شارك مئات الآلاف من المصريين في التصويت على وثيقة الدستور التي أقرتها السلطات العسكرية في مصر في اليوم الأول من التصويت الذي يمتد ليومين وذلك بعد انتهاء تصويت المصريين في الخارج الإثنين، وسط أجواء من الحشد والحشد المضاد، وحملة واسعة من معارضي الانقلاب، تبنت المقاطعة الشاملة للمشاركة فيه، واصفة تلك الوثيقة بأنها وثيقة دم، وداعية من يؤيدها إلى غسل يده من دمائها، في إشارة إلى المذابح الواسعة التي ارتكبتها سلطات الانقلاب بحق رافضيه، ومؤيدي الشرعية، منذ حدوث الانقلاب الدموي، في الثالث من تموز/ يوليو 2013، على يد الجنرال عبد الفتاح السيسي.

وفتح 30 ألف و669 مركز اقتراع بمصر أبوابه في التاسعة من صباح الثلاثاء، أمام 53 مليون ناخب للمشاركة في الاستفتاء على مشروع الدستور المعدل، في عملية تراقبها 68 منظمة محلية ودولية و17 ألف متابع.

وتُوفي ثمانية مواطنين ثلاثة منهم لأسباب قالت السلطات إنها طبيعية في عدة محافظات مصرية، حيث قالت وزارة الصحة في بيان لها مساء اليوم، أن "إجمالي عدد الوفيات في مستشفيات وزارة الصحة منذ الصباح وحتى الساعة 5 مساء  بلغ 8 حالات وفاة، 3 حالات في القاهرة والجيزة وفاة طبيعية، وحالة واحدة في محافظة بني سويف بعد أن هاجمت الشرطة مظاهرات مضادة لما يُسميه تحالف دعم الشرعية المنظم للمظاهرات “دستور الدم” ، بالإضافة لأربع قتلى في محافظة سوهاج فيما قالت السلطات انها اشتباكات بين مؤيدين ورافضين للدستور الجديد في مصر.

وفرقت قوات "الصاعقة" التابعة للجيش المصري، صباح الثلاثاء، عددا من المسيرات الرافضة للاستفتاء، مستخدمة تكتيكات وتشكيلات جديدة، بمشاركة قوات أمنية، بحسب شهود عيان ومشاركين بتلك المسيرات في محافظتي الاسكندرية ودمياط ومدينة العاشر من رمضان.

وفي السياق ذاته قالت مصادر أمنية صباح الثلاثاء إن دوي انفجار تردد في أحد أحياء القاهرة قبل بدء الاستفتاء على التعديلات الدستورية في أول عملية تصويت، ووقع الانفجار قرب مجمع محاكم في حي إمبابة، ولم ترد أنباء عن وقوع إصابات. 

وحشد كل من الجيش والشرطة، حوالي 380 ألف من عناصرهما في محافظات البلاد الـ27؛ لتأمين مراكز الاقتراع الذي بات بعضها مثل الثكنات عسكرية، من بينهم 220 ألف شرطـي، بجانب 160 ألف ضابط ومجند من جيش يمثلون أكثر من ثلث قوام الجيش فضلا عن تأهب عناصر من القوات البحرية والجوية وحرس الحدود وعناصر من وحدات الصاعقة (القوات الخاصة) والمظلات والشرطة العسكرية للتحرك العاجل لمعاونة قوات التأمين من خلال 4 آلاف و576 دورية ونقطة ثابتة ومتحركة على مستوى مصر.

صحيفة واشنطن بوست الأمريكية قالت في افتتاحيتها أن “ديمقراطية مصر الوهمية لا تستحق المساعدات الأمريكية”، مشيرة إلى أن "النظام العسكري في مصر يتخذ خطوة رئيسية تجاه بناء دولة استبدادية، تشهد قمعا هو الأشد مما عرفته أي دولة خلال عقود. فقد دعت السلطات المواطنين للتصويت في استفتاء على دستور جديد يستثني أجهزة الجيش والشرطة والمخابرات من رقابة السلطة المدنية؛ ويتيح لهذه الأجهزة محاكمة أي شخص تعتبره خطيرا أمام محكمة عسكرية".

وقالت الصحيفة أن "النظام لم يعد يقتصر على استهداف الإسلاميين، بل تعداه ليستهدف القيادات العلمانية، إذ اعتقل أربعة من أشهر قادة ثورة يناير بتهمة المشاركة في تظاهرات غير مرخصة"، وتضيف الصحيفة: "أغلقت القنوات التلفزيونية المعارضة، كما اعتقل ثلاثة من صحفيي مكتب قناة الجزيرة في القاهرة بدون محاكمات".

