ترجمة وتحرير نون بوست

لقد علّقت تركيا آمالها على السياح العرب بهدف التعويض عن التراجع الحادّ الذي لحق قطاع السياحة الحيوي، خاصة أنه واجه في الفترة الأخيرة مجموعة من التحديات على غرار توتر العلاقات مع روسيا وتداعيات الحرب الأهلية التي تدور رحاها في سوريا المجاورة، والهجمات التي استهدفت المدن الكبرى، فضلاً عن الصراع العنيف الذي يشهده جنوب شرق البلاد ذو الأغلبية الكردية ومحاولة انقلاب 15 يوليو/ تموز، والتوترات التي تعيشها تركيا مع الاتحاد الأوروبي.

ولزيادة تدفق السياح الوافدين من الدول العربية، يخطط رجال الأعمال الأتراك إلى تأسيس فضاءات إجازة خاصة للعرب.

ووفقًا لرئيس الاتحاد التركي لغرف التجارة وتبادل السلع رفعت هيسار جيكلي أوغلو، فإن العلاقات الاقتصادية بين تركيا والدول العربية نمت بشكل لافت خلال الخمس عشرة سنة الماضية حيث نما حجم التجارة نحو 7.5 مرة ليبلغ 47 مليار دولار، وارتفع عدد السياح العرب نحو تسع مرات ليصل إلى 3 ملايين سائح.

وقد استقبلت تركيا، سنة 2013، نحو 2.78 مليون سائح من مختلف الدول العربية، مقابل 2.5 مليون سائح سنة 2014، و2.95 مليون سائح سنة 2015، وفي هذا السياق، صرّح وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو، في شهر مايو/ أيار أن هدف تركيا كان يتمثّل في استقطاب ما يقرب من 10 ملايين سائح عربي سنويًا، وقال جاويش أوغلو، واصفًا الجهود المبذولة لتجاوز غياب السياح الروس: "العمل جار لبناء "قرية عربية" في البحر الأبيض المتوسط وتحديدًا في محافظة أنطاليا، التي تعدّ المركز السياحي الرئيسي لتركيا".

وتجدر الإشارة إلى أن فكرة إنشاء قرى سياحية عربية كانت قد اقتُرحت أول مرة من قبل رئيس منظمة السياحة العربية، بندر بن فهد آل فهيد، في شهر شباط/ فبراير، وفي إشارة إلى مدينة بورصة التركية الواقعة شمال غرب البلاد والتي تشتهر بالتراث العثماني والثروات الطبيعية، قال آل فهيد: "أعتقد أن العرب سيتدفقون إلى تركيا بهدف القيام بالسياحة الاستشفائية، حيث تمّ بالفعل اتخاذ الخطوات الأولى المتعلقة بهذا النوع من السياحة من خلال إنشاء مشروع كبير في مدينة بورصة".

كما صرّح آل فهيد، متعهدًا بتقديم يد المساعدة بهدف استقطاب المزيد من العرب في أنطاليا، قائلاً: "سنناقش مع السلطات مطالب السياح العرب المتعلّقة بأماكن الإقامة".

أدّى صعود التيار الديني المحافظ في تركيا إلى تدشين مجموعة من الشواطئ التي ستكون مخصصة فقط للنساء في عدة مناطق سياحية في البلاد، كما أنه من المتوقع أن تقوم القرى الخاصة بالعرب على نموذج مماثل، حيث ستُلبّي فقط احتياجات العرب وستوفر جوًّا مُستوحى من التاريخ والثقافة العربية.

وتعدّ قرية التراث في إمارة أبوظبي عاصمة دولة الإمارات العربية المتحدة، إحدى النماذج ضمن هذا المجال، حيث أُعيد بناء هذه القرية العربية التقليدية الموجودة منذ عصر ما قبل النفط، وشُيّد فيها مجمع يضم خيام البدو، ومسجد وعدّة منازل، فضلاً عن المطاعم والمقاهي التي تقدم الأطباق التقليدية.

في المقابل، ستحظى القرى العربية في تركيا ببعض الامتيازات الإضافية، فعلى سبيل المثال، سيكون الهدف من إنشاء القرية العربية التي ستُشيّد في مدينة بورصة، الترويج للسياحة الاستشفائية حيث ستحتوي على حمامات حرارية.

وقد أكّد آل فهيد، الذي التقى مع وزير السياحة التركي نابي أفجي، على الإمكانيات الكبيرة التي ستوفرها السياحة الاستشفائية، وأضاف آل فهيد أن المملكة العربية السعودية تنفق سنويًا ما يقارب 27 مليار على هذا القطاع، من جانبه، صرّح أفجي أنه سيتمّ تنظيم مهرجان "السياحة الإلكترونية"، فضلاً عن مسابقة ألعاب الكمبيوتر وذلك بهدف تعزيز التبادل بين الشباب العربي والتركي من مهنيين وطلاب.

