لا تكاد تصل القيمة الحقيقية لدخل المصريين، لثلث قيمتها منذ عام من الآن، إلا أن رفع الدعم المتوقع عن الوقود قد يقضي على الثلث المتبقي، في وقت لا يعرف المصريون من أين تأتيهم المصائب، فكلما ظن المواطن أن هذا القرار هو الأصعب يجد نفسه أمام قرار جديد أشد صعوبة، فبعد التعويم ظن البعض أن قرار التعويم هو أكثر القرارات القاسية التي قد تلجأ لها الحكومة، ولكن مع تتابع القرارات نجد البعض يقول إن التعويم كان الأقل قسوة في حلقة من حرق قوت المصريين.

تحرير سعر صرف الجنيه ثم رفع أسعار الوقود وقبلهم ضريبة القيمة المضافة وأخيرًا رفع الجمارك على بعض السلع بنسب وصلت إلى نحو 500%، كل هذه القرارات قادت الأسعار لارتفاعات غير مسبوقة، ولكن قد لا تتوقف الارتفاعات عند هذا المستوى لأن رفع دعم الوقود سيدفع الأسعار لمستويات قياسية لم تعرفها الأسواق المصرية من قبل.

وبعد اتفاق أوبك على خفض الإنتاج باتت الحكومة المصرية مجبرة على رفع دعم الوقود وإلا لن تحصل على ما تبقى من شرائح صندوق النقد الدولي.

قالت شركة "بلتون" المالية في تقرير حديث لها: "إذا كان سعر برميل البترول حاليًا يبلغ 52 دولارًا وسعر الدولار نحو 18 جنيهًا، فإن تكلفة لتر البنزين 92 أوكتان أو السولار ستتراوح بين 9 و10 جنيهات، بينما تبلغ الأسعار حاليًا 3.5 و2.35 جنيه للتر لكل منهما على الترتيب".

تقرير "بلتون" جاء صادمًا للمصريين إلى حد كبير، فالبعض كان يتخيل أن ما حدث في 3 من نوفمبر كان خفضًا لدعم الوقود، ولكن في الواقع ما تم هو زيادة الدعم وتعديل الأسعار فقط، وفي انتظار أن تبدأ الحكومة في خطة رفع الدعم التي وعدت بها صندوق النقد الدولي خلال برنامج الإصلاح الاقتصادي.

وتتوقع "بلتون" أن ترفع الحكومة أسعار البنزين والسولار نحو 100 أو 150%، وترجع هذه الزيادة لأن الحكومة خصصت فى ميزانية السنة المالية 2017 نحو 35 مليار جنيه لدعم الطاقة اعتمادًا على فرض أن سعر البترول 40 دولارًا للبرميل في المتوسط وسعر الدولار 9 جنيهات، ولكن بعد تعويم العملة المصرية 3 من نوفمبر الماضي واتفاق أوبك نهاية الشهر نفسه على خفض الإنتاج فإن الدولار قفز من 9 إلى 18 جنيهًا وسعر برميل البترول زاد من 45 إلى 52 دولارًا.

ويشير التقرير إلى أن تعويم الجنيه واتفاق أوبك دفعا فاتورة الدعم للزيادة بنحو 150% لترتفع إلى 90 مليار جنيه، في وقت تتوقع في الحكومة عجزًا بنحو 319 مليار جنيه فى السنة المالية 2017، كما أنها مطالبة بخفض هذا العجز استجابة لمطالب الصندوق.

بالإضافة إلى ذلك فإن مصر ملزمة بتسوية المدفوعات المستحقة لشركات البترول الأجنبية والتى تبلغ نحو 3.5 مليار دولار خلال الأشهر القادمة، استجابة أيضًا لمطالب الصندوق حسبما ذكرت السفارة البريطانية في مصر الشهر الماضي، كل هذه العوامل تؤكد أن الحكومة مقبلة على خفض كبير في فاتورة دعم الوقود. 

ولكن ماذا لو رفعت الحكومة الدعم عن الوقود؟

من المعلوم اقتصاديًا أن ارتفاع أسعار الوقود من أكثر العوامل المؤثرة في التضخم، فدائمًا ما يلحق الزيادة بأي نسبة في سعر الوقود نسبة تضخم في الغالب تكون ضعف زيادة أسعار الوقود، بمعنى أن ارتفاع سعر البنزين بنحو 10% يقابله أثر تضخمي بنحو 20%، وبحسب توقعات "بلتون" فإن الحكومة سترفع السعر بما يقارب 100 أو 150%، مما يعني زيادة بالأسعار في مصر بنحو 200 أو 300%.

وكان معدل التضخم السنوي قد قفز إلى 16.4% خلال أغسطس الماضي، مقابل 14.8% في الشهر السابق عليه، ما يعد أعلى معدل ارتفاع منذ عام 2008، وذلك حسبما كشف الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء، ولكن بعد تعويم الجنيه بات التضخم يقترب من ضعف هذه الأرقام.

وكان صندوق النقد الدولي قد توقع في تقرير "آفاق الاقتصاد العالمي" ارتفاع معدل أسعار المستهلك في مصر إلى 18.2% خلال العام المالي الحالي، مقابل توقعات سابقة بلغت 9.5% في ذات التقرير الصادر في أبريل الماضي، ولعل الفجوة بين التوقع الأول والثاني تكشف منحنى الأسعار في مصر بوضوح، ولكن كيف سيكون شكل هذا المنحنى حال رفعت الحكومة الدعم عن الوقود! كان الله في عون المصريين.