اقتحم التطور التكنولوجي جميع مناحي حياتنا اليومية، حتى وصل إلى داخل أجسامنا عن طريق علم الهندسة الوراثية الذي أحدث طفرة علمية في التلاعب بالجينات البشرية، التي تعد سلاح ذو حدين.

فرغم مساعدة هذا التطور في علاج حالات كثيرة من الأمراض المستعصية، حتى الآن لا توجد رقابة دولية على التلاعب بالجينات البشرية، كما هو الحال في أبحاث الخلايا الجذعية، فبعض البلدان تسمح بها والبعض الآخر تمنعها، والتفاوت يخضع لأسباب متباينة لا حصر لها، والنقاش ما زال يجري تحت مظلة الالتزام الأخلاقي تجاه هذا الجيل وتجاه أجيال المستقبل.

كما أنّ هناك نقاشات تتعلق بارتباط آليات التلاعب بالجينات بعمليات الخلق، وقد يقود الجدل هنا إلى صدام بين المتدينين والعلماء ودعاة التغيير، والمحتاجين إلى علميات تنقذهم من أمرض الوراثة على وجه الخصوص، ومنها اللوكيميا والاستعداد لأمراض السرطان وأمراض السكر الوراثية ومجموعة الأمراض الزهرية الوراثية، ونقص المناعة الوراثي أو المنتقل عن طريق دم وحليب الأم.

ما هو التلاعب بالجينات؟

التلاعب بالجينات يعني بالأساس تغير الحمض النووي للإنسان DNA، وهو الشيء الذي يحدد من نَكونه ويعرّفنا بين الناس بما نحن عليه، ويأمل الباحثون بأن تمكننا هذه التقنية في يوم ما من استئصال أو إزالة الجينات الشريرة المسببة للأمراض، وبخاصة الوراثية منها.

تخيل أنك تتوقع أن تصبح أبًا، وأنت تعلم أن عائلتك تحمل أمراضًا وراثية منها على سبيل المثال التخلف العقلي أو مرض هتنغتن، وإذا نجحت في إزالة الجين المسؤول عن هذه الأمراض في طفلك المستقبلي، فتوقع أن تحصل على طفل سالم من المرض! في حالة بعض الأمراض لا بد من التلاعب بآلاف الجينات، لكن المشروع برمته يلقى إقبالاً منقطع النظير.

ولكن قد يعترض البعض بحكم أنّ هذا النوع من التدخل هو اعتداء على وظائف الله عز وجل، وهو اعتراض يشبه الاعتراضات على عمليات التخصيب المختبري المعروفة بـ "أطفال الأنابيب"، وأبحاث الخلايا الجذعية.

ما يقلق الناس سببه أنه مع التقدم العلمي الكبير، لم تعُرف بعد قدرات التكنولوجيا، لكن مساحة محددة من حجم القلق تقع في "تعديل الخط الجرثومي" الذي يعني التلاعب في التكوين الجيني للأجنة والحيامن.

والخوف كل الخوف يكمن في أن تعديلاً كهذا لن يطال من تجرى عليهم التجربة فحسب، بل سينتقل إلى كل ذريتهم، وهكذا فإنه تغيير سيطال الأجيال المقبلة إلى أجل غير معلوم.

المعترضون على التلاعب بالجينات يقولون إنه سيعرّض أجيال المستقبل إلى مخاطر غير محسوبة وغير منظورة، كما أن الحصول على موافقة الأجيال المقبلة على إحداث هذا التلاعب مستحيل - في الوقت الحاضر على الأقل -، وهكذا فنحن نتلاعب بمقدرات حياة الغد، ويشبه الأمر هنا المسير في حقل ألغام أخلاقي.

