عرف الإسلاميون في الجزائر ازدهارًا ثم أفولًا ثم وجوًدا شكليًا، وفرض عليهم الخريف في عز الربيع العربي خلال السنوات الماضية، فانقسموا شيعًا وأحزابًا وتفرقوا بين مؤيد للسلطة متحالف معها، وبين مقاطع راغب، ومعارض متذبذب أو رافض، وها هم اليوم على أبواب الانتخابات التشريعية، يحاولون التوحد من جديد.

يصف محللون سياسيون قرار إعلان حزبين إسلاميين جزائريين بالتوحد والاندماج لخوض الانتخابات البرلمانية المقررة في 2017، بالقرار التاريخي الذي سيؤسس لمسار إنهاء واقع التشرذم وتعدد الكيانات، الذي وصل إليه التيار الإسلامي وعانى منه لأعوام طويلة في الجزائر.

فهل ينجح أبناء التيار الإسلامي الجزائري بتشكيل تحالف سياسي واسع وجامع، يخوض الانتخابات النيابية بقوة وينجح في الحصول على أغلبية كبيرة في البرلمان، أم لن يكون لذلك تأثير على نتائج الانتخابات، خصيصًا بعد كل هذه السنوات من الانقسامات بين أبناء التيار الواحد، وأيضًا في ظل القانون الانتخابي الذي يضع قيودًا على خوض الانتخابات، ما يهدد بعض الأحزاب الإسلامية بحضورها ومشاركتها؟

الانتخابات التشريعية الجزائرية في 2012

تحالفات على أمل النجاة

قيادات في أحزاب إسلامية جزائرية كشفت لوكالة الأناضول مؤخرًا، عن اتصالات مكثفة لتوحيد المكونات السياسية الإسلامية كافة، وذلك لإنهاء حالة التشرذم والانقسام، ومواجهة التحديات المشتركة، وتفادي "الشروط القانونية التعجيزية" لخوض هذه الأحزاب للانتخابات القادمة.

وقد كانت حركة النهضة وجبهة العدالة والتنمية أعلنتا في مطلع نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، موافقة قيادة الحزبين على مشروع اندماجي، لينهيا انقسامًا دام 16 عامًا، وذلك عندما فجّر ملف دعم ترشح الرئيس الحالي عبد العزيز بوتفليقة لانتخابات الرئاسة في 1999 الخلاف، مما أدى إلى انقسام "حركة النهضة التاريخية" إلى جناحين.

حيث انقسمت الحركة وقتها إلى جناح داعم لترشيح بوتفليقة، بقيادة مكتب الحركة التنفيذي ومجلس الشورى، وجناح آخر رافض، بقيادة زعيم الحركة التاريخي عبد الله جاب الله، الذي انشق عن الحزب وأسس حركة الإصلاح الوطني، ثم انشق عنها بسبب خلافات مع قياداتها، وأسس حزبه الثالث "جبهة العدالة والتنمية".

هذه الجبهة حصلت على 7 مقاعد في الانتخابات البرلمانية عام 2012. بينما شاركت حركة النهضة ضمن "التكتل الأخضر"، وهو تحالف ضم أيضًا حركة مجتمع السلم، وحركة الإصلاح الوطني، وحصد 48 مقعدًا، وحل ثالثًا بعد حزب جبهة التحرير والتجمع الوطني الديمقراطي.

جبهة العدالة والتنمية قالت، في بيان يوم الجمعة الماضي، إن الاندماج "قرار تاريخي يؤسس لمسار إنهاء واقع التشرذم وتعدد الكيانات، الذي وصل إليه التيار الإسلامي". وفي اليوم نفسه، أعلنت حركة النهضة، في بيان، أنه سيتم "استكمال مساعي التحالف الانتخابي مع باقي الشركاء السياسيين المتواصلين مع الحركة من الأحزاب الإسلامية". حيث سيتجه الحزبان إلى تنظيم مؤتمر يجمع قياداتهما من أجل تأسيس حزب جديد موحد.

وكان القيادي في جبهة العدالة والتنمية، لخضر بن خلاف، أكد في تصريحات صحفية أن "اندماج الجبهة مع حركة النهضة هو مشروع استراتيجي أبعد من مسألة ظرفية، مثل الانتخابات المقبلة، حيث إن المشروع يعود إلى عام 2008، لكن هذه المرة اجتمعت ظروف عدة لنجاحه، وربما يتوسع بأحزاب إسلامية أخرى، وسيعلن عن نتائج الاتصالات مع هذه الأحزاب في الوقت المناسب".