وأكدت الصحيفة أن على أوباما توضيح موقفه إذا كان فعلا يؤمن بضرورة فرض عقوبات على النظام "الاستبدادي الجديد في مصر"، وأن على إدارته "الوقوف إلى جانب المصريين، الذين يكافحون لتحقيق ديمقراطية حقيقية، ابتداء بأولئك الذين يقبعون في السجون".

أما في صحيفة ديلي تلغراف فقد وصف المعلق السياسي  بيتر أوبورن استفتاء الدستور الذي يجري اليوم بأنه "عار"، مشيرا إلى أن الاستفتاء اليوم هو الخطوة الأولى نحو تطبيق خريطة الطريق، والهدف الرئيسي منه ليس الاستفتاء على الدستور، "بل تعزيز القبضة الحديدية للجيش والقوات الأمنية على النظام السياسي المصري".

وقال أوبورن "في أعقاب سيطرة الجيش على السلطة في تموز/يوليو، أثنى وزير الخارجية الأمريكي جون كيري على قائد الانقلاب الفريق عبد الفتاح السيسي لأنه قام بإعادة الديمقراطية. وفي تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، وفي إشارة موافقة على الانقلاب زار كيري القاهرة حيث قال إن خريطة الطريق التي تقدم بها السيسي يتم تطبيقها على أفضل ما نريد".

 كما تحدث الكاتب عن التقارير التي قالت إن حزب "مصر القوية"، والذي يقدم نفسه على أنه ليبرالي أجبر على تعليق حملته بسبب حملة الاعتقالات التي تعرض لها أعضاؤه".

ومن ناحية أخرى قال الكاتب الإسرائيلي تسفي برئيل إنّ أعداد المشاركين في الاستفتاء المصري اليوم  ستحدد مبلغ شرعية الدستور الجديد الذي صاغته لجنة الخمسين، وشرعية السيسي الذي ألقى خطاباً يطالب فيه المصريين بالنزول والتصويت على الاستفتاء وتفويضه بالترشح للرئاسة.

وكشفت مجلة "ديلي بيست" الأمريكية عن أن الكونغرس الأمريكي سيرفع الحظر عن المساعدات المالية المقدمة لمصر، وسيمنح الفرصة لإدارة الرئيس باراك أوباما في ميزانيته لعام  2014 الحالي لتزويد مصر بمساعدة مالية قيمتها 1.5 مليار دولار، وذلك بعد إقرار تشريع جديد من الكونجرس يخفف القيود التي وضعتها الولايات المتحدة على مصر.

وشهد الاستفتاء العديد من المشاهد التي عبرت عن الطبيعة الهزلية للدستور الجديد، وعن النية المبيتة لتزوير أصوات الناخبين، حيث أبدى حمدين صباحي زعيم ومؤسس التيار الشعبي المصري، المرشح السابق في انتخابات الرئاسة، دهشته، من عدم وجود اسمه بكشوف الناخبين في مدرسة بحي المهندسين اعتاد الإدلاء بصوته فيها خلال استحقاقات انتخابية سابقة.

أما إسراء عبدالفتاح، إحدى الناشطات المؤيدات للجيش فقد طُردت بعد ضربها بالأحذية من قبل مواطنات في لجنتها الانتخابية، رغم دعمها الشديد للحكم العسكري في مصر وتأييدها التصويت بنعم 

http://www.youtube.com/watch?v=kiZ0R9mtmzI&feature=youtu.be

في حين أعلن فريد الديب محامي الرئيس  المصري المخلوع حسني مبارك أن الأخير “طلب من اللجنة العليا للانتخابات لجنة خاصة له بمستشفي المعادي للإدلاء بصوته في الاستفتاء علي الدستور".

وتبادل النشطاء صورا تظهر رموزا دينية وفكرية تشارك في التصويت على الدستور الجديد من بينها الداعية عمرو خالد والروائي بهاء طاهر و ياسر برهامي القيادي السلفي وآخرين

ونشط معارضو الانقلاب، في تسجيل مواقفهم الرافضة للاستفتاء على صفحاتهم في موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك" وتويتر، وقالت نيفين ملك، الناشطة الحقوقية وعضو الهيئة العليا لحزب الوسط والقيادية بجبهة الضمير، على صفحتها بـ"فيسبوك" صبيحة الثلاثاء: "صوّتنا قبل عام على دستور 2012.. وقتها كنا فرحين، ونفتخر بلون الحبر السري الأزرق، ولم نكن نتمنى أن يزول لونه من أصابعنا كعلامة فخر ومشاركة وطنية سواء صوتنا بحرية بنعم أو بلا.. وقتها كنا نملك حرية الاختيار فى فضاء حر.. لا وصاية فيه، ولا إرهاب، ولا تكميم للأفواه.. وبهذا المعنى كان الاستفتاء على الدستور تعبيرا حقا عن الإرادة الوطنية الحرة".
 
