مخاوف من فشل مسار العدالة الانتقالية في تونس

تعالت الأصوات في تونس بعد جلسات الاستماع العلني لشهادات ضحايا الاستبداد والقمع في عهدي بن علي و بورقيبة، منادية بضرورة اعتراف مرتكبي هذه الجرائم بجرائمهم و الاعتذار عنها حتى تتحقق المصالحة الوطنية الشاملة.

مطالب بالاعتراف و الاعتذار

كانت أخر هذه الدعوات ما صدر عن زعيم حركة النهضة الاسلامية في تونس، الشيخ راشد الغنوشي، مساء أمس الخميس، حيث دعا الغنوشي، مرتكبي الانتهاكات ضد حقوق الإنسان في بلاده في العهد الماضي إلى الاعتراف بجرائمهم والاعتذار عنها. ودعا الغنوشي "كل من تورط في الانتهاكات البغيضة إلى الاعتراف والاعتذار وطي صفحة الماضي." مبينا أن الجميع يحتاج الذهاب إلى حمام العدالة الانتقالية كي يتطهر.

و أكّد الغنوشي، أهمية انطلاق جلسات الاستماع لضحايا القمع والاستبداد. وقال "لا شك أن الانطلاق في جلسات الاستماع لضحايا الاستبداد في إطار العدالة الانتقالية خطوة تاريخية في هذا الاتجاه... تونسيون و تونسيات يعيدون كتابة تاريخ البلاد بلا تزويق ولا مساحيق ولا شعارات بعد أن جثمت على الصدور تلك الشعارات ولم تسلم من شرها عائلة سياسية من اليوسفيين إلى اليساريين إلى القوميين إلى الاسلاميين ولم يسلم الدساترة أنفسهم من شر تلك الشعارات". وسبق للغنوشي أن أطلق، خلال فعاليات المؤتمر العاشر لحركة النهضة في مايو الماضي، مبادرة للمصالحة الوطنية الشاملة، دون تقديم تفاصيل هذه المبادرة.

أعرب، براهم، عن استعداده للمسامحة والتجاوز عن جميع صنوف الأذى التي لحقته إذا اعتذر مرتكبو التعذيب عن أفعالهم.

وعقدت "هيئة الحقيقة والكرامة" المكلفة بتطبيق قانون العدالة الانتقالية في تونس، يومي 17 و18 نوفمبر الجاري أولى جلسات الاستماع العلنية لضحايا انتهاكات حقوق الإنسان بين 1955 و2013. ووُصفت جلسات الاستماع -التي حضرها سياسيون وحقوقيون ونقابيون إلى جانب بعض الضحايا وأسرهم- بأنها حدث تاريخي بامتياز. وتأتي مرحلة الاستماع العلني بعد أن استمعت هيئة الحقيقة والكرامة -التي أنشئت في ديسمبر/كانون الأول 2013- إلى حوالي 11 ألف ملف، في سرية تامة وراء أبواب مغلقة طيلة ثلاث سنوات.

وكان الباحث الأكاديمي سامي براهم، الذي تحدث في شهادته، عن فترة اعتقاله في بداية تولي بن علي الحكم، حيث تعرض لأنواع شتى من التعذيب، توجه بنداء إلى جلاديه بطلب الغفران، وأن يمثلوا أمام الهيئة ليقدموا تفسيراتهم ومبررات عن أفعالهم الشنيعة لتطوى صفحة سوداء من تاريخ تونس. وأعرب عن استعداده للمسامحة والتجاوز عن جميع صنوف الأذى التي لحقته إذا اعتذر مرتكبو التعذيب عن أفعالهم.

مساع لإرباك مسار العدالة الانتقالية في تونس

تعتبر جلسات الاستماع العلنيّة إلى ضحايا بن علي وبورقيبة علامة فارقة للتوصل إلى صلح حقيقي بين كل التونسيين، لكن ذلك يبقى مشروطا بحضور المذنبين والجلادين والإقرار بأخطائهم، حسب عديد الخبراء. وترى "هيئة الحقيقة والكرامة" هذه الجلسات فرصة تاريخية لتعزيز مسار العدالة الانتقالية في البلاد، وتتويجا لجهود الهيئة التي استمرت ثلاث سنوات في فحص آلاف ملفات ضحايا عهود الاستبداد السابقة.

وتشرف الهيئة، التي تعدُّ إحدى ثمار الثورة التونسية، على تطبيق قانون العدالة الانتقالية للنظر فيما يتردد عن تجاوزات حقوق الإنسان بين 1 يوليو 1955 (تاريخ صدور القانون والاستقلال)، ثم فترة حكم الحبيب بورقيبة (1957 - 1987)، تليها فترة رئاسة زين العابدين بن علي (1987- 2011)، وانتهاء بحكومة الترويكا (2011- 2013).