طرق التلاعب بالجينات

هناك 3 طرق للتلاعب بالجينات يعتمدها العلماء في الوقت الحاضر، وهي طرق تسمح لهم بتغيير الخلايا الحية كما يمكن لمستخدم الكومبيوتر أن يتصرف بأي نص يكتبه على ملف وورد مثلاً فيستخدم القطع واللصق والاستنساخ والحذف وإزالة الحذف والتكرار وما إلى ذلك.

طريقة CRISPR-Cas9: وهي الطريقة الأكثر شيوعًا في الوقت الحاضر، وتعتمد على استخدام protein Cas9 الذي يهاجم الحامض النووي للفيروسات كما لو أنه مقص، ويشيع عن هذه الطريقة أن protein Cas9 قد يقطع الجزء الخطأ من الحمض النووي ما يثير مخاوف بشأن سلامته، لكنه رخيص نسبيًا وسهل الاستخدام حتى في عمليات التلاعب الجيني المتعدد.

طريقة Zinc-finger nuclease: وتستخدم هذه الطريقة على وجه الخصوص لحذف خلايا الدم البيضاء، ويؤمّل أنها بهذا الشكل ستفتح الباب للقضاء على فيروسات مرض نقص المناعة المكتسبة، من خلال الدخول إلى جهاز المناعة، وكانت هذه التقنية أول أداة لتحرير الجينوم بما يوفر إمكانية تفحصه وعزله، لكنها بقيت محدودة القدرة لاعتمادها بروتينات صعبة التكيف مع الجينات المستهدفة الجديدة، ولذا تزل أحيانًا، وتقطع هي الأخرى في المكان غير الصحيح.

طريقة TALENs: وهي إنزيمات تستخدم في قطع الحامض النووي ومناطق التصاقه، ويمكن في العادة برمجتها للتلاعب في جينات محددة، هي أسهل من حيث التطبيق من الطريقة الثانية كما أنها أقل كلفة، لكنها هي الأخرى تفتقد إلى عنصر الدقة في القطع واللصق كما قال الأطباء في مستشفى "غريت ارموند ستريت" بلندن، وكان تطبيقها الناجح الأول قد جرى على رضيعة تبلغ عامًا من العمر وتعاني من اللوكيميا.

وبفضل طريقة CRISPR-Cas9 جعلت تغيير الحمض النووي داخل الخلايا رخيصًا وسهلاً، وأتاحت للباحثين تغيير الحمض النووي لأيّ كائن حي بسرعة فائقة، بما في ذلك الإنسان، فهي وفق بروس كونكلين عالم الوراثة بمعهد "جلادستون" في سان فرانسيسكو بولاية كاليفورنيا الأمريكية، تقلب كل شيء رأسًا على عقب.

وفي السنوات الأخيرة أحدثت هذه التقنية تحولات جوهرية في أبحاث الطب الحيوي، ويأمل الباحثون في استخدام هذه التقنية لتعديل جينات البشر، بغرض القضاء على الأمراض، وإكساب النباتات قوة تحمّل، والتخلص من مسببات الأمراض.

 يقول جون شمينتي، عالم الوراثة في جامعة "كورنيل" في إيثاكا بولاية نيويورك الأمريكية: "هناك تقنيتان ثوريتان في عالم الهندسة الوراثية هما "كريسبر"، و"تفاعل البوليميريز المتسلسل"، حيث تؤثر تقنية كريسبر في العديد من علوم الحياة من عدة جوانب، وهي في ذلك تشبه تقنية تفاعل البوليميريز المتسلسل لتضخيم الجينات، التي أحدثت ثورة في الهندسة الوراثية، بعد التوصل إليها في العام 1985".

ورغم إمكانات تقنية "كريسبر" الواعدة، فإن هناك مخاوف أخلاقية، ومخاوف من أن تؤدي إلى تعديلات جينومية شاذة أو خطيرة، والشعور بالقلق من أن تتسبب الكائنات المعدلة وراثيًّا في إحداث اضطرابات أو انهيارات في الأنظمة البيئية كلها، لأنه يسهل استخدام هذه التقنية في المختبرات، فلا حاجة إلى معدات كثيفة أو باهظة، كما لا يحتاج الباحثون إلى سنوات طويلة من التدريب لإجراء التعديلات الوراثية.

