في خطوة جديدة نحو التقارب الصيني السعودي، تخلت بكين عن موقفها الحيادي من الأزمة اليمنية، لتعلن دعمها للشرعية ورفضها للحكومة الأحادية التي شكلها الحوثيون وأنصار الرئيس المخلوع علي عبد الله صالح مؤخرًا بالعاصمة صنعاء.

الخطوة الصينية جاءت في ظل العديد من التطورات التي فرضتها المستجدات الإقليمية والدولية، لتضع عديد من التساؤلات عن البواعث الحقيقية وراء تغير موقف بكين حيال الملف اليمني بعد سنوات طويلة من الوقوف على مسافة واحدة من الأطراف المتنازعة كافة، ودلالات هذا التغير على خارطة التحالفات الجديدة في منطقة الشرق الأوسط خاصة بعد الترقب الإقليمي لسياسات الرئيس الأمريكي الجديد دونالد ترامب، والذي نجح في استعداء غالبية دول المنطقة قبل تنصيبه رئيسًا رسميًا للولايات المتحدة.

الصين تدعم الشرعية

في بيان لها صباح اليوم السبت، أعلنت وزارة الخارجية الصينية اعترافها بالحكومة الشرعية في اليمن، وعدم الاعتراف بأي إجراءات أحادية يتخذها أي طرف وتؤدي إلى زيادة تعقيد الأمور، في إشارة إلى ما يسمى بـ"حكومة الإنقاذ" التي أعلنت جماعة الحوثي والرئيس المخلوع علي عبد الله صالح عن تشكيلها من جانب واحد مؤخرًا.

ووصف البيان هذه الخطوة بأنها لا تخدم الجهود السياسية والدبلوماسية لإحلال السلام، مضيفًا: "لا نوافق على قيام أي جانب في اليمن بأي تصرفات منفردة تؤدي إلى تعقيد الوضع، وترى أن هذا غير مفيد للتوصل لحل سياسي للقضية اليمنية".

وأكدت الخارجية الصينية أنها تأمل بأن تواصل الأطراف المعنية في اليمن الحوار لحل الخلافات، وإنهاء الحرب الدائرة منذ ما يقرب من 20 شهرًا، والتوصل لتسوية عادلة يمكن لكل الأطراف قبولها على أساس قرارات الأمم المتحدة ومبادرات مجلس التعاون الخليجي.

الرئيس اليمني الشرعي عبد ربه منصور هادي

التخلي عن الحياد

من يقرأ التاريخ الصيني الحديث يجد أنه منذ تسعينيات القرن الماضي تتبع الصين استراتيجية (دينغ شياو بينغ) في سياستها الخارجية، والتي اتخذت مقولة: "لا يضرُّنا أن ننبطح بانتظار فرصتنا السانحة" شعارًا لها، وذلك من أجل تحقيق تقدمها المنشود دون استفزاز أو إثارة القوى العظمى التي يمكن أن تعوقه.

هذه الاستراتيجية تقوم على تجنُّب الصين أي استهداف لها بوصفها قوة تهديد أو تصحيح للوضع القائم على الصعيد الدولي من قبل القوى الكبرى، إلا أن صعود الصين كقوة عظمى في السنوات الأخيرة، وخاصة بعد الأزمة المالية العالمية في عام 2009، قد أحدث نقاشًا بشأن تغيير السياسة الخارجية الصينية في أوساط علماء العلاقات الدولية، ترتكز على إعادة النظر في رؤيتها وأجندتها بما يخدم مصالح الصين بعيدًا عن الانبطاح، مما دفع بعض العلماء إلى مناشدة الصين أن تُقِرَّ بوضعها كقوة عظمى وأن تتصرف كلاعب مسئول بدلًا من إنكارها لهذا الدور.

الموقف الصيني راعى الحفاظ على مصالحه مع جميع الأطراف، والوقوف على مسافة واحدة من جميع الفصائل المتناحرة، سواء داخل اليمن أو خارجها، وهو ما دفعها لتبني نفس الموقف الباكستاني الذي أحجم عن التدخل العسكري لصالح السعودية في اليمن لكنه وقف معها سياسيًّا

أما فيما يتعلق بموقف الصين الرسمي من الأزمة اليمنية، يلاحظ أنه منذ وصول قطار الربيع العربي إلى هذه المحطة، اعتمدت بكين في استراتيجيتها على كثيرٍ من الحذر والانتقائية، من خلال الموازنة بين أطراف الصراع المحليين والإقليميين بهدف الحفاظ على مصالح الصين الاستراتيجية في منطقة الشرق الأوسط التي تتطلب حلاً سلميًّا للأزمة.