واستنادا إلى الفصل الثامن من قانون العدالة الانتقالية، الصادر في 2013، تتمثل الانتهاكات في القتل العمد أو الاغتصاب والعنف الجسدي والتعذيب والاختفاء القسري والإعدام من دون توفر ضمانات المحاكمة العادلة، إضافة إلى انتهاكات متعلقة بتزوير الانتخابات، وبالفساد المالي، والاعتداء على المال العام، والدفع إلى الهجرة الاضطرارية لأسباب سياسية.

واجهت هيئة الحقيقة و الكرامة منذ احداثها سنة 2013، هجمات كبيرة وصلت حدّ التشكيك فيها والمطالبة بحلها

جلسات الاستماع العلنية لضحايا الاستبداد، شهدت غياب الرئاسات الثلاث في تونس (رئيس الحكومة، رئيس البرلمان، رئيس الجمهورية). ويؤكد غيابهم، حسب عديد المراقبين، وجود إرادة سياسية لإرباك مسار العدالة الانتقالية في تونس وإفشاله.

وواجهت هيئة الحقيقة و الكرامة منذ احداثها سنة 2013، هجمات كبيرة وصلت حدّ التشكيك فيها والمطالبة بحلها. وكثيرا ما هاجم رئيس تونس وهو في الرئاسة أو قبل تقلده المنصب، هيئة الحقيقة، وسبق له أن قدم مشروع قانون للمصالحة الاقتصادية، وهو ما اعتبرته سهام بن سدرين، رئيسة الهيئة، محاولة لسحب البساط من تحت أقدام الهيئة، وضرب مسار العدالة الانتقالية في العمق.

ومن المنتظر أن تعقد جلسات علنية أخرى في 17 ديسمبر/كانون الأول و14 يناير/كانون الثاني، وهما تاريخان يرمزان إلى اندلاع الثورة التونسية. ومن المنتظر أن تعقد جلسات مصالحة علنية يقدم خلالها مرتكبو الانتهاكات اعتذاراتهم.

مصاعب تواجه رد الاعتبار للضحايا

تحاول هيئة الحقيقة والكرامة إقرار تعويض للضحايا، غير أن هذه المهمة تواجهها الكثير من العراقيل، وفي ديسمبر 2013 صادق المجلس الوطني التأسيسي على إحداث "صندوق الكرامة ورد الاعتبار لضحايا الاستبداد" بالتعويض للضحايا. غير أن هذا الصندوق لم يرى النور بعد، وهو ما دفع المتمتعين بالعفو التشريعي العام إلى تنفيذ وقفات احتجاجية متكررة و اعتصامات متتالية للمطالبة بتفعيل الصندوق.

وكان من المفروض أن يتم تمويل ميزانية الصندوق عن طريق هبات وتبرّعات من جهات محلية أو جهات دولية، أو من ميزانية الدولة حال توفر فائض لذلك، حسب مسؤولين تونسيين.

ينص الفصل الثاني من هذا المرسوم على أنه "لكل من سيشملهم العفو العام (..) الحق في العودة للعمل (الذي فصلوا منه) وفي طلب التعويض

وفي 19 فبراير 2011 أصدر الرئيس التونسي الأسبق فؤاد المبزع "مرسوما يتعلق بالعفو العام" عن آلاف من المساجين السياسيين. وينص الفصل الثاني من هذا المرسوم على أنه "لكل من سيشملهم العفو العام (..) الحق في العودة للعمل (الذي فصلوا منه) وفي طلب التعويض" على أن "يقع النظر في مطالب التعويض المقدمة من قبل الأشخاص المنتفعين بالعفو العام طبقا لإجراءات وصيغ يحددها إطار قانوني خاص".

كما تم احداث لجنة استشارية لدى وزير الشؤون الاجتماعية تكلف بالنظر في مطالب التعويض ذات الصبغة الاستعجالية المقدمة من قبل الأشخاص المعنيين، اما بالنسبة لقيمة التعويضات فتقترح اللجنة مبلغ التسبقة على التعويض في شكل مبلغ سنوي يقع دفعه مرّة واحدة أو عبر دفعات بحسب الصيغ التي تقترحها اللجنة ويقررها وزير حقوق الإنسان والعدالة الانتقالية، وتراعي اللجنة عند إقرار المبلغ الجملي حالة المعني بالأمر الاجتماعية والمدنية والصحية ويؤخذ مبلغ التسبقة بعين الاعتبار عند التعويض النهائي.