تشهد منطقتنا تحولات ضخمة تعيد تشكيل بنيتها، ويساهم في ذلك عوامل داخلية وأخرى إقليمية ودولية، لكن وبلا شك هناك شخصيات مؤثرة تعمل في خضم هذه التحولات، ولها أدوار خاصة في الظل، وأدوار أخرى منتظرة في المستقبل يتوقع أن تكون أكبر.

وعلى ذلك آثر نون بوست البحث في هذه الأدوار لبعض الشخصيات، وتقديم ملف "رجال الظل" ليساهم في إجلاء صور الفاعلين منهم في مستقبل الدول العربية، بتحديد الحيثيات التي تجعلهم رجالًا في الظل، وكذلك شبكة علاقاتهم الإقليمية والدولية، وطبيعة دور هذه الشخصيات في التأثير على الواقع الحاليّ، وكذلك مدى فرصهم في الوصول إلى مناصب رسمية في المستقبل.

هذا الملف يساعد على إظهار حقيقة بعض الأدوار الخفية التي تُمارس في المنطقة عبر شبكات من العلاقات الإقليمية والدولية، ولها التأثير الأبرز في صناعة المشهد الحاليّ للمنطقة، عبر الأشخاص الذين سيتناول الملف التعريف بهم وبطبيعة أدوارهم الحاليّة والمتوقعة مستقبلًا.

من سيخلف بو تفليقة؟

الأسماء المرشحة لخلافة الرئيس الجزائري المقعد عبد العزيز بوتفليقة، تختلف وتتكاثر يومًا بعد آخر، بسبب أزمة غياب الشفافية في البلاد، وعدم وجود نائب للرئيس الذي يحكم دولة عاشت أوقاتًا صعبة على مدى عقدين ماضيين، عانى فيها الجزائريون من الحرب الأهلية التي هددت بتدمير أساس الدولة، والآن وبعد أن بلغ بوتفليقة نهاية السبعينيات من عمره، يخشى الجميع أن تدخل البلاد إلى فترة مماثلة قد تأتي على ما تبقى منها.

مؤخرًا تداولت عدد من دوائر صنع القرار المحلية والدولية، أسماء عدة مرشحة لخلافة بوتفليقة، أبرزهم قائد أركان الجيش قايد الصالح.

دور الجيش في السلطة

ما يحسم الجدل بين هذا الطوفان من المرشحين، هو أن عملية انتخاب الرئيس بالجزائر، وعلى الرغم من أنها تتم في اقتراع عام وحرٍّ يتم شكليًّا، فإنها تجري حقيقة بطريقة مختلفة، حيث يتم اختيار الرئيس الجديد من طرف المنظومة العسكرية والأمنية، قبل أن تزكيه الأحزاب الكبرى والجمعيات الموالية للسلطة، وتشرف على تنظيم حملته الانتخابية شكليًّا، ومثلما حدث سنة 1979 عند اختيار الشاذلي بن جديد، ثم في 1992 مع محمد بوضياف، و1993 مع اليمين زروال، وأخيرًا في 1999 مع عبد العزيز بوتفليقة، سيكون الحسم بيد الجيش، أو بالأحرى المنظومة العسكرية والأمنية، التي تعتبر صاحب القرار الحقيقي في المحطات الكبرى، بمعنى أن أي من الأسماء السابقة التي سيتم الاتفاق أمنيًا وعسكريًا عليه، سيخلف بوتفليقة في العام 2019 إن لم يرشح الرجل الثمانيني نفسه من جديد!

سعيد بوتفليقة شقيق الرئيس

الجنرال الفاسد

صانعو القرار الجزائريون، الجيش والمخابرات وأجهزة الأمن الوطني، لم يتفقوا حتى الآن على مرشح بعينه لخلافة بوتفليقة، والأسماء التى تدور حولها التكهنات كلها منحدرة من الغرب، وتحديدًا من مدينة تلمسان، نفس مدينة الرئيس بوتفليقة، سواء كان بلخادم أو سعيد بوتفليقة شقيق الرئيس، لكن الأقرب للواقع والأكثر إمكانية في سيناريوهات ما بعد الرئيس هو الجنرال قايد صالح، رئيس قيادة أركان الجيش، المنافس القوي للجنرال محمد مدين "الشهير باسم الجنرال توفيق" رئيس جهاز المخابرات وجهاز الأمن الوطنى السابق، وعلى الرغم من أن صالح طالت سمعته الكثير من قضايا الفساد، بعدما وصفته تسريبات ويكيليكس بأنه الجنرال الأكثر فسادًا فى الجزائر، لكنه يعمد في إمكانية نجاحه على دعم المقربين من بوتفليقة له وكذلك قبيلته، فمنذ أن تم تعيينه رئيسًا لقيادة أركان الجيش الجزائري تمت ترقية وجوه كثيرة وجميعهم من الغرب من تلمسان، فيما تم استبعاد البعض وإجبار البعض الآخر على المعاش المبكر.