الموقف الصيني راعى الحفاظ على مصالحه مع جميع الأطراف والوقوف على مسافة واحدة من جميع الفصائل المتناحرة سواء داخل اليمن أو خارجها، وهو ما دفعها لتبني نفس الموقف الباكستاني الذي أحجم عن التدخل العسكري لصالح السعودية في اليمن لكنه وقف معها سياسيًّا، وفي هذا الإطار صوتت بكين لصالح قرار الأمم المتحدة رقم 2216 الذي يحظر مبيعات الأسلحة للمقاتلين الحوثيين المدعومين من إيران، ودعت بنفس الوقت إلى وقف الضربات الجوية التي تقودها السعودية.

وظل هذا الموقف المحايد يفرض نفسه على ساحة الصراع اليمني طيلة عشرين شهرًا مضت، كانت له دلالاته السلبية على العلاقات بين بكين ودول الخليج، إلى إن تخلت بكين عن هذا الموقف لصالح دعم الشرعية وتأييد الموقف السعودي من خلال بياناها الصادر فجر اليوم لتدخل العلاقات بين البلدين مرحلة جديدة.

الحوثيون وأنصار صالح يشكلون حكومة "إنقاذ وطني" في صنعاء

بكين - الرياض.. تاريخ من التعاون

تعود العلاقات بين الصين والسعودية إلى عام 1939م، حين أعلنت المملكة نيتها في تعزيز العلاقات السياسية مع التنين الشرقي صاحب الثقل الإقليمي والدولي الكبير، حيث استغرق تفعيل هذا التعزيز نحو ستة أعوام إلى أن تم توقيع أول معاهدة صداقة بين البلدين في 15 نوفمبر عام 1946 في جدة، لتتوقف بعدها العلاقات بين البلدين لمدة 20 عامًا بدءًا من 1949 وحتى 1979، وهي الفترة التي لم يخلُ من علاقات واتصالات دائمة، لكنها ليست بذلك المستوى الرسمي رفيع المستوى، حين بدأت جمهورية الصين الشعبية علاقاتها من جديد مع العالم.

وتُعدُّ المملكة من أهم شركاء الصين في التعاون الاقتصادي، كونها أكبر شريك تجاري للصين في غرب آسيا وإفريقيا، وفي السنوات الأخيرة، شهدت العلاقة الاقتصادية والتجارية بين البلدين تطورًا ملحوظًا ومستقرًا، ويتوسع نطاق التعاون باستمرار.

وشهد تاريخ العلاقات الاقتصادية بين المملكة والصين نموًا مطردًا، إذ بلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين 1.73 تريليون ريال خلال الـ12 عامًا الماضية، بصادرات بلغت نحو 1.2 تريليون ريال، وواردات 532 مليار ريال، لتسجل بذلك المملكة فائضًا في ميزانها التجاري مع الصين بنحو 662 مليار ريال، يعادل 38% من التبادل التجاري بين البلدين.

تُعدُّ المملكة من أهم شركاء الصين في التعاون الاقتصادي، كونها أكبر شريك تجاري للصين في غرب آسيا وإفريقيا

وخلال الـ10 سنوات الماضية، بلغت صادرات المملكة إلى الصين نحو 1.16 تريليون ريال، بينما بلغت الواردات منها خلال الفترة نفسها 511 مليار ريال، بتبادل تجاري قيمته 1.67 تريليون ريال، مسجلة فائضًا في ميزانها التجاري مع الصين بنحو 645 مليار ريال، وكانت الصين أهم شريك تجاري للسعودية خلال عام 2014، بتبادل تجاري قيمته 247.8 مليار ريال، تعادل 13% من إجمالي التبادل التجاري بين المملكة والعالم في نفس العام البالغ 1.94 تريليون ريال.

وبلغ التعاون بين البلدين ذروته عقب إقرار الكونجرس الأمريكي لقانون "جاستا" الذي يخول للأمريكان فرض عقوبات على السعودية تعويضًا لضحايا حادث 11 سبتمبر 2001، ففي العاشر من أكتوبر الماضي بدأت فعاليات التدريب الأمني المشترك بين الصين والسعودية والذي يحمل اسم "الاستكشاف 2012" في مدينة تشونج تشينج جنوب غربي الصين بمشاركة 25 من أفراد الوحدات الخاصة بين البلدين، واستمرت التدريبات لأسبوعين وتركزت بشكل أساسي "على المهارات والأساليب القتالية لمكافحة الإرهاب والتهديدات الأمنية غير التقليدية" بحسب صحيفة جيش التحرير الشعبي الصينية.

