عاد جون كيري إلى المملكة العربية السعودية الأحد 18 من ديسمبر 2016 ليُحيي مبادراته التي قدمها إسماعيل ولد الشيخ أحمد المبعوث الأممي إلى اليمن كمبادرة أممية لإحلال السلام في اليمن، رفضها الرئيس اليمني عبده ربه منصور هادي بإيعاز من المملكة العربية السعودية التي تريد أن يبقى الرئيس هادي في الحكم لتسجل على الأقل نصرًا سياسيًا بعد إخفاقها العسكري في حملتها (عاصفة الحزم) التي شنتها على اليمن في 27 من مارس 2015.

وقال كيري في المؤتمر الصحفي الأخير الذي عقده مع نظيره السعودي عادل الجبير، إن  خارطة الطريق التي أعلن عنها المبعوث الأممي في وقت سابق من هذا العام وتنص على عقد مفاوضات بين جميع أطراف الأزمة اليمنية، لم تكن اتفاقًا نهائيًا بل عبارة عن خطة تسمح بالتفاوض، وقال أيضًا إنه يدين تدخل إيران في اليمن، وأمريكا تحاول تحييدها، كما انتقد مع الجبير قانون جاستا.

حديث جون كيري الأخير، كان ضعيفًا للغاية، ويبدو أنه محاولة أخيرة منه لتحقيق نجاح في اليمن بعد فشله في تحقيق أي نجاح في مكان آخر.

ومن خلال قراءة ما وراء المؤتمر الصحفي الذي عقده الجبير مع كيري، فكانت عودة وزير الخارجية الأمريكي إلى الرياض لها شقين.

الشق الأول من أجل لفت انتباه حليفتهم المملكة على أهم نقاط أو ملامح ما يعده لها الرئيس الأمريكي الجديد بدرجة رئيسية، للاستعداد لذلك، والشق الثاني وهو ما يمثل لهم أمرًا ثانويًا من هذه الزيارة، الشأن اليمني المتعلق بالمرحلة القادمة.

يلتزم الحوثيون وصالح بتسليم الصواريخ الباليستية لطرف ثالث، وفق الآليات التي جرى اقتراحها في تفاهمات عمان، ورحب بها الحوثيون وصالح، واعتبروها أساسًا قابلاً للنقاش والبناء عليه

ويتضح ذلك جليًا من خلال دعوته لأطراف الصراع اليمني لاغتنام ما أسماها الفرصة الأخيرة، رغم أن التسوية السياسية في اليمن أصبح وضعها إقليمي وليس في متناول الأطراف المتناحرة كما ألمح إليها كيري، وبإمكانه الضغط على الأطراف المتناحرة وداعميهم (إيران والمملكة العربية السعودية) للقبول بهذه التسوية.

وهو لا يبدو أنه قادر على الأقل على تحقيق أي نصر يدونه في سجله المليء بنقاط الضعف، ولو حتى في اليمن، خصوصًا أن دعوته جاءت قبل أقل من شهر من رحيل الإدارة الأمريكية بشكل كامل، وكانت عودته لتوجيه نصائح للمملكة في كيفية إدارة الحرب مع تسلم ترامب الحكم في 20 من يناير القادم، حتى لا تقع في الخطوط الحمراء التي قد يرسمها الرئيس الجديد.

يبدو أنه وجه إليها نصائح عديدة من ضمنها إيقاف الضربات الجوية العشوائية على اليمن، وبسببها يموت الكثير من الأبرياء، إضافة إلى وقف استعمالها للقنابل العنقودية المحرمة دوليًا.

وهذا يبدو من خلال إعلان الرياض صبيحة اليوم التالي من المؤتمر الصحفي لجون كيري، أنها قررت إيقاف استخدام الذخائر العنقودية من نوع (755-BL) البريطانية الصنع في اليمن.

لكن السعودية، لا تريد أن يتم توقيف الحرب ما لم تضمن ما تسميه "عدم الاعتداء عليها" من اليمن أو جماعة الحوثيين وصالح بعد أن تتم التسوية السياسية، ومن أجل ذلك تعمل على الشقين العسكري والسياسي.

فهي تعمل عسكريًا من أجل ترجيح كفة الحكومة المعترف بها دوليًا على الأرض لتفرض واقعًا جديدًا في أي حوار قادم مع الحوثيين وقوات الرئيس السابق علي عبد الله صالح، لكن ذلك يكلفها الكثير من المال والأرواح على جبهاتها في الحدود نتيجة الرد القادم من العاصمة اليمنية صنعاء من خلال إطلاق الصواريخ البالستية أو المعارك الطاحنة التي تدور رحاها في حدها الجنوبي.