يذكر أنه جرت محاولات سابقة لجمع أبناء التيار الإسلامي الجزائري، سواء بالاندماج أو بتحالفات سياسية وانتخابية، لكن أغلبها فشل، باستثناء نجاح حركات مجتمع السلم والنهضة والإصلاح الوطني في تشكيل تحالف خلال الانتخابات البرلمانية في 2012، حيث تحول الحزبان إلى كتلة نيابية موحدة تضم 50 نائبًا من أصل 462 في مجلس النواب.

مراحل التخبط والتجريب

عاشت الأحزاب الإسلامية ممثلة بالأساس في حركتي مجتمع السلم وحركة النهضة -على اعتبار الجبهة الإسلامية للإنقاذ لم تعد حزبًا سياسيًا معتمدًا بعد قرار حله في مارس 1992- أوج مراحل أدائها وازدهارها السياسي، منذ فترة التأسيس في أعقاب الانفتاح الذي حصل سنة 1988-1989، ليستقر بها الحال بعد "فترة عسل" لم تدم طويلًا في إطار خيار التعايش ومشاركة السلطة الكثير من قراراتها، على انشطارات وانقسامات داخلية، من نتائج هذه الظاهرة انكماش وعائها النضالي وتراجع تمثيلها في المجالس المنتخبة.

فبمجيء الرئيس بوتفليقة سنة 1999، دخلت الجزائر مرحلة سياسية جديدة، تميزت بإفراغ الأحزاب السياسية من محتواها وقيام السلطة بإنهاء التطاحن السياسي ذي الخلفية الإيديولوجية بين تيارات ثلاثة، التيار الوطني والتيار الإسلامي والتيار الديمقراطي. حيث مثل "التيار الإسلامي" آنذاك كل من حركة النهضة الإسلامية بقيادة عبد الله جاب الله وحركة المجتمع الإسلامي (حماس) بقيادة الشيخ الراحل محفوظ نحناح.

 عبد الله جاب الله برفقة الشيخ الراحل محفوظ نحناح بداية التسعينات

تلقت الأحزاب الإسلامية ضربات موجعة في عصر بوتفليقة من الانقسامات الداخلية التي ارتبطت أسبابها دائمًا بغنائم الاقتراب من السلطة وامتيازاتها، فقد تفجرت حركة مجتمع السلم بسبب فريق من القيادات التي فضلت الالتحاق بركب بوتفليقة، وانفجر الوضع في حركة النهضة أيضًا بسبب رغبة قيادات في بعض المناصب الوزارية، والبقاء قريبًا من نعيم السلطة.

في المحصلة، تجرعت الأحزاب الإسلامية -بشهادة واعتراف قياداتها- الويلات في فترة حكم الرئيس بوتفليقة، فلم تكن الأوضاع التي آلت إليها داخليًا وخارجيًا على صعيد الممارسة السياسية في مستوى الخدمات التي أسدتها للرئيس، سواء من خلال مشاركة حركة مجتمع السلم وانغماسها في تأييد الرئيس، أو من خلال دعم حركة النهضة لمجيء بوتفليقة سنة 1999، وتزكيتها له تحت مسمى "مرشح الإجماع الوطني".

الرئيس بوتفليقه في انتخابات 1999

وبتمعن بسيط في أدبيات عملها، يستخلص أن الأحزاب الإسلامية الجزائرية عاشت في مراحل تخبط وتجريب، حيث كانت فاقدة للخطط وأدوات عمل مستقرة، وربما لا يكون هذا تقصيرًا أو جهلًا منها، بقدر ما هو من نتائج الحصار الذي ضربته السلطة عليها بصفة خاصة، وعلى الأحزاب بصفة عامة بهدف تحجيمها، كما يرى الكثير من المتابعين.

هل ستكون الانتخابات القادمة نقطة تحول؟

تأتي الانتخابات التشريعية الجزائرية القادمة عقب تغييرات كبيرة شهدتها الجزائر في السنوات الثلاث الأخيرة، أبرزها تنحية الرجل القوي في السلطة مدير جهاز الاستخبارات الفريق محمد مدين المعروف بالجنرال توفيق، وتعديل الدستور في فبراير/شباط 2016، الذي منح المعارضة ضمانات أكبر، وأقر تشكيل هيئة عليا مستقلة لمراقبة الانتخابات، وإن كان كل هذا لا يرضي المعارضة بالشكل المطلوب.

ويرى محللون أنه لا يعول كثيرًا على التغيير في الانتخابات القادمة، حتى لو فازت المعارضة بالمراكز الأولى، فالنظام الجزائري لا يتيح للبرلمان أي سلطة تأثير على صناعة القرار أو توجيه السياسة العامة للدولة بشكل عام، بحسب الكثير من المراقبين.