ووفقًا لتقارير وسائل الإعلام التركية، فإن رجال الأعمال العرب بدأوا أيضًا باقتناء الأراضي بهدف بناء قُرى سياحية وذلك في محافظات البحر الأسود الشرقية على غرار طرابزون وأوردو التي أصبحت مشهورة لدى السياح العرب في السنوات الأخيرة، حيث يظهر ذلك من خلال تزايد عدد العلامات الموجودة داخل هذه المحافظات المكتوبة باللغة العربية.

صرّح الرئيس التنفيذي لسلسلة فنادق ريكسوس التركية، فتاح تامنجي أن "تدفّق السياح العرب يجب أن يبقى خارج سياق أي نقد سياسي من شأنه أن يُوجّه للعلاقات العربية التركية"، وقد لفت تامنجي الانتباه إلى الإنفاق المحتمل للزائر العربي، وفي هذا السياق، قال تامنجي إن كلا من فرنسا وإيطاليا وسويسرا وباريس ولندن - التي تعدّ أفضل الوجهات في أوروبا - بقيت صامدة لسنوات بفضل العرب، فالمستهلكون في الشرق الأوسط لطالما كانوا يميلون إلى إنفاق مبالغ ضخمة من المال نظرًا لأنهم أغنياء"، وأضاف تامنجي أن دخل الفرد في المملكة العربية السعودية يصل إلى 30 ألف دولار، و50 ألف دولار في الإمارات العربية المتحدة، أما في روسيا فهو يبلغ فقط 10 آلاف دولار، بمعنى أن المستهلك العربي الواحد يساوي خمسة مستهلكين روس".

تبقى إسطنبول وجهة العرب المفضّلة في تركيا تليها المناطق الخصبة التي تتوفر فيها المناظر الطبيعية الجبلية مثل بورصة وبولو وأبانت ويالوفا وطرابزون وأنطاليا الساحلية، كما بلغ عدد السياح العرب نحو 1.67 مليون سائح من مجموع 8.4 مليون سائح زاروا تركيا خلال السنة الفارطة.

وعن أسباب انجذاب العرب لزيارة تركيا، قدّم رئيس منصة وكالات الأسفار جيم بولات أوغلو، قائمة طويلة من الأسباب المتنوعة على رأسها الانتشار الواسع الذي حظيت به المسلسلات التركية في العالم العربي، فضلاً عن "الرفاهية التي تُوفّرها تركيا باعتبارها دولة مسلمة حديثة"، كما أن الزوار العرب بإمكانهم ممارسة واجباتهم الدينية بكل سهولة وحرية وتناول الطعام دون الخوف ممّا هو "محرّم"، ووفقا لبولات أوغلو، فإن الأسباب الطبية خاصة زراعة الشعر وعمليات التجميل الأخرى، تعدّ أحد العوامل الرئيسية التي تدفع العرب إلى زيارة تركيا تليها وفرة مراكز التسوق والأسعار المعقولة والقرب الثقافي والمناظر الطبيعية.

لكن السياح العرب بالكاد يستطيعون تعويض التراجع الحاد الذي عاني منه قطاع السياحة في تركيا، ففي الأشهر التسع الأولى من العام الحالي، بلغ إجمالي عدد السياح الأجانب 20.2 مليون سائح، أي أقل بنحو 9.5 مليون سائح مقارنة بنفس الفترة من سنة 2015. ودون عودة الروس والأوروبيين في السنة المقبلة، فإن آفاق هذا القطاع تبدو قاتمة.

أشار وزير السياحة السابق أحمد تان إلى أوروبا، محذرًا من أن توتر العلاقة مع الاتحاد الأوروبي يمكن أن يكون ضربة أخرى موجعة لقطاع السياحة، وفي هذا السياق، صرّح تان لموقع المونيتور أنه بعد اللحم الحلال والمطاعم الحلال والفنادق الحلال، فإن خطة القرى السياحية الحلال هي بمثابة النهج الذي ينسجم مع عقلية الحكومة، كما أنه بعد إرساء القرى الألمانية والبريطانية والفرنسية، فإنه من الطبيعي إنشاء قرى عربية.

وأضاف تان أن هذه التدابير، ليست سوى مجرد محاولات لتحسين مردود قطاع السياحة، فالخسائر التي طالت هذا القطاع، لا يمكن تعويضها بالاعتماد فقط على السياح العرب، وفي حال انقطعت العلاقات مع الاتحاد الأوروبي، فإن عدد السياح الأوروبيين سيشهد مزيدًا من الانخفاض ما من شأنه أن يعمق من حدّة الأزمة داخل القطاع.

المصدر: المونيتور