1.73 تريليون دولار حجم التبادل التجاري بين البلدين خلال الـ12 عامًا الماضية

لماذا الآن؟

لا أحد ينكر حجم الخلاف بين بكين والرياض جراء تباين وجهات النظر حيال العديد من الملفات أبرزها الملف السوري، وهو ما تسبب في جفاء في العلاقات بين البلدين في الآونة الأخيرة، إلا أن توتر العلاقات السعودية الأمريكية بسبب العديد من العوامل منها تخلي واشنطن عن بعض التزاماتها حيال عدد من الملفات الإقليمية وفي مقدمتها ملفي سوريا واليمن، فضلاً عن تصديق مجلس الشيوخ الأمريكي على قانون "جاستا" الذي يتعدى على الحصانة السيادية للدول، دفع الديوان الملكي في الرياض إلى البحث عن مصالحها مع حلفاء جدد، حتى لو كانت هناك خلافات معها، سواء كان ذلك من باب  الضغط على واشنطن أو إعادة النظر في السياسة الخارجية للمملكة.

وفي المقابل ترغب بكين في تعزيز علاقاتها مع دول الشرق الأوسط، والتي تشهد اضطرابات مع تصاعد ما تراه من تهديدات "إرهابية" على شركاتها ومواطنيها، ما دفعها إلى حماية مصالحها الاقتصادية والسياسية، عبر فتح صفحات جديدة مع دول المنطقة.

الصين تسعى من خلال هذه الشراكة إلى دعم حضورها الإقليمي كقوة عظمى بجانب روسيا، مستغلة التوتر بين واشنطن ودول المنطقة، وهو ما دفع الصينيون إلى الترحيب بالتوجه السعودي الجديد لأن تكون بكين المورد الجديد للأسلحة للمملكة، في ظل حاجتها المتزايدة للسلاح، نتيجة التهديدات الخارجية متمثلة بتنظيم الدولة من جهة، والحوثيين المدعومين من إيران من جهة أخرى.

الصين تسعى من خلال هذه الشراكة إلى دعم حضورها الإقليمي كقوة عظمى بجانب روسيا، مستغلة التوتر بين واشنطن ودول المنطقة، وهو ما دفع الصينيون إلى الترحيب بالتوجه السعودي الجديد لأن تكون بكين المورد الجديد للأسلحة للمملكة

وفي أغسطس الماضي، وقعت السعودية والصين عددًا من الاتفاقيات خلال زيارة ولي ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، للعاصمة الصينية بكين، أبرزها الاتفاقية الموقعة مع نائب رئيس مجلس الدولة الصيني لإنشاء لجنة مشتركة سعودية صينية، إضافة إلى 15 اتفاقية ومذكرة تفاهم بين الحكومتين الصينية والسعودية في مجالات متعددة من أبرزها الطاقة وتخزين الزيوت ومجالات التعدين والتجارة.

المكاسب الاقتصادية التي حققتها بكين من وراء تقاربها مع الرياض، فضلاً عن تناغم ذلك مع الرغبة الصينية في الحضور الدولي عبر بوابة الشرق الأوسط، كان بلا شك له عامل السحر في إعادة النظر في السياسة الخارجية لبكين حيال ملفات المنطقة، وهو ما تمخض عنه التغير الملحوظ في الموقف من الأزمة اليمنية، كخطوة أولى نحو تقييم التوجهات الخارجية الصينية برمتها حيال المنطقة.

خلال التصويت على مشروع قانون "جاستا" بالكونجرس الأمريكي

خارطة تحالف جديدة

تصريحات الرئيس الأمريكي الجديد دونالد ترامب ضد الصين والسعودية لا شك أنها أثارت قلق وحفيظة الدولتين ضد الإدارة الجديدة للبيت الأبيض، وهو ما دفع دول المنطقة إلى إعادة النظر في حليفها القديم، فالسعودية التي طالما اعتمدت على واشنطن في العديد من توجهاتها الخارجية باتت الآن وبعد وصول الرئيس الجديد خارج الحسابات بنسبة كبيرة جدًا، لذا لم تتوان الرياض في فتح صفحة جديدة من اللاعبين المؤثرين في المنطقة في مقدمتهم الصين وروسيا، خاصة وأن كليهما يمكنه أن يعوض الغياب الأمريكي بنسبة كبيرة.

ورغم الخلاف البين في توجهات الرياض وبكين وموسكو، فالتطورات التي فرضتها المستجدات الإقليمية والدولية، تدفع الجميع إلى العودة خطوة للوراء قليلاً، ومحاولة إيجاد لغة مشتركة للوقوف عليها نحو بناء تحالف جديد قادر على التصدي للهيمنة الأمريكية، لكن يبقى السؤال: هل ينجح الحلفاء الجدد في التوصل لحلول وسط فيما يتعلق بالملفات الشائكة بينهما وفي مقدمتها الملف السوري واليمني؟ وماذا لو داعبت واشنطن الرياض من جديد؟ هل سيكون ذلك على حساب بكين وموسكو؟ وهل ينجح التحالف الإقليمي المزمع إنشاؤه في تلبية طموحات الدول الأعضاء نحو تشكيل ضمانات حقيقة ضد المخططات الأمريكية؟ أسئلة مشروعة تجيب عنها الأيام القادمة.