ذراع بوتفليقة

يعرف الجنرال صالح بأنه أقوى عسكري بالبلاد، أو ذراع بوتفليقة اليمنى، وترسخت تلك الفكرة حينما نجح في دفع بوتفليقة للإطاحة بأقوى رجل في البلاد العام الماضي الجنرال توفيق "محمد مدين" من قيادة المخابرات، بعد أكثر من ربع قرن في هذا المنصب، وكان الطرفان من ألد الأعداء منذ العام 2004، بعدما تم إبعاد سلفه محمد العماري من قيادة الجيش، إثر اتِّفاق بين مدين والرئيس بوتفليقة.

الجنرال توفيق محمد مدين

تخطيط الجنرال صالح للإطاحة بمدين يوحي بأن الأول يعد العدة بالفعل لخلافة بوتفليقة، حيث لم تكن إقالة الجنرال محمد مدين، محض مفاجأة، بل كانت نتيجة لعملية إضعاف ناجحة له جهزها القايد صالح، وتم التخطيط لهذه الصفقة لعدة أشهر، وقد مرت في ثلاث مراحل، أولها وضع مختلف الدوائر الخاضعة تحت سيطرة جهاز المخابرات الجزائرية، تحت وصاية الجيش المباشرة، أي تحت قيادة أحمد قايد صالح، ثم إضعاف العديد من أتباع الجنرال محمد مدين، من رئيس مكافحة التجسس الجنرال عبد الحميد "علي" بن داوود، إلى قائد الحرس الرئاسي جمال كحاز مجدوب، أو تمت إقالتهم، وفي نهاية المطاف تم في أواخر شهر أغسطس 2015 اعتقال الجنرال حسن، وبهذا كانت جميع الاستعدادات قد اتُخذت من أجل الضربة الحاسمة ضدَّ "إله الجزائر" كما كان يسميه الجزائريون.

علاقات صالح الإقليمية ربما تكون عامل حاسم لتوليه الرئاسة

جنرال الظل المهمش

ولد أحمد قايد صالح في العام 1940، بولاية باتنة، والتحق وهو مناضل شاب بالحركة الوطنية، في سن السابعة عشر من عمره، قبل أن يعين قائد كتيبة على التوالي بالفيالق 21 و29 و39 لجيش التحرير الوطني، غداة الاستقلال، وبعد إجراء دورة تكوينية في الجزائر، لمدة سنتين، والاتحاد السوفييتي سابقًا لمدة سنتين تمت ترقيته إلى رتبة لواء في العام 1993، وبتاريخ 1994 تم تعيين اللواء أحمد قايد صالح، قائدًا للقوات البرية، ثم رئيسًا لأركان الجيش الوطني الشعبي عام 2004، ومن ثم تقلد رتبة فريق في 2006، ليعين نائبًا لوزير الدفاع الوطني، رئيسًا لأركان الجيش الوطني الشعبي 2013.

قبل العام 2004، كان الجنرال قايد صالح في الظل، وحينما تم اختياره من قبل بوتفليقة لخلافة الفريق محمد العماري، الذي دفع للاستقالة سنة 2004 من قيادة الأركان، بعد فشله في مواجهة الرئيس بوتفليقة، وفشله في المراهنة على المنافس الأبرز للرئيس حينها علي بن فليس، وكان صالح وقتها قائدًا للقوات البرية، وتمت ترقيته إلى رتبة فريق أول لاحقًا.

اختيار بوتفليقة للجنرال "قايد صالح" وقتها لم يأت من فراغ، فالرجل عرف عنه بأنه رجل ميدان، ولا علاقة له بالسياسة، ولم يكن من جنرالات النواة الصلبة كالجنرال توفيق، ومساعده إسماعين العماري وخالد نزار والعربي بلخير ومحمد تواتي ومحمد العماري، والملاحظ من خلال المشوار المهني للرجل هو أنه ظل مهمشًا لفترة طويلة، بدليل أنه لم يرق لرتبة لواء إلا بعد بلوغه سن 53 سنة، كما يعتبر الجنرال صالح - بجانب كونه ذراع بوتفليقة اليمنى - شخصًا مقربًا من آل بوتفليقة، فهو صديق العائلة ويحتفظ بعلاقات قوية مع شقيق الرئيس، ومستشاره الخاص السعيد بوتفليقة.

تعاظم دور الجيش بالجزائر يحسم هوية خليفة بوتفليقة

هيمنة عسكرية

يدعم موقف القايد صالح ليكون رئيسًا للجزائر مسبقًا، هو تحكم المؤسسة العسكرية في كل أمور الدولة الآن، بداية كما قلنا باختيار أو ترشيح الرئيس، كما حدث مع الرباعي "الشاذلي بن جديد ومحمد بوضياف واليمين زروال وعبد العزيز بوتفليقة"، وهو دور مقبول إقليميًا، لمنع تجدد المواجهات الدامية مع التيارات الإسلامية والمعارضة، كما حدث في التسعينيات من القرن الماضي، وتقبل فرنسا خصيصًا بهذا الأمر كون أي أزمة داخلية بالجزائر، تجعل من حدودها ومصالحها محل تهديد، ما يعني أن فترة بوتفليقة الحالية مجرد تمهيد فقط لما بعده، وتهيئة الأجواء بإزاحة أطراف القوة مثلما حدث مع مدين غيره من القيادات العسكرية القوية.