كذلك، تعتبر سنوات المقاطعة التي اتخذها الإسلاميون، مصدر ضعف لهم الآن، وربما لا تكون نسبة المشاركة في الاقتراع القادم كبيرة، بحسب توقعات مراقبين ومراكز الرأي، حيث إن الايمان بالتغيير عن طريق الانتخابات لا يزال ضعيفًا لدى الجزائريين، الذين مرت عليهم سنوات عصيبة في العقود الماضية. إضافة إلى أنه لا يوجد ما يقنع الناخب الجزائري بأن التغييرات في جهاز الاستخبارات ستؤثر على الواقع طالما أن هناك عزوفًا من المواطنين عن الترشح والانتخاب.

عبد الله جاب الله رئيس جبهة العدالة والتنمية 

إلى ذلك، يتهم إسلاميو الجزائر السلطة السياسية في البلاد بأنها لا تريد أن تجعل الانتخابات المقبلة أكثر انفتاحًا مقارنة بما حصل في المغرب وتونس. حيث تقول جبهة العدالة والتنمية على لسان قياديها في تصريحات إعلامية سابقة وأكثر من مناسبة إن السلطة تتجه نحو ممارسة المزيد من التضييق على الحريات وعلى وسائل الإعلام، رغم أن الدستور حمل عناوين براقة عن المعارضة ودورها.

حيث ترى الجبهة والأحزاب الإسلامية الأخرى عمومًا أن قانون الانتخابات يضع شروطًا تعجيزية للمشاركة لا تتوفر سوى في أحزاب الموالاة، وأن الأحزاب لا تملك حق مراقبة الانتخابات كما كان عليه الحال من قبل تشكيل الهيئة العليا لمراقبة الانتخابات.

وترى الأحزاب الإسلامية أن قرار تأسيس الهيئة التفاف على مطلب المعارضة التي كانت تطالب بهيئة مستقلة لتنظيم الانتخابات والإشراف عليها. معتبرة أن الهيئة الحالية وظيفتها المراقبة فقط، وأعضاؤها معيّنون، والمعين يبقى رهينة لمن عيّنه، وليس له من أمره في شيء.

إلى ذلك، يرى الكثير من المتابعين للشأن الجزائري أن السلطة الجزائرية سنّت قوانين تضمن فوز أحزاب الموالاة، وأن تعيين شخصية محسوبة على التيار الإسلامي على رأس الهيئة المستقلة لمراقبة الانتخابات لن يغير شيئًا في المعادلة التي يريدها النظام الجزائري.

تركة "العشرية السوداء" الثقيلة

يُتّهم إسلاميو الجزائر من قبل خصومهم الليبراليين بأنهم ليس لديهم مشروع سياسي واضح، باستثناء المشروع الصدامي مع السلطة، على عكس نظرائهم في المغرب، الذين نجحوا في الوصول إلى السلطة وغيروا الفكرة المأخوذة بشكل دائم عنهم في عدم قدرتهم على التغيير أو طرح مشروع ناجح حتى ولو كانوا تحت عصا الملك أو سلطته.

ومن الصعوبة المقارنة بين إسلاميي الجزائر وبين إسلاميي تونس والمغرب وتركيا على سبيل المثال، فأوجه المقارنة بينهم تكاد تكون بعيدة، وبالتالي لا يمكن أن يقال إن إسلاميي الجزائر فشلوا عكس المغاربة، لأن عاملي الزمان والمكان مختلفان تمامًا، فالأحزاب الإسلامية في الجزائر قديمة الوجود وارتبطت بفترة زمنية عصيبة وهي العشرية السوداء والإرهاب الدموي الذي رافقها، الأمر الذي أثّر على نتائجها، وكان من أسباب الفشل في السنوات اللاحقة، وما دامت هذه السمة تلازمها فستبقى تؤثر على مستقبلها السياسي ما لم تجد لنفسها مخرجًا، فضلًا على كونها تتهم أنها لا تملك مشروعًا سياسيًا واضحًا، بقدر ما ارتبط وجودها بصراعاتها مع السلطة.

من مظاهر حكم الجيش في سنوات العشرية السوداء في الجزائر

ويرى مراقبون أن التركة التي خلفتها العشرية السوداء في الجزائر، كانت وراء النتائج الهزيلة التي كان يحصل عليها إسلاميو الجزائر في كل الانتخابات السابقة. حيث إن هذا المعطى سيبقى يضغط في غير صالح الإسلاميين في الاستحقاقات المقبلة، فهل سينجح الإسلاميون في الخروج من هذا النفق المظلم بتحالفاتهم هذه؟ وماذا ستكون ردة فعل الخصوم إذا ما حققوا نجاحًا كبيرًا في الانتخابات القادمة؟