كثيرة هي الأبحاث والدراسات التي تستخدم هذه التقنية المتطورة والسهلة وغير المكلفة، في مختلف مجالات الحياة، سواء على الإنسان أو النبات.

ومن ناحية استخدامها على الإنسان، أجرى دانييل أنديرسن وزملاؤه في "معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا" تجاربهم على الفئران، بغرض تصحيح الطفرات المرتبطة بمرض أيضي يصيب البشر، يُسمى "تايروسينيميا"، ويرى أندرسون أن التجارب الإكلينيكية الأولى لمثل هذا العلاجات أصبحت واقعًا.

وستكون هذه التجارب الأولية على الأرجح سيناريوهات يمكن فيها حقن مكونات "كريسبر" مباشرة في الأنسجة، مثل الحَقن في العين، أو نزع الخلايا من الجسم وهندستها في المختبر ثم إعادتها للجسم مرة أخرى.

فعلى سبيل المثال، من الممكن تصحيح الخلايا الجذعية التي تشكِّل الدم، لعلاج أعراض معينة مثل أمراض فقر الدم المنجلي أو الثلاسيميا.

وثمة تحدٍّ أكبر، يتمثل في إدخال الإنزيم والحمض النووي الريبي الإرشادي في العديد من الأنسجة الأخرى، وبرغم ذلك يأمل الباحثون في استخدام هذه التقنية يومًا ما، لعلاج عدد أكبر من الأمراض الوراثية.

مؤيد ومعارض

يرى الخبراء أنه عند استخدام تقنيات التعديل الجيني لدى الإنسان تثير دواعي للقلق من إيجاد أطفال "حسب الطلب" ما دفع منتقدي هذه التقنيات إلى الدعوة لفرض حظر على التعديل الجيني للأجنة البشرية.

فيما يقول المتخصصون إنه لا يمكن استخدام التعديل الجيني للأجنة في تكاثر الإنسان، لكن الغرض منها هو تعميق فهم كيفية نشوء وتطور أجنة بشرية سليمة وهو أمر يمكن أن يساعد على المدى الطويل في النهوض بعلاج العقم.

وفي ذات السياق قال علماء واختصاصيون في الأخلاق مجتمعون في قمة عالمية في واشنطن إن استخدام تقنية التعديل الجيني في الأجنة البشرية للأغراض العلاجية سيكون عملاً غير رشيد إن حدث قبل حل المسائل المتصلة بالسلامة والفعالية.

ويقول مؤيدو هذه التقنية إنها قد تقرب اليوم الذي سيتمكن العلماء فيه من منع الإصابة بالأمراض الوراثية، لكن المعارضين يشعرون بالقلق بشأن الآثار المجهولة على الأجيال القادمة علاوة على ميل الآباء في المستقبل إلى دفع مبالغ مقابل تحسين النسل مثل مستوى الذكاء لدى الأبناء ورفع القدرات الرياضية.

وقال البيان الذي أصدرته اللجنة المنظمة للقمة الدولية الخاصة بالتعديل الجيني للبشر إن تعديل الجينات في الأجنة البشرية جائز لأغراض البحث ما دامت الخلايا المعدلة لا يتم زرعها لإحداث الحمل، وصدر بيان وسط جدال محتدم بشأن استخدام أدوات جديدة للتعديل الجيني للحيوانات المنوية للرجل أو بويضات الأنثى أو الأجنة البشرية قادرة على تعديل التركيب الجيني للأطفال قبل أن يولدوا.

العنصرية البيولوجية

وتعقيبًا على ما ذكر أعلاه، حذر العديد من العلماء والخبراء من مستقبل البشرية في ظل وجود تقنية كريسبر CRISPR، وتحديدًا التداعيات الاجتماعية لهذه التغييرات القادمة لا محالة.