يؤكد صحة تلك التكهنات استماتة الجنرال صالح لتمرير قانون أو التعديلات الجديدة الواردة على قانون المستخدمين العسكريين، التي تفرض على ضباط الجيش المتقاعدين الامتناع عن الخوض في الشؤون السياسية، وهو ما يعني أمرين أولهما طمع قيادات الجيش في السلطة ما بعد بوتفليقة، وهو ما أكدته الشواهد السابقة لتحكم الجيش والأمن في اختيار الرئيس، والثاني وهو الأهم رغبة صالح في تحييد أي قيادة عسكرية سابقة عليه - خصوصًا وزير الدفاع السابق خالد نزار - من المنافسة على المنصب، الذي يعد العدة الآن للانقضاض عليه.

البعض برر رغبة صالح في تمرير القانون الجديد بأنه يريد عزل الجيش عن السياسة وقتها، قبل أن تصدمهم الخطوة التالية لصالح حينما أرسل رسالة مثيرة للجدل العام الماضي إلى الأمين العام لحزب جبهة التحرير الوطني عمار سعداني قبل إقالته، يهنئه فيها بانتخابه على رأس حزب الأغلبية، وهي الرسالة التي انتقدتها المعارضة الجزائرية بشدة واعتبرتها إقحام للمؤسسة العسكرية في شأن سياسي لا يخصها، وخاصة أن سعداني كان يلقى معارضة شديدة حتى من داخل حزبه.

وأثيرت في الجزائر عقب هذه الرسالة العديد من التساؤلات، وذهب البعض إلى اعتبار عمار سعداني أحد الرجالات الذين يعول عليهم الفريق أحمد قايد صالح (76 سنة) في كسر "تابو" ترشحه للرئاسة.

واليوم ظهرت أصوات في الجزائر، تدعو الجيش إلى تحمل مسؤوليته، في ظل ما يثار عن شغور منصب الرئيس المنهك بالمرض، وهو ما يفهم على أنه دعوة للانقلاب.

رسالة صالح لسعداني لم تكن وحدها هي المؤشر على رغبته الخفية في خلافة بوتفليقة، فالرجل عبر عن تلك الرغبة علانية في أحد لقاءاته، حينما سئل عن رأيه في وصول وزير الدفاع المصري عبد الفتاح السيسي لمنصب الرئاسة، فرد بقوله الأمر طبيعي طالما هناك من يؤيده، ما المانع في أن يصبح وزير الدفاع رئيسًا للجمهورية؟ ما المانع في أن أصبح أنا رئيسًا للجمهورية؟!

التعبير العلني لصالح لم يكن ليقدم عليه لولا غياب مدين بعد الإطاحة به، ودعم السعيد بوتفليقة له، ليتولى معه منصب نائب الرئيس، وضعف بوتفليقه وعجزه، وتأييد فرنسا لتلك الخطوة.

إلى جانب ذلك بدأت بروباجندا الرئاسة تظهر في تحركات صالح، ما يؤكد أن هناك مؤشرات قوية على أنه يجري التحضير لمرحلة ما بعد الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، منها كثرة الرحلات الخارجية والتصريحات، وعدد من الاتفاقات العسكرية مع دول بعينها خصوصًا فرنسا والصين، وبات صالح شديد الحرص على الحضور الإعلامي، وعلى متابعة الإعلام لكل زياراته الميدانية للنواحي العسكرية، وما يلقيه من خطابات بمناسبة لقاءاته بالضباط.

مخلفات المواجهات العرقية بالغرادية

الخلاصة

مشهد الجزائر الآن يصب في صالح بقاء بوتفليقة لنهاية ولايته في العام 2019، على أن يعمل القايد صالح خلال هذه الفترة على التقرب من أحزاب الموالاة والمعارضة على حد السواء، باعتباره البديل الجاهز وطنيًا، بعيدًا عن أي تدخل خارجي، وهو سيناريو مقبول داخليًا كونه نظريًا يخالف الرغبة الظاهرية الفرنسية، وهو ما يثير حساسية المواطنين، كما أن صالح بعيد تمامًا عن جدلية الدم المتورط فيها معظم قادة الجيش في التسعينيات، كونه لم يرق في أواخر 93 وأوائل 94، وبالتالي كان بعيدًا عن دوائر صنع القرار، ومقبول كذلك دوليًا لكل من الولايات المتحدة صاحبة النفوذ الأكبر بعد فرنسا بالجزائر، وفرنسا نفسها لكن بقدر أقل، كونها ستكون مضطرة للقبول بالأمر الواقع لأن البديل وقتها سيكون من المعارضة، وربما من الإسلاميين، وهو ما يخشاه الجميع، وذكرى التسعينيات لازالت راسخة بالأذهان.

لقراءة الحلقة الأولى من ملف رجال الظل

لقراءة الحلقة الثانية من ملف رجال الظل

لقراءة الحلقة الثالثة من ملف رجال الظل

لقراءة الحلقة الرابعة من ملف رجال الظل