أما السياسي فهي تعمل أيضًا على الدفع بالعملية السياسية، لكن وفق أجندتها وشروطها أو ما تسميها المرجعيات الثلاثة (مبادرة مجلس التعاون الخليجي ومؤتمر الحوار الوطني وقرار مجلس الأمن الدولي).

وما يدل على أن جون كيري جاء إلى الرياض وهمه الأول إيصال رسائل تحذيرية لأصدقائه في المملكة من الإدارة القادمة، هو ما خرج عن اللقاءات التي أجراها في الرياض حينما دعا أطراف الصراع في اليمن لعقد ورشة عمل لمباحثات لجنة التهدئة الخاصة بوقف إطلاق النار في الحدود اليمنية السعودية.

ورشة عمل في الأردن

وبعد مغادرة جون كيري للمملكة، أعلن إسماعيل ولد الشيح أحمد أن لجنة التهدئة والتنسيق قررت التحضير لتفعيل وقف إطلاق النار باليمن، في اجتماع بالأردن.

لكن المتحدث الرسمي لوزارة الخارجية الأردنية صباح الرافعي، قال إن بلاده لم توافق على طلب تلقته من اللجنة الرباعية العربية لاستضافة ورشة العمل للجنة التهدئة والتنسيق لوقف إطلاق النار في اليمن، لكنها ستنظر في الطلب فيما بعد.

المبادرة الخليجية التي تشترط الحكومة أن تكون أحد المراجع الثلاث تم تعطيلها من قبل البرلمان اليمني، بعد ما قال إنه تم خرقها من قبل الرئيس اليمني عبده ربه منصور هادي الذي لم يلتزم بفترته الرئاسية

فبعد أن كانت الأطراف اليمنية قاب قوسين أو أدنى من إبرام اتفاق سلام نهائي في اليمن، وكان ذلك فقط يحتاج إلى ضغط دولي حقيقي على الأطراف اليمنية، عاد الحديث للتحضير لورشة عمل بدل من مباحثات سياسية، من أجل وقف إطلاق النار.

هناك مجاعة حقيقة في اليمن، إضافة إلى تشريد ما يقارب الثلاثة مليون يمني، ومقتل ما يفوق عشرة آلاف غالبيتهم من النساء والأطفال والشيوخ الذين ليس لهم علاقة بالحرب، ذلك كله لن تنتهي لمجرد عقد ورشة عمل في فنادق فاخرة لمندوبي مسؤولي الصراع.

الولايات المتحدة الأمريكية ضالعة بشكل أو بآخر في الحرب التي تدور رحاها في اليمن، وهي صامتة لأكثر من 21 شهرًا، واستخدم في هذه الحرب الطاحنة جميع أنواع السلاح المحرم وغير المحرم على رؤوس المدنيين، وانتهكت حقوق الإنسان من قبل الأطراف سواء التحالف أو القوات الموالية لها، أو من قبل الحوثيين وجماعة الرئيس اليمني السابق دون أن تتحرك واشنطن لتخفيف ذلك طول تلك الفترة.

تعديل المبادرة الأممية

صحيح أنه تحدث عن اليمن، ومبادرة كتحصيل حاصل لزيارته الأخيرة، وهي بالنسبة لهم أمر ثانوي، وتحدث عن إمكانية تعديل المبادرة التي رفضها الرئيس اليمني المدعوم دوليًا.

وبحسب حديث جون كيري في المؤتمر الصحفي، فقد تم تعديل ما أسماها "تفاهمات مسقط"، وتضمين هذه التعديلات خطة المبعوث الأممي ولد الشيخ، بما يستوعب ضمانات أمنية للحكومة السعودية وتحفظات الحكومة المدعومة دوليًا ومطالبها من ضمنها تنازل الرئيس هادي عن جزء من صلاحياته لنائبه الحالي علي محسن الأحمر بعد إقرار السجل الانتخابي المتوافق عليه بين المكونات السياسية المختلفة، وانسحاب قوات الحوثي وصالح من صنعاء.

وبعد أن تصبح العاصمة صنعاء آمنة وخالية من قوات الحوثي وصالح ، يتم تشكيل حكومة وحدة وطنية تحت إشراف الرئيس هادي.

الانسحاب بمسافة 30 كيلومترًا من الحدود السعودية وباب المندب والسواحل الغربية والشمالية الشرقية من اليمن، على نحو ما تم الاتفاق عليه في "تفاهمات مسقط".

يلتزم الحوثيون وصالح بتسليم الصواريخ الباليستية لطرف ثالث، وفق الآليات التي جرى اقتراحها في تفاهمات عمان، ورحب بها الحوثيون وصالح، واعتبروها أساسًا قابلاً للنقاش والبناء عليه.