وأضافت نيفين أن"السؤال: هل في استفتاء الثلاثاء من يستشعر تلك الحرية، أو يمكن أن يجادل بأن الاستفتاء تم بشكل ديمقراطي بعيدا عن فوهات البنادق المصوبة إلى قلوب الناس وعقولهم، ودون فرية التفويض؟..الآن أعتقد أن كل من سيشارك فى وثيقة الدم عليه أن يغسل أصابعه ليس من حبر الاقتراع، ولكن من دم الشهداء".
 
وعلق المستشار وليد شرابي الناطق باسم حركة "قضاة من أجل مصر" على بدء الاستفتاء بقوله: "شارك وقل نعم يرضى عنك الرب.. شارك وقل نعم فهو واجب وطنى ودينى.. قمة الإسفاف السياسى من ممثلى الكنيسة، و رموز إسلامية فى مصر".
 
وأضاف شرابي على صفحته بـ"فيسبوك": "شكرا لكل المؤسسات الأمنية التي جعلت الشارع يصل إلى درجة الاحتقان كتلك التي كانت سابقة على ثورة 25 يناير.. ولكن بعد كسر هذه المؤسسات من الثوار لا يظن أحد أن تسامح 25 كانون الثاني/ يناير سيسود مرة أخرى، أو أن أحدًا سوف يقبل من أفراد هذه المؤسسات أن يدعى أنهم أدركوا خطأهم، ولن يكونوا طرفا في صراع سياسى مرة أخرى.. كما كانت تدعي هذه المؤسسات بعد ثورة 25 يناير."
 
وعلى صفحته الشخصية بـ"فيسبوك" نشر الأستاذ بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية الدكتور سيف عبد الفتاح العديد من الصور والمقولات التي تظهر إدعاء الانقلابيين بممارسة الديمقراطية، وفي مقدمتها مقولة لأحد النشطاء هي: "يعاني كثير من السياسيين في مصر حالة فصام في الشخصية تسمح لهم بأن يطالبوا بوضع دستور يقضي على فكرة الرئيس الملهم صباحا، ثم يضعون دستورا يقضي على فكرة الرئيس الملهم ظهرا، ثم يهللون للتخلص من فكرة الرئيس الملهم عصرا، ثم يذهبون إلى منزل الفريق السيسي في المساء لمطالبته بالترشح للرئاسة باعتباره الرئيس الملهم!".
 
 وتابع عبد الفتاح متسائلا: "هل المطلوب منا أن نصدق أن اعتقال 22 ناشطًا متلبسين بجريمة الدعاية المعارضة للدستور مجرد هوامش على المسار الصحيح.. عند قول الجناح -لا مؤاخذة- الديموقراطي: إننا يجب أن ننظر للجانب الممتلئ من المزبلة، وإن المهم هو أن المسار بشكل عام يتجه نحو الديموقراطية بإقرار الدستور؟".
 
أما وزير الدولة الأسبق للشئون القانونية محمد محسوب، فدعا عبر صفحته بفيسبوك كذلك إلى مقاطعة الاستفتاء قائلا: "إنه استكمال لاستفتاء مبارك 2005 لإبقاء الشعب خاضعا، وسلبه ما استرده من حقوق بثورة يناير.. فقاطعوه كما قاطعه مصريو الخارج"، مؤكدا: "لن يختلف دستور الانقلاب عن قانون التظاهر، ولا رئيس انقلابي جديد عن المؤقت.. الشعب سيلقي بهم في متحف العار، وسيسترد إرادته، وحريته".

وقد أعلنت اللجنة العليا للانتخابات أن نسبة التصويت في الخارج بلغت 95% لصالح"نعم"، بمشاركة نسبة 15% أي 103 ألف مقترع فقط من أصل 668 ألفا يحق لهم التصويت، وبمقارنة هذه النسبة بنسبة المشاركة في استفتاء عام 2012 علي الدستور الشرعي للبلاد يتضح أن نسبة المشاركة بلغت وقتها 42% ، وبموافقة قرابة 65%.

وإضافة إلى الدلالات السياسية، تعلق السلطات الحالية في مصر آمالا على تمرير مشروع الدستور من أجل اجتذاب مزيد من المساعدات الخارجية، ولا سيما الخليجية، في ظل أوضاع اقتصادية متردية في البلد العربي، حيث قالت مصادر بوزارة المالية المصرية أن الحكومة تتوقع بعد انتهاء عملية الاستفتاء على الدستور إعلان عدد من الدول العربية عن المساعدات المالية الجديدة التي يجرى التفاوض عليها ومنها 9 مليارات دولار من السعودية والإمارات.