فهبوط سعر صرف الجنيه بنسبة 65% لا يعني أن السلع سترتفع أسعارها بهذه النسبة، بل إن العديد من السلع الأساسية والمواد المستوردة من الخارج سترتفع أسعارها بنسب تصل إلى 200% و300%، وهذا يعني أن ملايين الموظفين المحليين سينزلقون نحو أزمات مالية ومعيشية، إذ لا يوجد شركة ولا مؤسسة ولا هيئة، سواء حكومية أو خاصة، يمكن أن ترفع رواتب موظفيها بما يعوض هذه النسب في ارتفاع الأسعار.

ثالثا: الأهم من ذلك هو أموال المصريين ومدخراتهم بالعملة المحلية، حيث رفع المركزي المصري أسعار الفائدة على الجنيه بنسبة 5% فقط، وهذه الخمسة بالمئة تستحق الدفع على الوديعة بعد سنة من الآن، بينما خسر أصحاب هذه الودائع 65% من قيمتها خلال يوم واحد، أي أن الحكومة أخذت 65% من أموال الناس في يوم واحد، ثم عوضتهم عنها بـ5% موزعة على سنة كاملة!!

رابعا: الآن وبعد تعويم الجنيه المصري يتبين حجم الخديعة التي تعرض لها 1.1 مليون مواطن مصري تدافعوا في شهر سبتمبر 2014 لشراء شهادات الاستثمار في قناة السويس، حيث دفعوا حينها للحكومة 64 مليار جنيه، على أن الفائدة السنوية لشهادة الاستثمار في قناة السويس تبلغ 12% فقط، واستحقاق السداد بعد خمس سنوات (2019)، يومها كانت الـ64 مليار جنيه تساوي 9 مليارات دولار أمريكي، أما اليوم فهذه الـ64 مليارا أصبحت تساوي أقل من 4 مليارات دولار فقط!

وإضافة إلى الهبوط في سعر صرف الجنيه المصري، فإن الفائدة على شهادة الاستثمار في قناة السويس تبلغ 12% سنويا، بينما الفائدة اليوم على الوديعة البنكية التقليدية بالجنيه المصري تتجاوز 15%، ما يعني أن هذه الشهادات الاستثمارية تتبخر وتتراجع قيمتها، والاستثمار فيها يعني الخسارة المؤكدة، حيث يوجد مليون و100 ألف مصري تبخرت أموالهم في هذه الاستثمارات الخاسرة!

هبوط سعر صرف الجنيه بنسبة 65% لا يعني أن السلع سترتفع أسعارها بهذه النسبة، بل إن العديد من السلع الأساسية والمواد المستوردة من الخارج سترتفع أسعارها بنسب تصل إلى 200% و300%

وبطبيعة الحال، من المهم الإشارة إلى أن مشكلة شهادات استثمار قناة السويس أنها تختلف عن السندات التقليدية التي تصدر عن الحكومات في مختلف دول العالم، فهي غير قابلة للتداول أو البيع أو نقل الملكية، وهو ما يجعل صاحبها مضطرا للانتظار خمسة سنوات حتى يسترد قيمتها الأصلية، وطوال الخمس سنوات يحصل على فائدة 12% سنويا عليها، ما يعني أن من استثمر في قناة السويس 100 جنيه مصري سوف يسترجع 160 جنيها بعد مرور خمس سنوات، بينما في الحقيقة يكون قد دفع 14 دولارا في عام 2014 واستردها 10 دولارات بعد خمس سنوات!

خلاصة القول، هو أن تعويم الجنيه ليس سوى خطوة للهروب إلى الأمام، وليس حلا للأزمة الاقتصادية، فالأزمات القادمة ستكون أعمق بكثير، إذ أن أسعار السلع والمواد التموينية والمحروقات والخدمات سترتفع بنسب جنونية، والوضع المعيشي للسكان سيتدهور، والقدرة الشرائية للجنيه ستتآكل، وملايين جديدة من المصريين سوف تنزلق إلى ما دون خط الفقر، أما الأموال والمدخرات والاستثمارات المحلية فتتبخر تدريجيا، بما في ذلك أولئك الذين تدافعوا في العام 2014 على الاستثمار في قناة السويس والذين فقدوا اليوم رؤوس أموالهم وأرباحهم معا، وأصبحت الفوائد على حسابات التوفير والودائع في البنوك أفضل من الأرباح على شهادات الاستثمار التي يحملونها!

المصدر: عربي 21