التعديل الذي طرأ على المبادرة الأممية، سيقابله طرفا الحوثي وصالح بالرفض التام، لكونه يجبرهم على الاستسلام التام، وإعادة الرئيس اليمني لحكمهم وتسليم رقابهم إليه، وهذا يعني أن هناك جولة أخرى إضافية من الصراع العنيف في اليمن.

وبغض النظر عن تلك التعديلات، فإن بتشكيل الحوثيين وصالح حكومة "إنقاذ" في صنعاء، فهم سدوا العملية السياسية أو الحوار مع الحكومة المعترف بها دوليًا، وفي حال قبول أي حوار، فإنه سيكون مع المملكة العربية السعودية من أجل توقيف الهجمات الجوية يقابلها وقف إطلاق النار على الحدود السعودية اليمنية، ووقف إطلاق الصواريخ البالستية على المواقع الاستراتيجية في المملكة.

وفي المقابل ستستمر الحكومة المعترف بها دوليًا متمسكة بالمرجعيات الثلاثة (المبادرة الخليجية ومقررات مؤتمر الحوار الوطني وقرار مجلس الأمن الدولي 2216).

المبادرة الخليجية التي تشترط الحكومة أن تكون أحد المراجع الثلاث تم تعطيلها من قبل البرلمان اليمني، بعدما قال إنه تم خرقها من قبل الرئيس اليمني عبده ربه منصور هادي الذي لم يلتزم بفترته الرئاسية، وكذلك بسبب قيادة المملكة العربية السعودية ودول الخليج حربًا على اليمن دون أن تعمل على الحل السياسي قبل الحرب، والتي تورطت فيها الإمارات العربية المتحدة بدعم الحوثيين لقيادة حرب تطهير على الإخوان المسلمين في اليمن، وانتهت بلجوء الجنرال علي محسن الأحمر إلى الرياض، قبل أن يسيطروا على العاصمة صنعاء واليمن بشكل عام.

بحسب حديث جون كيري في المؤتمر الصحفي، فقد تم تعديل ما أسماها "تفاهمات مسقط"، وتضمين هذه التعديلات خطة المبعوث الأممي ولد الشيخ، بما يستوعب ضمانات أمنية للحكومة السعودية وتحفظات الحكومة المدعومة دوليًا ومطالبها

أما مخرجات الحوار الوطني الذي استمر عشرة أشهر بين الفترة 18 من مارس 2013 حتى 25 من يناير 2014، والذي يدعو إلى تقسيم اليمن إلى فيدراليات غير عادلة، والذي بسببه اندلعت الحرب الأهلية، إضافة إلى اعتماد دستور جديد يسمح للرئيس هادي بالبقاء في السلطة إلى أن يعلن هو عن أجراء انتخابات رئاسية جديدة، لا يبدو أنها مرجع قابل للنقاش في ظل الاقتتال الحالي.

أما القرار الأممي 2216، الذي أصدره مجلس الأمن الدولي في 14 من أبريل 2015، ويبدو أنه جاء لمجاملة المملكة العربية السعودية، يدعو الحوثيين إلى الانسحاب من صنعاء، وتسليم أسلحتهم وعودة الرئيس اليمني عبده ربه منصور هادي إلى صنعاء، من المستحيل تحقيقه في الوضع القائم، وهو ما يعني أن السلام ما زال بعيدًا عن الأفق، وما يعني أيضًا استمرار الحرب إلى أن تُنهك أطراف الصراع، وبالتالي ستزيد معاناة اليمنيين.

الخلاصة

ما زال الطريق نحو السلام طويلاً وصعبًا، وما زالت قوى الحرب المحلية والإقليمية بعيدة في توجهاتها نحو السلام.

مبادرة كيري الأخيرة بعد تعديلها وفقًا لرغبة الرئيس اليمني كما ذكرت الأنباء ربما تزيد الأمور تعقيدًا وتُصعب من جهود تحقيق السلام أو هي فرصة الوقت الضائع التي أراد من خلالها كيري تسجيل نصرًا يحسب له ولإدارته الراحلة.

والسلام لن يتحقق إلا إذا كان عادﻻً وشاملاً ومحققًا بدرجة أساسية لرغبة وطموحات الشعب اليمني وليس مصالح الأطراف المتنازعة محلية أو إقليمية، ومع ذلك ممكن أن تشكل أفكار كيري القديمة والجديدة أرضية لنقاش طويل يتم من خلاله التوافق على صيغة تؤسس لسلام ينهي الحرب ويفتح المجال أمام حوار جاد لصياغة مستقبل يتعايش فيه الجميع.