لكن بدء استخدام هذه التطورات قبل وضع قوانين تنظيمية لها دفع بالبعض إلى حد التحذير من ظهور عنصرية وطبقية جديدة تفرق بين البشر على أساس جيناتهم الوراثية والمعدلة، فيصبح هناك نوعين من البشر: الأول متفوق ومعدل وراثيًا والثاني جنس عادي بلا أي تعديلات أو"تحسينات".

ومن جانبه يقول الكاتب الشهير كازو إيشيغيرو إن تقنية كريسبر CRISPR، تتيح المجال لاستخدامات عديدة في مجال الطب وعلم الأحياء، ومن أخطرها المساهمة في خلق كائن بشري متفوق جسديًا وفكريًا وصحيًا عن بقية أقرانه من البشر.

هذا التفوق البيولوجي يعني ظهور حفنة قليلة من البشر المميزين سيسيطرون بطريقة أو بأخرى على مجتمعاتهم.

الأثرياء!

وقال الكاتب الحائز على جائزة بوكر إن المجتمع قد ينقسم إلى طبقتين، الأولى تتميز بأطفالها الذين يولدون وفق طلبات معينة من أهاليهم الأثرياء، كأن يتخلصوا من أمراض معينة أو يرفعوا من معدلات ذكائهم وأدائهم الجسدي، والطبقة الثانية أدنى منزلة بيولوجيًا، لأنها بقيت تتكاثر على طبيعتها "بلا أي لمسات".

وباستخدام هذه التكنولوجيات لابتكار جنس متفوق من البشر، يضاف إلى التفرقة، التي ظلمت شعوبًا بأكملها، عنصرية بيولوجية تضاف إلى العنصرية الجنسية والعرقية والإيديولوجية وغيرها.

يؤمن إيشيغيرو أننا مقبلون على مستقبل بائس، مشيرًا إلى أهمية الاكتشافات والتطورات التكنولوجية التي يشهدها المجتمع العلمي يوميًا من جهة، مع التشديد على ضرورة قراءتها جيدًا والانتباه إلى كيفية استخدامها وسبل تأثيرها على حياة البشر أجمع، من جهة أخرى.

وفي النهاية يرى بعض الباحثين أن هناك دروس يمكن أن تستفيد بها تقنية "كريسبر  CRISPR"، تلك الدروس من تجارب التقنيات الأخرى الجديدة، التي أثارت شعورًا كبيرًا بالسعادة، ثم القلق، فالإحباط، عندما بدأت المتاعب تطل برؤوسها، كان عالِم الجينات الطبي جيمز ويلسون ـ من جامعة بنسلفانيا في فيلادلفيا ـ في قلب المتحمسين بشأن العلاج الجيني في التسعينيات، حتى شهد سقوط هذه التقنية عندما حدث خطأ في تجربة إكلينيكية أدَّى إلى مصرع شاب، فتدهورت الأمور، وخرجت عن السيطرة، ولم تبدأ في التحسُّن إلا مؤخرًا.

ولا يزال مجال تقنية "كريسبر CRISPR" واعدًا، على حد قول ويلسون، وسيكون أمامنا سنوات قبل أن نستوعب إمكانياتها، ويضيف قائلًا: "لا زلنا في مرحلة الاستكشاف، وتحتاج هذه الأفكار إلى فترة للنضج والتطور".

ويشعر ويلسون مرة أخرى بالحماس مع "كريسبر CRISPR"، ويقول إنه كان متخوفًا من كل المزايا التي ترددت حولها، حتى بدأ مختبره يجرب الطريقة، يقول ويسلون: "سيكون لهذه التقنية دور كبير في مداواة الأمراض التي تصيب البشر، إنها تقنية مذهلة حقًّا".